أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الرابع) *أحمد رباص
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الرابع) *أحمد رباص
من حيث الأهمية التي يمكن للأطروحة أن تكتسيها، يعتقد الباحث عبد الله الحرشيش أن بعض الدراسات حول اليسار المغربي كانت محدودة النطاق، إذ ركزت على حزب واحد أو بضعة أحزاب، بينما هو يقترح دراسة شاملة لجميع الفصائل التي تُعرّف نفسها باليسار بمعناه الشامل.
علاوة على ذلك، ركزت بعض الدراسات تحليلها على الفترة من 1960 إلى 1980. إلا أن المشهد السياسي المغربي الحالي يزخر بالعديد من الجماعات والأحزاب اليسارية الحديثة، التي ظهر بعضها في تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة، مما يستدعي تحليلاً معمقاً.
ومن الضروري أيضاً الإشارة إلى أن هذه الدراسة تُجرى ضمن سياق محدد أثار تساؤلات عديدة حول موقف اليسار من الانتفاضات الشعبية في المغرب عام 2011، وكذلك الانتفاضة في منطقة الريف التي استمرت من أكتوبر 2016 حتى خريف 2017.
كما يسعى هذا البحث إلى تسليط الضوء على تراجع اليسار المغربي وصعوباته في تشكيل بديل سياسي، وتقديم مادة للتأمل والتفكير. في هذا السياق، يأمل الباحث أن يساهم، من خلال تحليل الوضع الراهن لليسار المغربي، في تطوير أدبيات جديدة حول ظاهرة الانتماء الحزبي في المغرب.
يمكن الاستفادة من هذا البحث حول تراجع اليسار المغربي في تحليل تراجع اليسار في العالم العربي. علاوة على ذلك، فإن بعض التفسيرات المطروحة صالحة أيضاً لتفسير تراجع اليسار في العالم العربي والإسلامي. ففي الدول العربية، عانت أحزاب اليسار وحركات اليسار الجذري من المصير نفسه الذي عانى منه اليسار المغربي. سواء كان اليسار الجزائري أو التونسي أو المصري أو اليمني أو اللبناني أو السوري أو العراقي، فقد كانت الحركات متطابقة تقريباً.كلها انطلقت من رؤية مفادها أن جميع الأنظمة العربية قابلة لأن تنهار ويطاح بها عبر الثورة. واعتقدت أن الظروف مواتية للثورة، وأن الشعوب كانت متذمرة وثورية بطبيعتها. كما تكرر القول بأن الحقيقة ثورية، وأن كل ما ينقص هو حزب طليعي يجمع بين ما كان يُسمى آنذاك بالشروط الموضوعية والذاتية اللازمة لإنجاح الثورة. كان تراجع هذه الأحزاب والحركات اليسارية أمراً شبه حتمي في التطور العام لهذه المجتمعات، لأنها ظلت محافظة بشكل عميق.
وبالنسبة إلى المخطط الذي تسير وفقه الرسالة، فقد أشار صاحبها إلى أنها تنقسم إلى جزأين، يقدم الجزء الأول توضيحًا مفاهيميًا لليسار في السياق العربي والمغربي، ونشأة اليسار المغربي، واتجاهاته الرئيسية.
ويُخصص الجزء الثاني للعوامل الخارجية والداخلية الرئيسية التي أضعفت بشكل ملحوظ أحزاب اليسار في المغرب.
جاء عنوان الفصل الأول مصوغا كالتالي: اليسار المغربي: التعريف والنشأة
ماذا يعني أن تكون يساريًا في المغرب اليوم؟ كيف يُمكن تعريف اليسار في المغرب وفي السياق العربي؟ ومن أين يستمد شرعيته؟
لتعريف اليسار، قال الكاتب إنه في ظل تنوع الخطابات والممارسات، ظل مفهوم "الانتماء إلى اليسار" لسنوات عديدة محورًا للنقاشات والجدالات في الأوساط الإيديولوجية والفكرية اليسارية العربية. لذا، رأى ضرورة دراسة تعريف اليسار في السياق العربي والمغربي لتحديد معالمه ومعناه الدقيق. سيساعده ذلك على فهم أفضل للاتجاهات التي اتخذتها التيارات التي تدّعي انتماءها إلى اليسار استجابةً للتغيرات والتحولات التي شهدها العالم، لا سيما منذ انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية.
تتفق بعض الدراسات الأكاديمية في مجال العلوم السياسية على أن اليسار، تاريخيًا، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنظريات كارل ماركس وفريدريك إنجلز. وقد ألهمت الاشتراكية العلمية، على وجه الخصوص، الأحزاب اليسارية في العالم العربي، وأصبحت هذه الأيديولوجيا من أكثر الأيديولوجيات تأثيرًا بين التيارات التي تدّعي انتماءها إلى اليسار.
ويرى بعض الباحثين، مثل محمد حنفي، أن اليسار يشمل جميع الأحزاب والتيارات التي تتبنى الاشتراكية العلمية كأيديولوجيا ومنهج تحليلي. وبالتالي، يمكن تعريف اليسار أيديولوجيًا بأنه مجموعة التيارات التي تستلهم الاشتراكية العلمية لتحليل الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.
أما في المجال السياسي، فيُنظر إلى اليسار على أنه الحزب السياسي الثوري الذي يتمثل دوره في الدفاع عن الطبقة العاملة، والذي سيضمن، حال وصوله إلى السلطة، نقل ملكية وسائل الإنتاج المادي إلى الشعب.
لكن هل لا يزال هذا التعريف، الذي يبدو أنه يتوافق مع سياقٍ برزت فيه أحزاب اليسار كأحزاب ثورية وسعت إلى الاستيلاء على السلطة عبر الثورة، صالحًا اليوم؟ لا بد من القول إن اليسار المغربي، شأنه شأن اليسار العربي، قد مرّ بتحولاتٍ كبيرة في أعقاب القمع والانقسامات والضغوط التي أجبرته على تعديل خطابه وإجراء تعديلات أيديولوجية وسياسية.
فضلا عن ذلك، وجهت التغيرات التي طرأت منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الاشتراكية ضربةً قويةً للتطلعات الثورية المستوحاة من الأيديولوجيا الماركسية اللينينية والاشتراكية العلمية. وقد أجبر هذا الوضع اليسار العربي على إعادة ابتكار نفسه مع محاولة الحفاظ على تقاربه الأيديولوجي مع الاشتراكية. ولذلك، شكّكت معظم أحزاب اليسار العربي في الاشتراكية العلمية باعتبارها مرجعها الأساسي.
في المغرب، ورغم أن لوائح بعض الأحزاب ما تزال تشير إلى هذه الأيديولوجيا كمنهج تحليلي، إلا أنها جُرّدت من مضمونها الثوري لتتلاءم مع خصوصيات المجتمع المغربي. تم التخلي عن الخيار الثوري وثقافة المواجهة لصالح خطاب التوافق ودمقرطة النظام. أصبح هذا الحل المرجع والبديل الرئيسي لمعظم أحزاب اليسار لتحقيق التغيير المنشود. لم يعد الأمر يتعلق بمواجهة النظام، بل بالالتزام التام بالإطار السياسي والمؤسسي الذي وضعته الحكومة، و"التوفيق بين الاشتراكية والليبرالية في إطار الديمقراطية الاجتماعية".
ما تزال بعض أحزاب اليسار الجذري، مثل حزب النهج الديمقراطي، وبعض الفصائل اليسارية الصغيرة الناشطة في الجامعات، تدّعي التمسك بالاشتراكية الثورية. مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن قوى اليسار ما تزال تعتقد أن الاشتراكية هي الحل الأمثل لأنها تحشد الموارد لتحسين أوضاع البشرية جمعاء. تتحد هذه القوى ضد الرأسمالية، التي تعتبرها المصدر الرئيسي لعدم المساواة والاستغلال والدمار.
لذلك، ترى هذه القوى أنه من غير المنطقي أن يكون المرء يساريًا وفي الوقت نفسه يعتقد أن الرأسمالية هي أسمى مراحل التطور البشري. وترى هذه القوى أن الاشتراكية هي جوهر رؤية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتحرر دون اللجوء إلى العنف.
ولتحقيق هذه الغاية، يُعطي اليسار العربي الأولوية لتحقيق أهداف محددة قصيرة ومتوسطة المدى، مثل الاستقلال عن السيطرة الأجنبية والإمبريالية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، والديمقراطية.
في ضوء النقاط السابقة، من المهم دراسة معنى "الانتماء إلى اليسار" في السياق العربي والمغربي الراهن. ولإثراء النقاش حول هذا الموضوع والمساهمة في الحوارات الدائرة بشأنه، رأى الكاتب ضرورة عرض آراء عدد من الشخصيات السياسية التي أُجريت معها مقابلات لهذه الدراسة. هكذا يرى عبد الله الحريف أن "قوى اليسار هي تلك التي تناضل من أجل التحرر الوطني والديمقراطية، وتدافع عن قيم التقدم والحرية والعلمانية والمساواة والكرامة الإنسانية".
أما نبيلة منيب، فترى أن الانتماء إلى اليسار يعني تنفيذ مشروع تنمية اقتصادية قائم على إصلاحات سياسية تضمن التنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية. ويعني ذلك إطلاق ثورة ثقافية تحرر الإنسان وتعزز بناء دولة ديمقراطية حديثة. كما يعني تعزيز قيمة "الحرية" باعتبارها القيمة الأسمى، وضمان التماسك الاجتماعي والكرامة الإنسانية، وإقناع الناس بأن الاستجابة السياسية اليسارية هي الحل الأمثل لتضخيم صوت الحركات الاجتماعية المتنامية.
بالنسبة إلى سعيد السعدي، أن تكون يساريًا يعني أولًا وقبل كل شيء رفض النظام القائم على المستويات العالمية والوطنية والمحلية. إنه ثورة ضد هيمنة رأس المال والمنافسة الجامحة والمعممة التي تسحق البشر والطبيعة على حد سواء. إنه رفض قبول الرأسمالية كأفق لا يمكن تجاوزه للبشرية، فهي في الواقع بناء اجتماعي تاريخي وليست أمرًا طبيعيًا. إن اليسار دفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والبيئية والمساواة بين الجنسين.
أما مصطفى بوعزيز، فيرى أن اليساريين في المغرب اليوم هم "أولئك الذين يبنون حجةً قائمةً على منظومة قيم تشمل المواطنة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وفصل السلطات، والعلمانية، والسيادة الشعبية، وسيادة القانون، إلخ."

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق