جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

موقع لكم في تغطية للمؤتمر السادس لحزب النهج الديمقراطي العمالي يتحدث عن خلافات داخلية تلاحق المؤتمر

 جمال براجع.. من جيل السبعينيات إلى قيادة النهج الديمقراطي العمالي بين استمرارية                                 الخط الماركسي واختبار الوحدة الداخلية

من جيل السبعينيات، حيث الرصاص والجمر والمنافي والصراع الأيديولوجي، إلى قيادة أحد أقدم التنظيمات الماركسية اللينينية في المغرب، امتد المسار السياسي والتنظيمي لجمال براجع عبر محطات جمعت بين التدريس والعمل النقابي والنضال الحقوقي. وفي مساء السبت 8 غشت 2026، أفضى هذا المسار إلى تجديد الثقة فيه أميناً عاماً لحزب النهج الديمقراطي العمالي لولاية ثانية، في ختام اليوم الثاني من مؤتمره الوطني السادس المنعقد بالرباط.

لم يكن القرار مفاجئاً بقدر ما بدا تتويجاً لاستمرارية تنظيمية بدأت سنة 2022، عندما خلف براجع الأمين العام الراحل المصطفى براهمة على رأس الحزب، الذي ينظر إليه باعتباره امتداداً سياسياً وتنظيمياً للحركة الماركسية اللينينية المغربية. غير أن تجديد الولاية الثانية يأتي هذه المرة في ظرف مختلف، إذ انعقد المؤتمر وسط خلافات تنظيمية داخلية ومقاطعة أعلنتها مجموعة من المناضلين والمناضلات، ما يجعل إعادة انتخاب براجع اختباراً لا يتعلق فقط باستمرارية القيادة، وإنما أيضاً بقدرتها على استعادة وحدة التنظيم وتجاوز انقساماته.

 

من قاعات التدريس إلى قيادة حزب ماركسي لينيني

ولد جمال براجع سنة 1961 في أقصى شرق المغرب، وتابع دراسته إلى المستوى الثانوي قبل أن يلتحق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، حيث درس التاريخ وتخرج سنة 1985. وبعد ذلك اشتغل أستاذاً لمادة الاجتماعيات، قبل أن يتقاعد من قطاع التعليم، من دون أن يفصل مساره المهني عن نشاطه النقابي والحقوقي.

وتعود علاقته بالفكر اليساري، وفق معطيات الحزب، إلى سبعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت صعود الحركة الماركسية اللينينية المغربية، ومن أبرز تنظيماتها “23 مارس” و”لنخدم الشعب” و”إلى الأمام”. وفي تلك المرحلة، كان اليسار الراديكالي يعيش واحدة من أكثر فترات الصراع السياسي والأيديولوجي حدة في المغرب، في سياق اتسم بالملاحقات والاعتقالات والمحاكمات والنفي.

داخل قطاع التربية والتكوين، جمع براجع بين مهنته في التدريس والعمل النقابي، فيما شكل انخراطه في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان امتداداً آخر لنشاطه العام. ومع مرور السنوات، راكم حضوراً تنظيمياً داخل النهج الديمقراطي، قبل أن يجد نفسه سنة 2022 في موقع قيادة الحزب خلفاً لبراهمة.

وبذلك، فإن انتقاله إلى الأمانة العامة لم يكن انتقالاً من خارج التنظيم، بل جاء من داخل مسار طويل تشكلت فيه هويته السياسية عبر ثلاث دوائر متداخلة: المدرسة، والنقابة، والعمل الحقوقي، ثم العمل الحزبي.


مؤتمر سادس يرفع شعار الاستقلالية

انعقد المؤتمر الوطني السادس للنهج الديمقراطي العمالي في الرباط من 7 إلى 9 غشت الجاري، تحت شعار: “التقدم في بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة والجبهة الشعبية للتخلص من التبعية والمخزن وإنجاز مهام التغيير الوطني الديمقراطي الشعبي”.

وانتهت أشغال المؤتمر إلى انتخاب لجنة مركزية جديدة من 81 عضواً، قبل أن تنتخب هذه الأخيرة مكتباً سياسياً من 18 عضواً، بينهم ثلاث نساء، ليجدد المكتب السياسي الثقة في براجع أميناً عاماً لولاية ثانية.

وحافظت القيادة الجديدة على عدد من الأسماء المعروفة داخل الحزب، من بينها عمر باعزيز وزهرة أزلاف والحبيب التيتي وعبد الله الحريف في مواقع نيابة الأمين العام. وأسندت أمانة المال إلى عبد القادر الحمداوي، مع تعيين عبد المجيد أشهيبة نائباً له، إلى جانب أعضاء آخرين أسندت إليهم مهام استشارية.

وفي كلمته الافتتاحية، أعاد براجع التأكيد على خيار بناء “حزب الطبقة العاملة المستقل”، وشن هجوماً سياسياً على ما يسميه الحزب “سياسات المخزن”، كما جدد رفضه لما وصفه بـ”الهرولة نحو التطبيع” مع إسرائيل.

المقاطعة الواعية والنشيطة

وكان الموقف من الانتخابات أحد أبرز ملامح الخط السياسي الذي حمله المؤتمر، إذ أعلن الحزب تمسكه بخيار “المقاطعة الواعية والنشيطة” للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مستنداً، بحسب براجع، إلى غياب شروط النزاهة الديمقراطية واستمرار وجود معتقلين سياسيين داخل السجون المغربية.

غير أن الأمين العام أوضح، في تصريحات لاحقة لموقع “هسبريس”، أن المقاطعة ليست “مبدأ نهائياً لا رجعة فيه”، وإنما خيار تكتيكي مرتبط بتحليل الظرفية السياسية ومدى خدمتها لمصالح الطبقة العاملة والجماهير الشعبية.

ويأتي هذا الموقف ضمن منظومة سياسية أوسع يتبناها الحزب، تشمل الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتبني موقف الحل الديمقراطي لقضية الصحراء، والمطالبة بالإفراج عن معتقلي حراك الريف ومعتقلي الرأي.

خلافات داخلية تلاحق المؤتمر

لكن المؤتمر السادس لم ينعقد في مناخ تنظيمي هادئ. فبالتزامن مع التحضير له، أعلنت مجموعة من مناضلي الحزب ومناضلاته مقاطعة أشغاله، ووجهت رسالة مفتوحة إلى المؤتمرين وقواعد التنظيم، تضمنت انتقادات لطريقة الإعداد للمؤتمر وآليات انتداب المشاركين وتركيبته.

ورأى المقاطعون أن الظروف التي انعقد فيها المؤتمر لم تكن تسمح بتحويله إلى محطة “وحدوية وتجميعية” قادرة على معالجة التصدعات التي عرفها الحزب منذ مؤتمره السابق. وقالوا إنهم حاولوا قبل المؤتمر فتح نقاش مع القيادة، واقترحوا عقد لقاء مع المكتب السياسي للبحث عن تسويات تعيد الاعتبار لمن وصفوهم بـ”المبعدين والمقصيين والمستقيلين قسراً”، غير أن تلك المبادرات لم تؤد، بحسبهم، إلى اتفاق.

وتناولت الانتقادات أيضاً تركيبة المؤتمر وآليات الانتداب، حيث اعتبر المقاطعون أن جزءاً مهماً من المشاركين حضر “بالصفة”، وليس نتيجة انتخاب مباشر من القواعد. كما أثاروا أسئلة بشأن تركيبة اللجنة التحضيرية وعلاقتها بالأجهزة القيادية السابقة، وغياب الشفافية، بحسبهم، بشأن الوضع التنظيمي للفروع وأعداد المنخرطين، فضلاً عن استمرار الخلاف حول تمثيلية النساء داخل هياكل الحزب.

ورغم ذلك، استكملت أجهزة المؤتمر أشغالها وانتخبت اللجنة المركزية والمكتب السياسي، قبل تجديد الثقة في براجع.

أما المقاطعون، فأكدوا استمرارهم في العمل داخل الحزب، مع رفض الاعتراف بشرعية مخرجات المؤتمر وهياكله القيادية الجديدة، وهو ما يكشف أن الخلاف لم ينته بانتهاء المؤتمر، وإنما انتقل إلى مرحلة ما بعد المؤتمر.


ولاية ثانية واختبار مختلف

بالنسبة إلى جمال براجع، تبدو الولاية الثانية مختلفة عن الأولى. ففي 2022 جاء إلى الأمانة العامة في سياق انتقال القيادة بعد رحيل المصطفى براهمة، أحد أبرز الوجوه التاريخية للنهج الديمقراطي. أما اليوم، فإن استمراره في القيادة يرتبط بقدرة الحزب على إدارة مرحلة سياسية أكثر تعقيداً، وبقدرته في الوقت نفسه على معالجة الخلافات التي ظهرت داخل التنظيم إلى العلن.

فالنهج الديمقراطي العمالي، وإن كان محدود الحجم مقارنة بالقوى السياسية المغربية الكبرى، يحتفظ بموقع خاص داخل اليسار الراديكالي، مستفيداً من إرث الحركة الماركسية اللينينية المغربية ومن حضور عدد من مناضليه في النقابات والحركة الحقوقية والمدنية.

لكن استمرار هذا الحضور السياسي لا يتوقف فقط على وضوح المواقف من السلطة والانتخابات والتطبيع، وإنما يرتبط أيضاً بالسؤال التنظيمي الداخلي: كيف يمكن لحزب يرفع شعار الاستقلالية والوحدة الطبقية أن يدير خلافاته الداخلية ويحافظ على تماسكه؟ هنا تحديداً تبدأ الولاية الثانية لبراجع.

استعادة الثقة.. التحدي الأكبر

فالتجديد الذي حصل عليه في المؤتمر يمثل، من الناحية التنظيمية، تثبيتاً للقيادة القائمة؛ لكنه لا ينهي بالضرورة الجدل حول شرعية المسار الذي أفضى إلى المؤتمر ولا حول الخلافات التي سبقته ورافقته.

ومن ثم، فإن التحدي الأكبر أمام الأمين العام الجديد-القديم لن يكون فقط مواصلة الخط الماركسي اللينيني للحزب، والدفاع عن خياراته السياسية، وإنما تحويل تجديد الثقة الذي منحته له المؤسسات المنتخبة للمؤتمر إلى ثقة أوسع داخل القواعد، وفتح طريق لمعالجة الانقسامات التي بقيت معلقة بعد انتهاء المؤتمر السادس.

في مسار بدأ من سبعينيات القرن الماضي، ومر عبر المدرسة والنقابة والحركة الحقوقية والعمل الحزبي، يجد جمال براجع نفسه اليوم أمام مفارقة القيادة: الحفاظ على إرث تنظيمي عمره عقود، من دون أن يتحول هذا الإرث إلى عبء يمنع إعادة بناء الوحدة الداخلية. وهذه، أكثر من مجرد ولاية ثانية، قد تكون المهمة السياسية والتنظيمية الأبرز في المرحلة المقبلة.





هذا أحدث مقال.
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *