كلمة_الميدان: لا إفلات من العقاب الميدان 4515،، الثلاثاء 15 سبتمبر 2026م.
كلمة_الميدان:
لا إفلات من العقابالميدان 4515،، الثلاثاء 15 سبتمبر 2026م.
جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة منذ اندلاع الحرب اللعينة في أبريل 2023، سجلّ ثقيل من الدم والدمار والتهجير، طال المدنيين ودمر المدن والقرى والمستشفيات والمدارس والأسواق، وداست أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني. ومع استمرار القتال، تتسع دائرة الجرائم المرتكبة من طرفي الصراع وحلفائهما، من القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والعنف الجنسي والتهجير القسري، إلى استهداف المرافق المدنية وحجب المساعدات الإنسانية. هذه الجرائم تستوجب العدالة والمحاسبة، وتبقى حقوق الضحايا فوق حسابات المتحاربين ومساوماتهم. فدماء السودانيين وكرامتهم وحياتهم، وحقهم في الأمن والعيش الكريم، حقوق أصيلة لا يجوز تحويلها إلى «ثمن للحرب» يُطلب من الشعب دفعه.
وتكتسب الاتهامات الأخيرة باستخدام أسلحة كيميائية في النزاع السوداني خطورة استثنائية، لما تنطوي عليه من احتمال استخدام أسلحة محظورة دولياً. ويقتضي هذا الاتهام تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، يجمع الأدلة المادية والعينات والشهادات، ويفحصها علمياً، ويحدد المسؤولية وفق معايير الإثبات. فخطورة الجريمة تستوجب صرامة التحقيق، ودقة التحقيق تقتضي صون الحقيقة من الأحكام المسبقة ومن محاولات الطمس والتعطيل.
لقد أسهمت التدخلات الإقليمية والدولية وتضارب المصالح الجيوسياسية والاقتصادية في إطالة أمد الحرب، عبر الدعم السياسي والعسكري والمالي الذي يمد أطرافها بالسلاح والمال والوقود وشبكات الإمداد. وتحولت موارد السودان وموانئه وثرواته المعدنية والزراعية وموقعه الاستراتيجي إلى عناصر في حسابات القوى الخارجية، بينما انزلقت الوساطات المتعددة إلى ساحات للتنافس بدلاً من توحيد الجهود لوقف القتال.
وهكذا تمدد اقتصاد الحرب عبر الحدود، وتعمقت شبكات المصالح المرتبطة به، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن من الأرواح والنزوح وتدمير الإنتاج والبنية التحتية وانهيار العملة وارتفاع الأسعار. ويقتضي وقف الحرب ضغطاً حاسماً على أطرافها الداخلية، مقروناً بوقف التمويل والتسليح والإسناد الخارجي، وتجفيف اقتصاد الحرب، وفرض رقابة شفافة على حركة السلاح والأموال والذهب والموارد.
إن السلام الذي يستحقه شعبنا يبدأ بوقف الحرب وحماية المدنيين، ويستند إلى العدالة والمحاسبة وجبر الضرر. فالتسويات التي تمنح القتلة العفو والحصانات تزرع بذور صراعات جديدة، وتطلق رسالة خطيرة مفادها أن السلطة والسلاح يوفران حصانة من القانون. وتجارب الشعوب تؤكد أن الإفلات من العقاب يبدد الثقة في الدولة، ويقوض سيادة القانون، ويشجع على تكرار الجرائم.
وعليه، تتقدم حماية المدنيين ووقف الحرب مع فتح تحقيقات مستقلة في جميع الانتهاكات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو رتبته أو الجهة التي ينتمي إليها. وتظل العدالة شاملة، تستند إلى الأدلة، وتصون حقوق الضحايا، وتواجه الجرائم بمنهج قانوني راسخ بعيداً عن الانتقائية.
إن إنهاء الحرب يمثل مدخلاً لاسترداد الثورة وبناء الدولة المدنية، دولة القانون والمواطنة والعدالة الانتقالية. دولة ترد الاعتبار للضحايا، وتفتح الطريق أمام سودان يستعيد شعبه كرامته وحريته، ويعيش فيه المواطن آمناً من البندقية واستبداد السلطة، في ظل محاسبة راسخة تطال جميع المتورطين في الجرائم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق