الرباط: تيار اليسار الجديد والمتجدد ينظم ندوة سياسية حول سؤال اليسار بالمغرب (الجزء الثالث) أحمد رباص
الرباط: تيار اليسار الجديد والمتجدد ينظم ندوة سياسية حول سؤال اليسار بالمغرب (الجزء الثالث)
أحمد رباص
كما جرت العادة لدى كل من ترأس جلسة من الجلسات، قام الرفيق نور الدين التقاوي بتلخيص مداخلة الأستاذ المصطفى المريزق قبل أن يسمح للأستاذ سعيد ناشيد بتقديم مداخلته في هذه الندوة الفكرية السياسية الأولى من نوعها والتي نظمها تيار اليسار الجديد والمتجدد بالرباط يوم فاتح غشت الجاري.
في بداية تدخله، أخبر ناشيد الحضور بأنه لن يهتم ببناء المفاهيم بل سيجنح إلى نوع من الإزعاج على اعتبار أن الفلسفة من طبيعتها الإزعاج كما يقال. من هنا، نجد أن الفلاسفة عبر العالم نشأوا وترعرعوا في حوار مع اليسار الجذري بالمعنى الإيجابي؛ لأن استمرارية الحضارة في حاجة ماسة إليه.
وعلى ذكر الحضارة، أشار الأستاذ ناشيد إلى أن مستوى الحضارة الحديثة عرف تطورا هائلا وغير مسبوق. ما يدل على ذلك القدرة على التعديل الوراثي للجنس البشري عبر مشاريع ضخمة بتمويلات ضخمة وبمواصفات معينة. يحدث كل ذلك في وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا من أجل خلق إنسان اكثر قوة وجمالا وأطول عمرا.
وأكد الأستاذ سعيد ناشيد أن الدولة الحديثة محتاجة إلى اليسار، بل العالم كله في حاجة إليه. والسبب، في نظر المتدخل، هو بكل بساطة أن كل ما يناضل اليسار من أجله جزء من قوة الدولة الحديثة. ولاحظ ناشيد أن اليسار عندما يطالب بتجويد التعليم العمومي ودعم المدرسة العمومية فذلك يدخل في إطار البعد الاجتماعي لنضاله المتطلع إلى بناء دولة الرعاية الاجتماعية. لكن إذا تخلت الدولة عن التعليم العمومي فقد تخلت عن جزء أساسي من قوتها. لهذا نجد الدولة الليبرالية تولي أهمية قصوى للتعليم العمومي؛ وذلك ما تأكد منه الأستاذ ناشيد في إحدى زياراته لأمريكا.
وأكد الأستاذ أن ما يحظى به التعليم العمومي في ديار العم سام من رعاية واهتمام تحظى به في نفس الوقت وفي نفس المكان الصحة العمومية. من ذلك خلص المتدخل إلى أن ما نطالب به كشعارات يوجد في أمريكا كشيء مسلم ومعمول به. ما يعني ان الحزب الديمقراطي جزء من اليسار لأنه حريص على حضور البعد الاجتماعي في نضاله الذي استطاع بفضله إقناع سكان نيويورك بأطروحته السياسية ومشروعه المجتمعي إلى درجة أن ولاية نيويورك تعد ولاية يسارية بامتياز؛ لسبب وحيد هو إنتاج الأفكار المتعلقة بحقوق الإنسان وجيلها الجديد وقضايا المرأة وتحديات العمل النقابي، إلخ..
بعد هذه المقدمة التي خصصها الأستاذ ناشيد للحديث عن اليسار وحاجة الدولة الحديثة إليه، انتقل إلى صلب مداخلته: الخطايا الخمس لليسار، وقد حددها كما يلي:
الخطيئة الأولى: الاستثمار في الغضب؛ اعتقادا بأنّ الغضب آلية ضرورية للتعبئة. والحال أنّ الغضب كسائر الانفعالات، يشتعل بسرعة وينطفئ بسرعة. لذلك، الموقف القائم على الغضب لا يدوم. أما الموقف الذي يدوم فهو القائم على الفهم.
الخطيئة الثانية: مساندة بعض الأنظمة الشمولية بدعوى أولوية مناهضة الإمبريالية. وهكذا يغدو الموقف من الديمقراطية والحريات الفردية موقفًا ظرفيًّا لا مبدئيًّا: لا نطالب المستبد بالحرية إلّا حين لا يقول ما نودّ سماعه.
الخطيئة الثالثة: الوقوع في الإغراء الأصولي، تارةً باسم الثورة، وتارةً باسم فلسطين. والحال أن الإيديولوجيات المغلقة تُضعف الذكاء العمومي، ومن ثمّ تعيد إنتاج الهزيمة ولو بعد حين.
الخطيئة الرابعة: النزعة الشعاراتية. فالشعار ليس إجابة، بل اختزال للسؤال؛ اختزال يريح لأنه يعفي من التفكير، لكنه يشلّ القدرة على النظر في التفاصيل التي تجعل الممكن ممكنًا بالفعل: القوانين، والآليات، والتمويل، والكلفة، والبدائل.
الخطيئة الخامسة: الإغراء الخلاصي، أي الاعتقاد بوجود وصفة سحرية تحقق الخلاص دفعةً واحدة. والحال أن السياسة ليست خلاصًا، بل إصلاحا متدرجا لا ينتهي. ومن يَعِد الناس بالفردوس على الأرض قلّما يتردد في تبرير الجحيم باسمه.
لعله لم يقدّم تيار في التاريخ من التضحيات ما قدّمه الشيوعيون: في إندونيسيا ذُبح مئات الآلاف ورُميت جثثهم في الأنهار والآبار المهجورة؛ وفي الأرجنتين وتشيلي أُلقي المناضلون أحياءً من الطائرات في عرض المحيط؛ وفي العراق والسودان وإيران سيق الشيوعيون إلى المشانق. لذلك أقول: لو كان التاريخ يُصنع بالتضحيات وحدها، لَكان الشيوعيون سادة العالم اليوم. ومع ذلك، لو كانوا كذلك فلا ندري: أهي جنة موعودة، أم خيبة بحجم الجحيم؟
علينا أن نتخلص من الرؤية الهيجلية المأساوية، التي ترى في التاريخ مذبحًا تُقدَّم عليه سعادةُ الشعوب وحكمةُ الدول وفضيلةُ الأفراد قرابين، وترى في الألم ثمنًا يُشترى به المستقبل. ففي هذه الرؤية يشتغل ما سماه هيجل «مكر العقل»؛ حيث يستدرج التاريخُ ضحاياه إلى مذبحه، ثم يمضي إلى غايته من دون أن يلتفت إليهم. ويا لها من مأساة!
والحال أن التاريخ لا يطلب الدماء (وهي حقيقة فهمها غاندي، ومارتن لوثر كينغ، وجودت سعيد، وآخرون ليسوا كثيرين للأسف). فالتاريخ ليس مصرفًا يودع فيه الدم ليُستردَّ لاحقًا بفوائده حريةً وعدلًا؛ والتضحيات لا تتراكم كما تتراكم رؤوس الأموال، ولا تتحول من تلقاء نفسها إلى مكاسب سياسية.
ولهذا كان تمجيد التضحية بوصفها قيمةً في ذاتها هو الوجه اللاأخلاقي للإغراء الخلاصي: فهو يحوّل السياسة من فنٍّ لتقليل الآلام إلى طقسٍ لتقديسها. أما الرؤية البديلة فبسيطة: التاريخ لا يتقدم بمن يتألم أكثر، بل بمن يفهم أكثر؛ والمعيار الحقيقي لنجاح أي حركة ليس حجم ما بذلته من دماء، بل حجم ما وفّرته منها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق