لمحة موجزة عن اليسار في العالم بشكل عام وفي المغرب بوجه خاص .أحمد رباص
لمحة موجزة عن اليسار في العالم بشكل عام وفي المغرب بوجه خاص .أحمد رباص
تعكس الاختلافات بين اليساريين عبر العالم تنوع السياقات التاريخية، الاجتماعية، والسياسية التي نشأ فيها اليسار في كل منطقة. يمكن تلخيص هذه الاختلافات في عدة نقاط رئيسية:
من حيث المرجعية الفكرية والسياسية، غالبا ما ارتبط اليسار في أوروبا وأمريكا بالتقدّمية، الاشتراكية الديمقراطية، والليبرالية الاجتماعية، مع تركيز على العدالة الاجتماعية، حقوق العمال، ودولة الرفاه.
وفي الشرق الأوسط، غالبا ما كان اليسار مرتبطا بالعلمانية ومناهضة الاستعمار، مع تركيز على قضايا التحرر الوطني والاجتماعي، وأحيانًا يتداخل مع القومية.
من حيث الأولويات والقضايا المركزية، يركز اليسار في الغرب على حقوق الإنسان، المساواة الاقتصادية، حماية البيئة، وحقوق الأقليات.
وفي العالم العربي وأجزاء من آسيا وأفريقيا، يركز اليسار على مقاومة الاستعمار، القضايا الوطنية، العدالة الاجتماعية، وتحرير المرأة في سياقات تقليدية.
في ما يتعلق بالتاريخ والتجارب السياسية، شهد اليسار في أوروبا تجارب طويلة مع الحركات العمالية، الاشتراكية، والشيوعية، مع تحولات كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية.
في بعض الدول النامية، كان اليسار جزءا من حركات التحرر الوطني والثورات ضد الأنظمة الاستبدادية، لكنه واجه تحديات مثل القمع أو الانقسامات الأيديولوجية.
ليست النزعة اليسارية عبر العالم تيارًا موحدًا بل اتسمت باختلافات شتى تعكس السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية لكل منطقة.
يمكن تلخيص أبرز هذه الاختلافات كما يلي:
في ما يخص الاختلافات الإيديولوجية، هناك تفرقة بين اليسار الاشتراكي، الشيوعي، الديمقراطي الاشتراكي، واليسار التقدمي أو الليبرالي. فمثلاً، الشيوعيون يركزون على الملكية الجماعية ورفض الرأسمالية بشكل كامل، بينما الديمقراطيون الاشتراكيون يدعمون اقتصادًا مختلطًا مع ضمانات اجتماعية قوية. بعض اليساريين يربطون اليسار بالعدالة الاجتماعية والعلمانية، خصوصا في دول الشرق الأوسط، حيث اليسارية غالبا ما تكون مرتبطة بالدفاع عن العلمانية في مواجهة التيارات الدينية.
في الجانب المتعلق بالاختلافات الجغرافية والثقافية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، غالبا ما يكون اليسار مرتبطًا بحركات العمال والنقابات العمالية، مع تركيز على حقوق العمال والرفاهية الاجتماعية. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتداخل اليسار مع قضايا التحرر الوطني، مقاومة الاستعمار، وقضايا الهوية الدينية والثقافية، مما يخلق تباينات في المواقف والأولويات.
وفي الجانب الخاص بالاختلافات في المواقف السياسية، نجد أن بعض اليساريين يدعمون التغيير الثوري الجذري، بينما آخرون يفضلون الإصلاح التدريجي داخل النظام الديمقراطي. وهناك اختلاف في المواقف تجاه القضايا الدولية، مثل موقف اليسار من العولمة، الحروب، وقضايا حقوق الإنسان.
أما من منظور الاختلافات في العلاقة مع الدين في بعض الدول، نجد اليسار يعارض الدين كقوة سياسية، بينما في دول أخرى قد يتعاون مع حركات دينية تقدمية أو قومية.
باختصار، اليسار عبر العالم يشكل طيفًا واسعًا من الأفكار والمواقف التي تتغير بتغير الظروف المحلية والتاريخية، مما يؤدي إلى اختلافات شتى بين اليساريين في مختلف البلدان.
أما في المغرب، فالمشهد السياسي متنوع، حيث تمتد مجموعة من الأحزاب من أقصى اليسار إلى التوجهات الإسلامية. ويمثل اليسار في المغرب العديد من الأحزاب والحركات التي تدعو إلى العدالة الاجتماعية والإنصاف والإصلاحات التقدمية. في ما يلي النقاط الرئيسية حول اليسار في المغرب.
توجد في المغرب أحزاب تتعاطف مع الأيديولوجيات الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية واليسار الأخضر. غالبًا ما تركز هذه الأحزاب على حقوق العمل، والعدالة الاجتماعية، والقضايا البيئية، والإصلاحات الديمقراطية.
حزب اليسار الأخضر: يؤكد هذا الحزب على الاستدامة البيئية جنبًا إلى جنب مع السياسات الاجتماعية اليسارية. وهناك أحزاب وحركات صغرى تتماشى مع المبادئ اليسارية، بما في ذلك الدعوات إلى حكم أكثر ديمقراطية وعدالة اقتصادية.
من حيث السياق السياسي، يخضع المغرب لنظام سياسي هجين حيث تتمتع الملكية بسلطة كبيرة إلى جانب المؤسسات المنتخبة. وعلى الرغم من الانتخابات المنتظمة، غالبًا ما يوصف النظام السياسي بأنه "ديمقراطية زائفة"، مع تعددية سياسية محدودة وخيبة أمل الناخبين، خاصة بين الشباب. ويعمل اليسار، مثله كمثل القوى السياسية الأخرى، في ظل هذه البيئة المقيدة، ويوازن بين الدفع نحو الإصلاحات والتغلب على نفوذ النظام الملكي.
يواجه اليسار في المغرب تحديات مثل التشرذم، والنجاح الانتخابي المحدود مقارنة بالأحزاب الوسطية والإسلامية، والتأثير الشامل للنظام الملكي. ومع ذلك، تساهم الأحزاب اليسارية في الخطاب السياسي حول العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والسياسات البيئية.
لا يمكن إنكار مشاركة الشباب في الأفكار اليسارية، ولكن تخفف منها الشكوك السياسية الأوسع.
يمثل اليسار في المغرب مجموعة من الأحزاب التي تدافع عن سياسات اجتماعية وبيئية تقدمية، لكنه يعمل ضمن نظام سياسي تهيمن عليه الملكية ويتميز بحريات ديمقراطية محدودة. تأثيره ملحوظ في المناقشات الاجتماعية ولكنه مقيد من حيث السلطة السياسية.
في مقدمة مقال له معنون ب"حقائق اليسار في المغرب"، ومنشور بالموقع الإخباري "السفير العربي" (النسخة الإنجليزية) بتاريخ 2020/03/01، يقول عبد الله الحريف: "صحيح أن الظروف الموضوعية في المغرب، بما فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العميقة والمتفاقمة، تُهيئ الظروف لصعود اليسار إلى الواجهة، إلا أن اليسار في المغرب يتسم بالضعف والتشرذم والضياع الفكري. وقد بات المفهوم نفسه غامضاً، لا سيما مع انتشار ما بعد الحداثة وتأثيرها، التي تُركز على "البنى الفوقية" لتحديد اليسار ("المحافظة" في مقابل "الحداثة")، وتُضخّم الهويات والخصوصيات الجنسية والفئوية على حساب الطبقات الاجتماعية. وتلجأ هذه المفاهيم إلى العمل المجزأ، خاصة في المجتمع المدني الذي غالباً ما يقتصر على المنظمات غير الحكومية التي غالباً ما تُموّلها مؤسسات غربية، على حساب الصراع الطبقي وأدواته (النقابات والأحزاب السياسية). إذن، ما هو "اليسار" في المغرب اليوم؟"
ويشير الحريف إلى أن اليسار في المغرب انقسم إلى تيارات راديكالية (ماركسية، تروتسكية) وإصلاحية، وفقد نفوذه التاريخي، خاصة بعد الإخفاقات والانقسامات المتعاقبة لأحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
وعلى الرغم من انتشاره في كل مكان في النقابات العمالية والنشاط النقابي، إلا أن اليسار يظل معزولاً عن الجماهير الشعبية مثل حركة 20 فبراير التي عانت من انقساماتها الاستراتيجية في مواجهة النظام الملكي والحركات الإسلامية، كاشفة عن عدم قدرتها على صياغة بديل موحد قادر على الاستجابة لتطلعات البلاد الديمقراطية والاجتماعية.
ولاحظ الحريف أن اليسار المغربي، رغم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المواتية لنموه، يعاني من التشرذم والارتباك الفكري والبعد عن الطبقات العاملة. تحت تأثير الاهتمام بما بعد الحداثة على حساب الصراع الطبقي، ظل منقسما بين التيارات الماركسية الراديكالية والإصلاحيين الديمقراطيين الاشتراكيين، ووريثا للإخفاقات التاريخية للعديد من المنظمات منذ الاستقلال. وعلى الرغم من وجوده في كل مكان داخل النقابات وحركات حقوق الإنسان، إلا أن هذا اليسار يكافح من أجل توحيد الشباب أو تعبئتهم. خلال حركة 20 فبراير، لعب اليسار دورا قياديًا قبل أن تنفد قوته بسبب الافتقار إلى استراتيجية مشتركة وترسيخ حقيقي بين الجماهير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق