جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

حين كانت «الأخبار» جريدتنا الأسبوعية. د. طنوس شلهوب

 حين كانت «الأخبار» جريدتنا الأسبوعية.

د. طنوس شلهوب

عندما قرأت أن جريدة «الأخبار» اللبنانية تحتفل بالذكرى العشرين لتأسيسها شعرتُ أن شيئاً من تاريخنا يُمحى، ولو من دون قصد. إن 14 أب 2006 هو تاريخ صدور «الأخبار» اليومية بصيغتها الحالية، أما اسم «الأخبار» وتاريخه في الصحافة اللبنانية فيعودان إلى عقود سبقت ذلك بكثير، وإلى زمن كانت فيه الصحافة جزءاً من العمل السياسي والثقافي للحزب الشيوعي اللبناني.

في شهادته عن تاريخ «النداء»، يستعيد المناضل الراحل محمد دكروب سلسلة الأسماء التي حملتها الصحافة الشيوعية اللبنانية عبر مراحلها المختلفة. يذكر أن الجريدة التي بدأت باسم «الإنسانية» حملت لاحقاً أسماء «صوت العمال»، ثم «صوت الشعب»، ثم ظهرت بأسماء أخرى، بينها «الأخبار» و«الثقافة الوطنية»، قبل أن تستقر في أواخر الخمسينيات على اسم «النداء». ويؤكد أن هذه الصحف لم تكن تجارب منفصلة، بل حلقات متصلة في تاريخ صحافة شيوعية واحدة.

ويكشف تاريخ الصحافة الشيوعية اللبناني بدوره أن هذه السلسلة كانت أقدم بكثير من «الأخبار» التي نعرفها اليوم. فصحيفة «السفير» نشرت عام 1999 عرضاً تاريخياً لمسيرة الإعلام الشيوعي في لبنان، يبدأ بـ«الإنسانية» التي صدرت في 15 أيار 1925، ثم يتابع أسماء الصحف التي تعاقبت، ومنها «صوت العمال» و«صوت الشعب» و«الصرخة»، و«الأخبار» و«الطليعة» و«الثقافة الوطنية»، وصولاً إلى «النداء» التي صدر عددها الأول في كانون الثاني 1959. ويصف المصدر الصحافة بأنها كانت بالنسبة إلى الشيوعيين وسيلة أساسية للصلة بالجماهير، وتطوير وعيها الوطني والاجتماعي.

أما بالنسبة إلى «الأخبار» تحديداً، فتشير المصادر التاريخية إلى أن امتيازها كان قائماً في خمسينيات القرن الماضي، وأنها أصبحت لسان حال الحزب الشيوعي اللبناني منذ عام 1954. كما تذكر هذه المصادر أن امتيازها انتقل لاحقاً إلى كمال سنو، ثم إلى سهيل يموت ويوسف خطار الحلو.

وهنا تكتسب شهادة يوسف خطار الحلو أهمية خاصة، ليس فقط لأنه كان من رجال الصحافة الشيوعية اللبنانية، بل لأنه كان معنياً مباشرة بتاريخ هذه الصحافة. وفي شهادات أخرى عن تلك المرحلة ترد «الأخبار» إلى جانب «النداء» بوصفهما من المنابر التي عمل فيها الشيوعيون والصحافيون المرتبطون بالحزب. كما يرد اسم يوسف خطار الحلو في شهادات صحفية وتاريخية عديدة بوصفه واحداً من أبرز الصحافيين الذين حملوا هذا الإرث.

وهنا تستدعي الذاكرة شيئاً من ذلك التاريخ.

مع بدايات التزامي الحزبي في العام 1970، كنتُ يومها في بداية طريق النضال، وكان من بين المهام الأسبوعية التي أوكلت إليّ مع قبولي مرشحاً لعضوية الحزب، توزيع جريدة «الأخبار» على المشتركين من الرفاق والأصدقاء.

كنت أتولى توزيعها في منطقة الحدث – الانطونية حيث كنتُ أسكن، وأنتظر صدورها كل أسبوع لأحمل النسخ وأوصلها إلى أصحابها. كان التوزيع في تلك الأيام جزءاً من العمل الحزبي العادي؛ مثله مثل حضور الاجتماعات وحلقات التثقيف، ومتابعة النشاطات، والاتصال بالرفاق، وقراءة الأدبيات الحزبية.

لم تكن الجريدة بالنسبة إلينا مجرد صحيفة نشتريها من كشك ونقرأها ثم نطويها. كانت لسان حال الحزب، ووسيلة أساسية للاتصال، وللتثقيف السياسي، ولإيصال موقف الحزب إلى الرفاق والأصدقاء، وربما إلى من لم يكن قد حسم موقفه بعد.

وهذا بالضبط ما كان يقصده دكروب عندما تحدث عن توزيع الصحافة الشيوعية، وعن الشبان الذين كانوا يحملون الجريدة ويمدونها إلى الناس لا باعتبارهم باعة جرائد، بل باعتبارهم حملة فكرة وموقف. وقد وصف دكروب بنفسه مشاهد توزيع «النداء» بهذه الطريقة، مؤكداً أن الذين كانوا يوزعونها لم يكونوا باعة جرائد، بل شيوعيين يحملون معهم أفكاراً وأحلاماً.

استمريتُ في هذه المهمة الأسبوعية من عام 1970 حتى بداية الحرب الأهلية عام 1975. خمس سنوات فقط، لكنها بقيت عالقة في الذاكرة، ربما لأن الجريدة لم تكن وحدها التي كنت أحملها؛ كنت أحمل معها جزءاً من الحياة الحزبية في تلك المرحلة، بكل ما كان فيها من حماس الشباب، والإيمان بإمكانية التغيير، والشعور بأن للكلمة المطبوعة دوراً في ذلك التغيير.

ولهذا فإن تاريخ «الأخبار» هو جزء من تاريخ طويل بدأ مع الصحافة الشيوعية اللبنانية في عشرينيات القرن الماضي، ومر عبر «الإنسانية» و«صوت العمال» و«صوت الشعب» و«الأخبار» و«الثقافة الوطنية» و«الطليعة» وغيرها، قبل أن تصل هذه السلسلة إلى «النداء».

يكفي أن أتذكر عام 1970، رزمة «الأخبار» الأسبوعية، ومنطقة الحدث -الأنطونية، والرفاق والأصدقاء الذين كنت أوصل إليهم الجريدة كل أسبوع. تلك كانت «الأخبار» التي عرفتها قبل أكثر من نصف قرن.

إن تعليقي هذا ليس مجرد تصحيح لتاريخ صحيفة، بل استعادة لجزء من ذاكرة جيل كامل عاش الصحافة بوصفها جزءاً من النضال السياسي والثقافي والاجتماعي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *