جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

كلمةالميدان: ارتفاع الدولار أم انخفاض الجنيه؟ الميدان 4519،، الأحد 27 سبتمبر 2026م.

كلمةالميدان:
ارتفاع الدولار أم انخفاض الجنيه؟
الميدان 4519،، الأحد 27 سبتمبر 2026م.
يقدّم الخطاب الرسمي أزمة الاقتصاد السوداني من زاوية ارتفاع سعر الدولار، فينصرف النقاش إلى سؤال: لماذا يرتفع الدولار؟ ويقود التدقيق الاقتصادي إلى سؤال أعمق: ماذا يعني ارتفاع الدولار في سوق الصرف؟ وهل تعكس حركة السعر زيادة في قيمة الدولار، أم تراجعاً متواصلاً في قيمة الجنيه السوداني؟ تكشف الإجابة جوهر الأزمة؛ فسعر الدولار بالجنيه يمثل، في جانب أساسي منه، مقياساً للقوة النسبية للعملة الوطنية، وكلما فقد الجنيه قيمته ارتفع عدد الجنيهات اللازمة لشراء الدولار، فتظهر النتيجة في السوق باعتبارها ارتفاعاً في سعر العملة الأجنبية.
وقد فقد الجنيه جانباً كبيراً من قيمته بفعل اختلالات اقتصادية ومالية ونقدية عميقة، تفاقمت مع الحرب. فاستمرار القتال أدى إلى انكماش الإنتاج وتعطيل التجارة والنقل وتراجع الصادرات والإيرادات العامة، فانكمشت موارد النقد الأجنبي في الوقت الذي تصاعد فيه الطلب عليه لتغطية الواردات والاحتياجات الأساسية وحماية المدخرات من تآكل قيمتها.
وأصابت الحرب حلقات الاقتصاد الرئيسية في وقت واحد. انكمش الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطلت منشآت اقتصادية، وتضررت البنية التحتية وشبكات النقل والتجارة، وتراجعت حركة الأسواق، بينما اقتلعت موجات النزوح ملايين الأسر من مصادر دخلها وسبل معيشتها. وفي المقابل، تصاعد الإنفاق المرتبط بالحرب مع انكماش الإيرادات العامة والموارد الضريبية وتدفقات النقد الأجنبي، فتعمقت الاختلالات المالية والنقدية وازدادت الضغوط على الجنيه.
وفي هذه البيئة، يكتسب تمويل العجز وضغوط الإنفاق العام أثراً إضافياً عبر زيادة الكتلة النقدية في وقت يتراجع فيه الإنتاج والناتج المحلي. ومع اتساع حجم السيولة مقارنة بالسلع والخدمات المتاحة، تتزايد الضغوط على قيمة الجنيه، وينتقل أثر سعر الصرف إلى أسعار الغذاء والدواء والوقود والنقل والخدمات. ثم تتسع الحلقة: ارتفاع الأسعار يضغط على الدخول والمدخرات، وتراجع القوة الشرائية يدفع إلى البحث عن أدوات تحفظ القيمة، فيزداد الطلب على العملات الأجنبية وتتعمق الضغوط على الجنيه.
ويحتل تراجع الصادرات وموارد النقد الأجنبي موقعاً مركزياً في هذه المعادلة. فالاقتصاد الذي انكمشت قدرته الإنتاجية والتصديرية يجد نفسه أكثر اعتماداً على الاستيراد لتلبية احتياجات أساسية، بينما تتقلص قدرته على توفير العملات الأجنبية. ومع اتساع الفجوة بين العرض والطلب، يزداد تعرض سعر الصرف للتقلبات والمضاربات والتوقعات السلبية، ويصبح السوق مرآة للاختلالات البنيوية في الاقتصاد.
ومن هذه الزاوية، يظهر السوق الموازي كإحدى ساحات التعبير عن الأزمة. فهو يتفاعل مع شح النقد الأجنبي، واختلال سعر الصرف، وتراجع الإنتاج والصادرات، واضطراب المالية العامة، وتآكل الثقة في العملة الوطنية. ولذلك تتطلب معالجة سعر الصرف إصلاح مصادر الاختلال نفسها، حتى يتحول استقرار الجنيه من نتيجة لإجراءات مؤقتة إلى ثمرة لاستقرار اقتصادي حقيقي.
ويدفع المواطن الكلفة يومياً. فارتفاع تكلفة الاستيراد ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات، وتراجع القوة الشرائية للأجور يخفض قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، بينما تتآكل المدخرات وتتسع دائرة الفقر والفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة. وبذلك يتحول تدهور قيمة الجنيه إلى آلية مستمرة لنقل أعباء الأزمة إلى أصحاب الأجور والدخول الثابتة والشرائح الأكثر تعرضاً للتضخم.
ومن هنا يبدأ طريق الخروج من أزمة العملة باستعادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد السوداني. ويمثل إنهاء الحرب الشرط الاقتصادي الأول لإعادة تشغيل الزراعة والصناعة والتجارة والنقل، واستعادة الصادرات، وإصلاح البنية التحتية والمؤسسات العامة والنظام المصرفي، وفتح الطريق أمام استعادة تدفقات النقد الأجنبي والثقة في العملة الوطنية.
استقرار الجنيه ثمرة لاستقرار الاقتصاد، واستقرار الاقتصاد يبدأ باستعادة دورة الإنتاج والحياة وتفكيك اقتصاد الحرب. أما القرارات الإدارية المنفصلة عن هذه التحولات، والاجتماعات المتواترة، والوعود المالية من قبيل الوديعة المليارية، فتظل محدودة الأثر أمام اختلالات اقتصادية بهذا العمق. الطريق الاقتصادي يبدأ بإنهاء الحرب، وتفكيك شبكات اقتصادها، وتوجيه الموارد نحو الإنتاج، وبناء سياسة مالية ونقدية تخدم الاقتصاد الوطني والمجتمع، وتؤسس لاستعادة قيمة الجنيه وحماية القوة الشرائية للمواطن.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *