جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

بعد ستين يومًا من الاعتقال، ما زلنا نتعلّم من الرفيق القائد د. عمر إميل عواد.

 بعد ستين يومًا من الاعتقال، ما زلنا نتعلّم من الرفيق القائد د. عمر إميل عواد.

ليس فقط لأنه عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي الأردني، ولا لأنه قائد تنظيمي بارز، بل لأن تجربة عمر بالنسبة لجيل كامل من الشباب شكّلت مدرسة سياسية وإنسانية متكاملة. تعلّمنا منها كيف يكون الإنسان ماركسيًا في حياته اليومية، في علاقته بالناس، وفي فهمه للتنظيم، وفي انحيازه الصادق للفقراء والكادحين، لا في الشعارات وحدها.

منذ بدايات الحراك الشعبي في الأردن، ومع انخراط قطاع الشباب في الحزب الشيوعي الأردني في الشارع، برز عمر بين الرفاق بوصفه قائدًا ميدانيًا مختلفًا. حمل مسؤولية الحزب والشباب بطاقة استثنائية، وعمل بصمت وإصرار، وطوّر نفسه سياسيًا وتنظيميًا وفكريًا عبر سنوات طويلة من الالتزام والعمل اليومي. وفي لحظة سياسية اتسمت بالفوضى وصعود الشعبوية والانفعالات العابرة، تمسّك بالفكر الماركسي كأداة لفهم الواقع وتغييره.

كان يردّد دائمًا أن الحماس وحده لا يصنع تغييرًا، وأن أي حركة شعبية لا تمتلك تنظيمًا سياسيًا واعيًا وقادرًا على توجيه طاقتها ستبقى عاجزة عن الوصول إلى أهدافها. بالنسبة له، لم تكن العفوية كافية، مهما بدت جذابة ومندفعة، لأن التغيير يحتاج إلى تنظيم، وإلى تراكم، وإلى رؤية طبقية واضحة تنحاز لمصالح الناس الحقيقية.

في زمن النيوليبرالية، لم تقتصر المعركة على الاقتصاد والسياسة فقط، بل امتدت إلى الوعي ذاته. فهذه المرحلة عملت على تفكيك فكرة العمل الجماعي، وعلى دفع الإنسان نحو الفردانية والعزلة والخلاص الشخصي. جرى تقديم التنظيم السياسي وكأنه عبء أو صورة قديمة، وتحولت فكرة الالتزام الحزبي في الخطاب العام إلى مادة للسخرية والتشويه. وصارت صورة “المحزّب” مرتبطة في أذهان كثيرين بالتبعية والانغلاق، في وقت جرى فيه الترويج لفكرة الفرد المنعزل الذي لا تربطه أي قضية جماعية أو مشروع تغييري.

وسط هذا المناخ، خاض عمر معركة يومية للدفاع عن معنى التنظيم والعمل الحزبي. وفعل ذلك من خلال سلوكه وعلاقته بالناس. قدّم نموذجًا مختلفًا للمحزّب؛ الإنسان القريب من الناس، المنفتح على الحوار، القادر على الإصغاء، والمتمسك بقناعاته دون تعالٍ أو استعراض. كان يرى أن الحزب أداة لتحريره من العجز والتفكك والعزلة التي تنتجها هذه المرحلة.

لهذا السبب، شعر كثير من الشباب أن علاقتهم بالحزب لم تكن علاقة تنظيمية جافة، بل علاقة إنسانية عميقة. كان عمر قريبًا من تفاصيل الجميع؛ يتابع أحوال الرفاق الشخصية، يقلق على غيابهم، يسأل عن مشاكلهم اليومية، ويمنح كل شاب يشعر بالتردد أو التعب مساحة حقيقية للحوار والاحتواء. و تعامل مع الرفاق كأشخاص لهم ظروفهم وأسئلتهم وأحلامهم.

هذه الروح الإنسانية صنعت حالة خاصة داخل قطاع الشباب. كثير من الرفاق تشكّل وعيهم السياسي والتنظيمي على يديه. تعلّمنا منه كيف تُدار الأمور داخل التنظيم، وكيف يتحول العمل الجماعي إلى حالة من الثقة والتكافل والالتزام. وكان يؤمن دائمًا أن التنظيم الحقيقي يُبنى بتراكم العلاقات الإنسانية والثقة المتبادلة والشعور بالمسؤولية الجماعية.

وفي السنوات التي تعرّض فيها قطاع الشباب لسلسلة من الضربات والتراجعات، بقي عمر متماسكًا، يعمل بهدوء وصبر لإعادة البناء من جديد. لم تدفعه الصعوبات نحو الإحباط أو الانكفاء، بل زادته اقتناعًا بأن العمل السياسي الحقيقي يحتاج إلى نفس طويل، وإلى إيمان عميق بالناس وبقدرتهم على التغيير.

ورغم العدد القليل والإمكانيات المحدودة والهجوم المستمر على الأحزاب الوطنية، أصرّ على بقاء الحزب حاضرًا في الشارع، وعلى أن يكون للشيوعيين دور واضح بين الناس. وفي كل فعالية أو مسيرة أو نشاط، تابع أدق التفاصيل؛ من الشعارات، إلى ترتيب الرفاق، إلى النقاشات السياسية، وحتى متابعة الجميع بعد انتهاء الفعالية. لم يكن ذلك بدافع السلطة أو السيطرة، بل انطلاقًا من إحساس عميق بالمسؤولية تجاه التنظيم والرفاق.

وبين عامي 2011 و2017، ومع كل الضربات التي تعرّض لها قطاع الشباب، خرجت التجربة أكثر صلابة وتماسكًا. وتراكمت الخبرات التنظيمية والسياسية حتى تشكلت حالة شبابية واضحة حول الحزب، تحمل هويته السياسية والفكرية في الشارع والجامعة والنقابة وكل مساحة نضال. وما زالت آثار تلك المرحلة حاضرة حتى اليوم في وعي كثير من الرفاق وفي علاقتهم بالعمل السياسي والتنظيمي.

لم يتعامل عمر يومًا مع الحزب كوسيلة لتحقيق مصلحة شخصية أو موقع فردي. عاش فكرة نكران الذات بكل معناها، وكرّس جهده ووقته لبناء التنظيم وتطويره، مؤمنًا أن قوة الحزب تُقاس بقدرته على إنتاج كوادر جديدة تحمل الوعي والانتماء والاستعداد للتضحية.

لهذا، فإن الحديث عن د. عمر إميل عواد لا يقتصر على تجربة قائد سياسي أو مسؤول حزبي، لكن عن تجربة إنسان ساهم في تشكيل وعي جيل كامل من الشباب، وفي الدفاع عن فكرة التنظيم في زمن التفكك، وعن الفكر الماركسي في زمن التشويه والعدمية السياسية.

واليوم، بعد ستين يومًا من الاعتقال، يبقى حضوره حاضرًا في تفاصيلنا اليومية، وفي وعينا السياسي، وفي الطريقة التي نفهم بها معنى الالتزام والنضال والعمل الجماعي. وما زلنا نعرف أن الاعتقال، مهما طال، لن يستطيع أن يعزل فكرة زرعت نفسها في وجدان جيل كامل آمن بأن العدالة والتحرر الوطني والتخلص من التبعية والامبريالية والاحتلال الصــ,÷ــيوني قضية حياة كاملة.

عن الجماهير /الحزب الشيوعي الاردني



هذا أحدث مقال.
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *