لماذا أقاطع انتخابات 23 شتنبر؟عادل عاشور
لماذا أقاطع انتخابات 23 شتنبر؟عادل عاشور
حجة سياسية من أجل دستور ديمقراطي وملكية مقيدة
أقاطع الانتخابات، لا لأن شخصًا قال إن الأحزاب «دكاكين سياسية»، ولا انتقامًا من أحزاب اتخذت مواقف عدائية من حراك الريف، ولا لأنني أعتقد أن جميع المترشحين فاسدون أو أن كل المشاركين مخدوعون.
قد تفسر هذه المواقف فقدان الثقة والغضب من الطبقة الحزبية، لكنها لا تكفي وحدها لتأسيس مقاطعة سياسية واعية.
كلام ناصر الزفزافي، مهما كانت مكانته الرمزية، ليس بديلًا عن الحجة. كما أن خذلان بعض الأحزاب لحراك الريف لا يثبت تلقائيًا أن المقاطعة هي الاختيار الأنجع.
مقاطعتي تنطلق من أسئلة أعمق:
ماذا يختار المواطن فعلًا حين يصوّت؟ وهل تتناسب السلطة التي يمنحها الصندوق للمؤسسات المنتخبة مع المسؤولية التي يُطلب منه أن يحاسبها عليها؟ وهل يمكن وصف الانتخابات بالحرة إذا كان المجال السياسي والإعلامي والاحتجاجي مضيقًا عليه بين استحقاق وآخر؟
أولًا: الانتخابات تختار جزءًا من السلطة، لا السلطة كلها
ينص الدستور على أن البرلمان يشرّع ويراقب عمل الحكومة ويقيّم السياسات العمومية، كما يُعيَّن رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب.
هذه صلاحيات حقيقية، ولذلك ليس صحيحًا أن البرلمان «لا يفعل شيئًا».
لكن الدستور نفسه يجعل المجلس الوزاري، الذي يرأسه الملك، إطارًا للتداول في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، ومشاريع القوانين التنظيمية، والتوجهات العامة لقانون المالية، والقضايا العسكرية، وعدد من المؤسسات والتعيينات الأساسية.
كما يمنح المؤسسة الملكية صلاحيات مرتبطة بقيادة القوات المسلحة، ورئاسة المجلس الأعلى للأمن، ورئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتعيين القضاة، وحل البرلمان، وإعلان حالة الاستثناء وفق الشروط الدستورية. ويمكن الرجوع إلى توزيع هذه الاختصاصات في نص الدستور المغربي.
معنى ذلك أن الناخب يختار البرلمان والأغلبية الحكومية، لكنه لا يختار مباشرة جميع مراكز إنتاج القرار الاستراتيجي، ولا يستطيع إخضاعها كلها للعقاب الانتخابي نفسه.
تنشأ هنا فجوة بين السلطة والمسؤولية:
المواطن يحاسب الحكومة على النتائج، بينما لا تكون الحكومة وحدها صاحبة القرار في جميع المجالات التي تُحاسَب عليها.
ليست حجتي أن المؤسسات المنتخبة عديمة السلطة، بل إنها لا تحتكر السلطة السياسية، وأن الانتخابات لا تمنح المواطن قدرة كاملة على تغيير الوجهة العامة للدولة.
ثانيًا: تغيير الأغلبية لا يعني تغيير قواعد الحكم
يمكن للانتخابات أن تغيّر الأحزاب والوزراء والنواب، لكنها لا تغيّر وحدها القواعد الدستورية التي تحدد من يقرر ومن ينفذ ومن يُحاسب.
إذا بقيت بنية القرار نفسها، وحدود الحكومة نفسها، وآليات توزيع السلطة نفسها، فقد يتغير المدبرون من دون أن تتغير الوجهة الأساسية.
عندها يصبح التنافس، في جانب منه، تنافسًا حول من سيدبر السياسات داخل سقف محدد، لا حول من يملك إعادة تعريف السقف نفسه.
وقد نجد أنفسنا أمام حكومة تُحاسب انتخابيًا عن نتائج لا تملك وحدها كل أدوات صنعها، إلى جانب مراكز قرار مؤثرة لا تخضع للمحاسبة الانتخابية المباشرة.
في الديمقراطية ينبغي أن تكون القاعدة واضحة:
من يقرر يُحاسَب، ومن لا يُحاسَب لا ينبغي أن يمارس سلطة تنفيذية تقديرية واسعة.
ثالثًا: المطلوب تغيير الدستور وتقييد سلطات الملكية
لا تكفي الدعوة العامة إلى «التأويل الديمقراطي للدستور»، لأن النص نفسه يوزع القرار بين مؤسسات منتخبة وأخرى غير منتخبة، ويجعل تحديد المسؤولية السياسية أمرًا معقدًا.
المطلوب مسار ديمقراطي لتغيير الدستور، يقوم على نقاش عمومي حر ومشاركة سياسية ومجتمعية واسعة، وينتهي باستفتاء تتوفر فيه شروط الحرية والنزاهة.
وتقييد الملكية لا يعني إلغاء الدولة أو خلق فراغ مؤسساتي، بل يعني الانتقال من ملكية تشارك بصورة واسعة في الحكم والقرار إلى ملكية دستورية برلمانية محددة الاختصاصات: ملكية تسود ولا تحكم.
ويقتضي ذلك:
إسناد السلطة التنفيذية كاملة إلى حكومة منبثقة من أغلبية برلمانية حقيقية.
جعل رئيس الحكومة المسؤول الفعلي عن تحديد السياسات العامة وتنفيذها.
نقل رئاسة مجالس القرار التنفيذي والاستراتيجي إلى الحكومة المنتخبة.
جعل البرلمان مصدر التشريع الفعلي وصاحب الرقابة على جميع مجالات السياسة العامة.
إخضاع التعيينات في المؤسسات العمومية والمناصب الاستراتيجية لمعايير شفافة ورقابة برلمانية.
إخضاع السياسات الأمنية والدفاعية والميزانيات المرتبطة بها لرقابة المؤسسات المنتخبة، مع حماية الأسرار المشروعة للدولة.
ضمان استقلال القضاء في التعيين والتأديب والتدبير عن جميع مراكز السلطة السياسية.
تقييد سلطة حل البرلمان بشروط موضوعية ورقابة دستورية وآجال انتخابية صارمة.
تحديد حالة الاستثناء زمنيًا وضمان استمرار البرلمان والقضاء في أداء أدوارهما خلالها.
إخضاع المال العام والمؤسسات والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالدولة لقواعد الشفافية والتدقيق ومنع تضارب المصالح.
تقوية صلاحيات البرلمان في التحقيق والمساءلة والمصادقة على التعيينات الكبرى.
ضمان استقلال المحكمة الدستورية حتى تستطيع مراقبة جميع السلطات دون استثناء.
إذا كان الملك، بحكم موقعه الدستوري، غير خاضع للمحاسبة السياسية المباشرة، فيجب في المقابل ألا يمارس سلطة تنفيذية واسعة.
هذه ليست خصومة مع شخص، بل قاعدة مؤسساتية:
لا ديمقراطية مع سلطة بلا مسؤولية، ولا مسؤولية من دون محاسبة وإمكانية التغيير.
رابعًا: الاستبداد يبدأ بإغلاق المجال العام قبل فتح الصناديق
الانتخابات ليست يومًا واحدًا توضع فيه الأوراق داخل الصندوق. إنها حصيلة مجال سياسي يفترض أن يظل مفتوحًا طوال السنوات السابقة للاقتراع.
لكي يكون الاختيار حرًا، يجب أن يستطيع المواطن:
تأسيس تنظيم سياسي أو مدني مستقل.
التعبير عن رأيه وانتقاد السلطة.
التظاهر والاحتجاج السلمي.
الوصول إلى المعلومة.
إنشاء منبر إعلامي أو رقمي.
الدفاع عن المعتقلين.
فضح الفساد وتضارب المصالح.
مناقشة السياسات العامة دون خوف من الاعتقال أو المتابعة أو التشهير.
إذا كان المواطن يخشى أن تؤدي تدوينة أو فيديو أو دعوة إلى احتجاج سلمي إلى متابعته، فإن إرادته السياسية تتشكل داخل بيئة من الخوف والرقابة الذاتية.
وقد يكون التصويت داخل المعزل سريًا، بينما يكون تكوين الرأي الذي سبق التصويت محاصرًا.
الاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى تزوير ورقة التصويت. يمكن أن يعمل قبلها عبر إضعاف المجتمع المدني، والتضييق على الاحتجاج، وملاحقة الأصوات النقدية، والتحكم غير المتكافئ في الوصول إلى الإعلام، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى ملفات أمنية.
عندئذ يصبح الصندوق الحلقة الأخيرة في مسار سياسي لم تتوفر في جميع مراحله شروط الحرية والتكافؤ.
صندوق سليم تقنيًا داخل مجال عام غير حر لا ينتج ديمقراطية مكتملة.
خامسًا: معتقلو حراك الريف جرح سياسي لم يُغلق
خرج حراك الريف من مطالب معلنة تتعلق بالمستشفى والجامعة والشغل ورفع التهميش والتحقيق في وفاة محسن فكري.
كان من الممكن تدبير هذه المطالب بالحوار السياسي والمؤسساتي، لكن الدولة واجهت الحراك بمنطق أمني وقضائي، وانتهى الأمر بأحكام سجنية ثقيلة، في مقدمتها الحكم بعشرين سنة على ناصر الزفزافي.
ولا تكمن دلالة هذا الملف في الأشخاص وحدهم، بل في الرسالة السياسية التي يرسلها:
حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى ملف أمني، والأصوات الاحتجاجية إلى أحكام طويلة، يتعلم المواطن أن كلفة الاعتراض خارج الانتخابات قد تكون باهظة، بينما لا تملك الانتخابات نفسها بالضرورة حل هذا الملف.
وقد جددت منظمات حقوقية دولية مطالبها بالإفراج عن الزفزافي وباقي معتقلي الحراك ومراجعة أوضاعهم. هيومن رايتس ووتش، منظمة العفو الدولية
كيف يُطلب من سكان الريف أن يثقوا في المؤسسات نفسها بينما ظل أشخاص عبّروا عن مطالب منطقتهم يؤدون ثمنًا بالغ القسوة؟
هذه ليست مسألة عاطفية مرتبطة بالوفاء للزفزافي ولرفاقه، بل سؤال سياسي عن حق المجتمع في الاحتجاج وعن الطريقة التي تعالج بها الدولة المطالب الاجتماعية.
سادسًا: احتجاجات «جيل زد 212» تكشف حدود الحق في الاحتجاج
خرج شباب «جيل زد 212» للمطالبة بالصحة والتعليم والشغل والعدالة الاجتماعية، وهي مطالب يفترض أن تكون في قلب النقاش العمومي والبرامج الانتخابية.
لكن الاحتجاجات عرفت تدخلات أمنية وتوقيفات ومتابعات ومحاكمات. وتشير تقارير صحفية وحقوقية إلى متابعة أعداد كبيرة من المشاركين، بمن فيهم شباب وقاصرون، وفي المقابل، قالت السلطات إن بعض الوقائع شهدت أعمال عنف وتخريب وإصابات في صفوف أفراد الأمن والمواطنين. وقد تناولت وكالات دولية الاحتجاجات والتوقيفات والمتابعات القضائية المرتبطة بها.
وجود أعمال عنف أو تخريب، إذا ثبتت المسؤولية الفردية عنها في محاكمة عادلة، لا ينبغي إنكاره أو تبريره.
لكن المسؤولية يجب أن تبقى فردية. فلا يجوز استعمال أفعال بعض الأشخاص لتجريم حركة اجتماعية كاملة، أو الخلط بين المتظاهر السلمي ومن ارتكب فعلًا مجرّمًا، أو معاقبة من عبّر أو دعا إلى الاحتجاج السلمي.
الدولة الديمقراطية تعاقب الجريمة المحددة بالدليل، لكنها تحمي حق المواطنين في الاحتجاج على سياساتها.
سابعًا: التضييق على المدونين والصحافيين والفنانين يصنع الرقابة الذاتية
حين يُتابع مدون أو صحافي أو مغني أو فنان أو ناشط بسبب تدوينة أو رأي أو أغنية أو فيديو، باستعمال تهم فضفاضة أو عقوبات سالبة للحرية، فإن أثر المتابعة لا يتوقف عند الشخص المعني.
الرسالة تصل إلى آلاف المواطنين:
تكلّم، ولكن اعرف أن لكلامك كلفة محتملة.
هكذا تتسع الرقابة الذاتية، ويتوقف الناس عن الكتابة أو الفن أو التظاهر أو توثيق الاختلالات، لا لأنهم اقتنعوا بسياسة الدولة، بل لأنهم يخشون العواقب.
وحرية الانتخابات لا تُقاس بسرية المعزل فقط، بل بحرية التفكير والتنظيم والتعبير التي صنعت قرار الناخب قبل دخوله إليه.
فإذا استطاع المرشحون مخاطبة المواطنين خلال الحملة، بينما يُضيَّق على النشطاء حين يخاطبونهم خارجها، فإن الوصول إلى المجال العام لا يكون متكافئًا.
ثامنًا: الأحزاب تطلب التفويض قبل تقديم كشف الحساب
قبل كل انتخابات تقدم الأحزاب وعودًا جديدة، لكنها نادرًا ما تبدأ بكشف حساب كامل عن الولاية السابقة.
أين جداول الوعود التي تحققت والتي لم تتحقق؟
أين الكلفة الحقيقية والاعتمادات المرصودة ونسب التنفيذ؟
كيف صوّت نواب الحزب؟ وما القوانين التي اقترحوها؟ وما التعديلات التي قُبلت؟ وماذا فعل الحزب عندما انتُهكت الحريات أو اعتُقل المحتجون؟
لا يكفي أن يقول الحزب إنه أحدث مناصب شغل أو رفع الدعم أو بنى المستشفيات والمدارس والطرق. المطلوب سلسلة إثبات كاملة:
الوعد ← الاعتماد المالي ← المؤسسة المسؤولة ← الصفقة ← التنفيذ ← التشغيل ← المستفيدون ← الأثر
حين تطلب الأحزاب تفويضًا جديدًا من دون تقديم هذه السلسلة، فإنها لا تطلب تصويتًا قائمًا على المحاسبة، بل تجديدًا للثقة على أساس الذاكرة القصيرة والشعار الجديد.
تاسعًا: البرامج الانتخابية ليست عقودًا مالية
تعد الأحزاب بزيادة الأجور والمعاشات والدعم، وبناء السكن والمستشفيات والمدارس، وإحداث مئات آلاف الوظائف، لكنها لا تقدم دائمًا التفاصيل الضرورية حول:
الكلفة السنوية لكل التزام.
مصدر التمويل.
الضرائب التي سترتفع أو ستنخفض.
النفقات التي ستُعاد هيكلتها.
أثر الاقتراض وخدمة الدين.
المسؤول التنفيذي.
الجدول الزمني.
مؤشرات قياس النتيجة.
الخطة البديلة عند حدوث صدمة اقتصادية.
البرنامج الذي لا يحدد الكلفة والمورد والمسؤول والأجل ليس عقدًا للحكم، بل عرض انتخابي يصعب تدقيقه ومحاسبة أصحابه عليه.
وإذا كان الحزب نفسه لا يوضح ما يستطيع تنفيذه ضمن حدود سلطته الدستورية، فعلى أي أساس يطلب التفويض؟
عاشرًا: التزكيات تُصنع داخل الأحزاب والمواطن مدعو إلى المصادقة عليها
تضع الأحزاب لوائحها وفق قرارات داخلية لا يعرف المواطن دائمًا معاييرها.
لا نعرف بصورة كافية:
لماذا اختير هذا المترشح؟
كيف قُيّمت كفاءته ونزاهته؟
هل خضع صاحب الولاية السابقة لتقييم؟
هل نُشرت حصيلته؟
ما علاقته بالمصالح الاقتصادية والمحلية؟
هل صرّح بممتلكاته ومصالحه؟
كيف مُوّلت حملته؟
ما الضمانة التي تمنع انتقاله السياسي بعد الفوز؟
في هذه الحالة، لا يختار المواطن المترشحين منذ البداية، بل يختار بين أشخاص اختارتهم له قيادات الأحزاب وفق مساطر لا يملك القدرة الكافية على مراقبتها.
وفي عدد من الدوائر قد تتدخل في التزكيات القدرة المالية والنفوذ العائلي والقبلي وشبكات المصالح والقدرة على جلب الأصوات، بدل الكفاءة والالتزام السياسي وخدمة الصالح العام.
الحادي عشر: المنافسة لا تجري بين برامج متساوية الفرص
الانتخابات لا تجري بين أفكار مجردة، بل بين تنظيمات متفاوتة في المال والإعلام والنفوذ المحلي وشبكات العلاقات والقدرة على الوصول إلى الناخبين.
وفي مناطق الهشاشة قد يصوّت المواطن لمن يستطيع التدخل له في ملف إداري أو توفير خدمة فردية، لا لمن يقدم أفضل سياسة عمومية.
لا ينبغي احتقار هذا المواطن أو اتهامه بالجهل؛ فهو يتصرف داخل بيئة جعلت الوصول إلى الحقوق مرتبطًا بالوساطة والنفوذ.
لكن ذلك يعني أن الانتخابات قد تتحول من منافسة حول الحقوق العامة إلى منافسة بين شبكات الخدمات الفردية واستثمار الحاجة الاجتماعية.
الثاني عشر: الترافع البرلماني لا يثبت وحده صناعة الإنجاز
قد يطرح نائب سؤالًا عن طريق أو مستشفى أو الماء، ثم يُعلن لاحقًا مشروع كان مبرمجًا أصلًا ضمن مخطط حكومي أو قطاعي، فيقدمه باعتباره ثمرة مباشرة لترافعه.
لكن السؤال البرلماني يثبت أن النائب أثار الملف، ولا يثبت وحده أنه صنع القرار أو وفر التمويل أو أنجز المشروع.
ينبغي تتبع الدورة كاملة:
المطلب ← السؤال البرلماني ← جواب المسؤول ← القرار ← الاعتماد المالي ← الصفقة ← التنفيذ ← التشغيل ← المستفيدون
كما ينبغي التمييز بين:
من أثار الملف.
من اتخذ القرار.
من وفر الاعتماد المالي.
من أطلق الصفقة.
من نفذ المشروع.
من تابع تشغيله.
ومن استفاد منه فعلًا.
حين تغيب هذه التفرقة، تتحول المشاريع العمومية الممولة من أموال المواطنين إلى رصيد انتخابي شخصي للمنتخبين.
الثالث عشر: في الدريوش لا أجد عقدًا تنمويًا قابلًا للمحاسبة
لدائرة الدريوش ثلاثة مقاعد، لكنني لم أجد، في حدود البرامج والخطابات المعروضة، عقدًا محليًا متكاملًا يوضح ما الذي سيفعله النواب في الملفات الأساسية:
الماء والتحلية.
المستشفى الإقليمي والمراكز الصحية.
التعليم والنقل المدرسي.
التكوين المهني والتعليم العالي.
الطرق وفك العزلة.
التحفيظ العقاري وحماية حقوق أصحاب الأراضي.
السياحة وتنمية الاقتصاد المحلي.
أثر ميناء الناظور غرب المتوسط.
حصة شباب الإقليم من الشغل والتكوين.
استفادة الجماعات الثلاث والعشرين من الاستثمارات العمومية والخاصة.
لا أريد وعدًا عامًا بـ«الدفاع عن الإقليم». أريد لكل ملف تشخيصًا وكلفة ومصدر تمويل ومسؤولًا تنفيذيًا وأجلًا ومؤشر نتيجة.
كما أريد من المترشح موقفًا واضحًا من الدستور وتوزيع السلطة واستقلال القضاء ومعتقلي الحركات الاحتجاجية وحرية الصحافة والتعبير.
من لا يملك موقفًا واضحًا من هذه القضايا لا يطلب تمثيل المواطنين؛ إنه يطلب فقط شغل مقعد باسمهم.
الرابع عشر: المشاركة تمنح تفويضًا سياسيًا حتى عندما لا تغيّر القرار
الاقتراع لا يوزع المقاعد فقط؛ إنه ينتج أيضًا صورة سياسية تقول إن المواطنين اختاروا المؤسسات والسياسات الناتجة عنه.
إذا كنت أرى أن توزيع السلطة غير متوازن، وأن المجال العام مضيق عليه، وأن البرامج غير قابلة للتدقيق، وأن التزكيات غير شفافة، فإن مشاركتي قد تُستعمل دليلًا على قبول منظومة لم تمنحني شروط الاختيار الحر والمسؤول.
لذلك أسحب موافقتي السياسية منها.
لا أقول إن كل صوت يمنح شرعية مطلقة، ولا إن كل مقاطعة تنزع الشرعية تلقائيًا. لكنني أرفض المشاركة في إنتاج تفويض لا أستطيع تحديد مضمونه أو محاسبة جميع أصحاب القرار على أساسه.
ماذا أطالب به؟
مقاطعتي ليست رفضًا أبديًا لفكرة الانتخابات، بل رفض لشروط أرى أنها لا تنتج تفويضًا ديمقراطيًا كافيًا.
وأطالب بـ:
تغيير ديمقراطي للدستور يربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة.
ملكية برلمانية مقيدة، تسود ولا تحكم.
حكومة منتخبة تملك السلطة التي تُحاسب عليها.
برلمان يراقب جميع مجالات القرار والمال العام.
استقلال فعلي للقضاء والمحكمة الدستورية.
إطلاق سراح معتقلي الرأي والاحتجاج السلمي.
مراجعة ملفات معتقلي حراك الريف وإنهاء هذا الجرح السياسي.
ضمان محاكمات فردية وعادلة في ملفات الاحتجاج.
الفصل بين المتظاهر السلمي ومرتكب العنف أو التخريب.
حماية الحق في التظاهر والتنظيم والتعبير.
وقف العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي والنشر السلمي.
حماية المدونين والصحافيين والنشطاء من المتابعات الانتقامية.
التحقيق المستقل في ادعاءات الاستعمال المفرط للقوة وسوء المعاملة.
شفافية التزكيات والديمقراطية الداخلية للأحزاب.
التصريح بالمصالح والممتلكات ومصادر تمويل الحملات.
تقديم برامج محددة الكلفة والتمويل والآجال.
نشر حصيلة الولاية السابقة قبل طلب تفويض جديد.
ضمان تكافؤ الوصول إلى الإعلام والفضاء العام.
توقيع النواب عقود تمثيل مع دوائرهم ونشر تقارير دورية عن أدائهم.
خلاصة موقفي
أنا لا أقاطع لأنني أكره السياسة، بل لأنني أريد لها معنى.
لا أقبل أن يُطلب من المواطن أن يصمت بين انتخابين، ثم يُستدعى يوم الاقتراع ليمنح صوته ويعود إلى الصمت.
ولا أقبل انتخابات تُفتح فيها مكاتب التصويت بينما تظل ملفات معتقلي حراك الريف مفتوحة، وشباب الاحتجاج داخل المحاكم والسجون، والمدونون والصحافيون والنشطاء تحت تهديد المتابعة.
فالانتخاب الحر يحتاج إلى مواطن حر، والمواطن الحر يحتاج إلى فضاء يستطيع فيه الكلام والتنظيم والاحتجاج دون خوف.
وأقاطع لأنني أريد دستورًا تكون فيه السلطة واضحة والمسؤولية واضحة والمحاسبة ممكنة؛ دستورًا يقيّد سلطات الملكية، ويمنح الحكومة المنبثقة من صناديق الاقتراع سلطة الحكم، ويمنح البرلمان سلطة الرقابة، ويمنح القضاء استقلاله، ويمنح المواطن حريته.
أعرف أن امتناعي الفردي لن يغير بنية النظام بمفرده، لكنه يعني أنني أرفض تحويل صوتي إلى تزكية لقواعد لا تمنحني سلطة كاملة على من يقرر باسمي.
هذا موقف شخصي وسياسي، لا أخوّن به من يشارك ولا أصادر حقه في الاختيار. لكن من يطلب مني التصويت عليه مطالب بأن يثبت أن صوتي سيصل إلى مركز القرار، وأن السلطة التي سيحصل عليها تساوي المسؤولية التي سيتحملها.
لا معنى لصندوق اقتراع مفتوح إذا كان المجال العام مغلقًا.
ولا معنى لحرية اختيار المترشح إذا لم يكن المواطن حرًا في مساءلة بنية الحكم نفسها.
صوتي مسؤولية، ولذلك لن أمنحه داخل نظام يفصل بين من يملك القرار ومن يتحمل الحساب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق