جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

إلى الوزير السابق، الزميل السابق و المحامي الحالي، المصطفى الرميد،بقلم: ذ/ خالد عدلي، المحامي بهيئة مكناس - الرشيدية

بقلم: ذ/ خالد عدلي، المحامي بهيئة مكناس - الرشيدية

---------------

إلى الوزير السابق، 

الزميل السابق و المحامي الحالي، المصطفى الرميد،

سلام على المحاماة يوم كانت رسالة نبل وصمود 

لا مهنة مهادنة ومجاملة

قرأنا باستغراب شديد ما جاد به قلمكم من قراءة لمسار نضال المحاميات و المحامين المغاربة، فوجدنا أنفسنا أمام قراءة تغرق في منطق السطحية الإدارية، و تصر على إسقاط آليات التفكير النقابي التقليدي على معركة وجودية تشكل فارقا تاريخيا في مسار العدالة بالمغرب. إن أكبر سقطة وقعت فيها قراءتكم تتمثل في عدم قدرتكم، أو ربما عدم رغبتكم، على التمييز بين الإضراب بمفهومه الوظيفي التقليدي و بين التوقف الاضطراري عن أداء المهام، كرفض مبدئي للخضوع لقانون يجهز على جوهر المهنة.

تتحدثون عن زمن الانتخابات الميت و ضرورة انتظار الحكومة المقبلة، و كأن معركة المحامين هي مطالبات بمكاسب مادية ! إن المحامين لم يخوضوا هذه المعركة استنادا إلى ملف مطلبي يبحثون من خلاله، كفئة مهنية، عن مكتسبات جديدة يمكن تأجيلها، بل وجدوا أنفسهم في موقع المدافع عن حمى المهنة في مواجهة هجوم كاسح أعدته السلطة التنفيذية لتدجين الدفاع و تفكيك مقومات رسالته.

لقد استنفد المحامون المغاربة كل وسائل الحوار و التفاوض مع وزارة العدل و رئاسة الحكومة، و قدموا قرابين حسن النية رغبة في تجنيب العدالة أية تبعات سلبية، لكنهم قوبلوا بغدر تشريعي نادرا ما شهدت له العدالة مثيلا. و هنا لجأ المحامون، مضطرين، إلى التوقف عن أداء مهامهم ليدقوا جرس الإنذار ضد هندسة مكتملة الأركان تهدف إلى إخضاع المحاماة لوصاية وزارة العدل و استباحة للتنظيم الذاتي للمؤسسات المهنية  و محاصرة المحامي بسلطات النيابة العامة و القضاء ضربا لحصانة الدفاع.

لكن الحكومة، و بدلا من التجاوب بحكمة مع صرخة الدفاع، أمعنت في التغول، و بلغ استخفافها بحقوق المواطنين و المؤسسات حد العبث بالمسطرة الدستورية نفسها؛ حيث تحولت مسطرة الإحالة على المحكمة الدستورية إلى مسرحية هزلية حين أُحيل ملف فارغ من نص القانون المطلوب فحص دستوريته، مما اضطر المحكمة لإصدار حكمها التاريخي بتعذر البت. و بدلا من تصحيح هذا الجرم المسطري، تم الإسراع بنشر القانون بالجريدة الرسمية، بل و الأنكى من ذلك، محاولة إقحام المؤسسة الملكية، المحاطة برمزية متسامية عن الصراعات السياسية – كفزاعة لإضفاء شرعية على تغول تشريعي لا مشروعية له.

إن ما تعجزون عن إدراكه هو أنه بمجرد صدور هذا القانون بالجريدة الرسمية، تحول توقف المحامين من احتجاج إنذاري إلى رفض كلي للخضوع للظلم التشريعي.

كيف يطلب رجل قانون سابق من المحامين أن يعودوا إلى المحاكم؟ إن العودة لا تعني مجرد تعليق شكل نضالي، بل تعني إضفاء الشرعية العملية على التخلي عن استقلالية المحاماة و التسليم بقانون يعيد هيكلتها على مقاس الوصاية!

كيف يستقيم عقلا أن يخضع المحامون لقانون يضع البدايات الأولى للمحامي كطالب تحت وصاية وزارة العدل في المعهد، ليتربى بسيكولوجية و ذهنية التابع للوزير الذي يترأس مجلسه التأديبي؟ كيف يقبلون بقانون يتدخل في كل صغيرة و كبيرة في المسار المهني، و كأن الوزارة تعوض خسارتها لسلطتها على القضايا بعد استقلال السلطة القضائية، بالانتقام من ساحة الدفاع؟

بل كيف يقبل المحامون بمهزلة إجبار أساتذة القانون المحامين المقبولين لدى محكمة النقض على خوض تكوين سنوي تحت إشراف موظفي الوزارة؟ و هي الوزارة ذاتها التي أبان وزيرها عن جهل لغوي و مفهومي مروع حين هاجم مقال طعن بالنقض بسبب عبارة لغوية فصيحة لم يستوعبها، متوهما أن سلطة الوزارة تمنح بالجهل لا بالمعرفة!

لقد امتدت يد الهندسة التخريبية لهذا القانون لتضرب العماد المالي و الاجتماعي للهيئات. فبعد عقود من بناء المحامين لصرحهم الاجتماعي الذاتي (التعاضدية) بعرقهم و دون أي دعم حكومي، جاء هذا القانون ليفرض تسقيفا للموارد و يمنع الهيئات من اقتطاع أكثر من 10% من الأتعاب، في تدخل سافر في العلاقة المهنية، و هدفها الحقيقي هو تجفيف منابع التضامن المهني، و هدم صناديق التكافل التي حمت المحامين في أزمات كبرى كجائحة كورونا، و تحميهم اليوم في هذا التوقف الاضطراري.

فهل يعلم السيد الوزير السابق، و هو ينعم بامتيازات موقع الطبقة السياسية بمركباتها الفارهة، كيف يعيش غالبية المحامين و المحاميات؟ إنهم يعيشون على الكفاف و العفاف و عزة النفس و شموخ الرسالة! و من المؤسف أن تتلاشى هذه الحقيقة لدى من يفترض فيه أنه خبر المهنة و خبر آلامها.

إن الجرم الأكبر في المنطق الذي يؤسس له، لا يكمن فقط في مغالطاته الإجرائية، بل في جهله، أو تجاهله، للمعنى الوجودي و الحضاري لرسالة المحاماة كما تشكلت عبر التاريخ. فالمحاماة لم تكن يوما مجرد مهنة وظيفية تصرف بها المعاملات و تدار بها الملفات، بل هي رسالة كبرى انتزعت مجدها من تراكم أنبل الأعراف و المبادئ النضالية التي جعلت منها مضادا حيويا لكل أصناف الطغيان و التحكم، و سلطة مضادة ترفض الانصياع لمنطق القوة.

ولعل خير مجسد لهذه الفلسفة العميقة في العصر الحديث هو أسلوب و ممارسة المحامي الأسطوري جاك فيرجيس (Jacques Vergès) الذي لم يرى في المحاماة مجرد آلة لإجراءات المسطرة أو تقديم ملتمسات الاسترحام أمام قضاء مكبل، بل جعل منها استراتيجية تمزق الأقنعة فيما عرف بدفاع القطيعة؛ كان فيرجيس يرى أن المحامي حين يواجه قوانين صاغتها السلطة لتكريس هيمنتها، فإن واجبه لا يكمن في مسايرتها أو القبول باللعبة داخل حدودها، بل في محاكمة النظام التشريعي و السلطوي نفسه؛ إذ يقول في هذا المعنى: "المحامي ليس شريكا في الجريمة، و لكنه أيضا ليس خادما في بيت القاضي و لا موظفا في مكتب الوزير .. إن مهتمه أن يمنح صوتا لمن تريد السلطة تجريدهم من حق الكلام". لقد أثبتت ممارسات كبار المحامين أن حصانة الدفاع ليست امتيازا شخصياً للمحامي، بل هي درع حماية للمجتمع، و أن المحامي الذي يتنازل عن استقلاليته و رفضه للوصاية يتحول فورا من مدافع عن الحق إلى مجرد شريك في إخراج مسرحية العدالة الصورية.

إن الرؤية التي ينطلق منها لا تمتح مطلقا من هذا المعين الحضاري و الفلسفي الأصيل. إن لغته و منطقه يستعيران، للأسف الشديد، لغة رجل السلطة الذي يخاطب المحامين من دهاليز و دواليب السلطة، محذرا إياهم من مغبة أن تتلبسهم روح الرسالة، و داعيا إياهم إلى الخضوع للقالب السلطوي الجديد الذي هيأته حكومة أجهزت على التوازنات الحقوقية و المكتسبات الشعبية لكل المغاربة و لم يبقى لها سوى حاجز تنظيمي واحد هو المحاماة تصر على تجريفه لتضمن، في اعتقادها، استسلاما كاملا للشعب المغربي لسياساتها النيوليبرالية المتوحشة!

ولعل أشد ما في كلام الوزير السابق من مرارة مأساوية، هو حديثه عن الاحتجاج و كأنه مجرد إضراب مطلبي لتحسين شروط العمل! و هو منطق يستدمج تطبيعا خطيرا و مكشوفا مع اختزالية مبدئية تعتبر المحاماة مجرد عمل مأجور أو خدمة تجارية، و تتعامل مع أدبياتها الحقوقية و حصانة دفاعها و استقلاليتها المالية و المؤسساتية و كأنها أساطير تنتمي لعصور بائدة! و من هذا المنطلق الضيق و المشوه تحديدا، يستقيم لديه وصف رفض المحامين للوصاية بأنه إضراب عن العمل، ليحاكم موقفهم المبدئي بآلية رجل الإدارة الذي لا يرى في الفضاء القضائي سوى مرفق حيوي يدار بالتعليمات و الحد الأدنى من الخدمة، لا ساحة للحرية و سيادة العدالة!

و يبقى أشد ما يبعث على الشفقة في مقال الوزير السابق هو سقوطه الرهيب في لغة التهديد الضمني بمنطق الأجهزة؛ حين أخذ يهمس بإيحاءات المراقبة و الرصد، مدعيا أن الجهات الرسمية تتابع عن كثب سلوكيات المحامين، و تصلها التفاصيل، و بين أيديها المعطيات و الإحصائيات! عجبا لوزير عدل و حقوقي سابق، كيف تحول منطق حجاجه من النقاش القانوني و المبدئي الشريف إلى استدعاء لغة المكاتب المظلمة و تقارير الرصد الاستخباراتي لمخاوف المهنيين!

إن محاولة الاستدلال بوجود فئة من مهربي المذكرات خفية تحت جنح الظلام، هي مغالطة بائسة و سقوط حجاجي مكشوف؛ إذ يعمد إلى تضخيم الظواهر الفردية الساقطة و الضعيفة أمام الإغراءات و الضغوط، لمحاكمة الموقف الرسمي و الشجاع للمؤسسات المهنية! و نقول للأستاذ: إن تسلل الخوالف و المنافقين و المرجفين إلى الصفوف لم تسلم منه حتى مسيرات الأنبياء المؤيدين بالوحي من السماء، فكيف بالهياكل المهنية؟ إن نقاء الموقف المبدئي للمحاماة و صفاء رسالتها لا يمكن أن ينال منهما أفراد متنكرون لأعراف المهنة؛ سواء من تخفى منهم في عتمة المحاكم لتهريب المقالات و المذكرات، أو من حضر في وضح النهار ليلتقط الصور أمام كاميرات الصحافة في دعاية بائسة و مكشوفة لمنتوجهم التجاري الجديد و الذي يجوز أن نطلق عليه محاماة المجاملة!

إن التاريخ لا يكتبه المتسللون في جنح الظلام، و لا الاستعراضيون أمام الكاميرات، بل يكتبه الصامدون في الساحات الذين يعضون على استقلالية مهنتهم بالنواجذ، و الذين يعلمون أن شرف الدفاع لا يباع بمذكرة تسرب، و لا بقرب زائف من سلطة تتغير!

عتبنا عليك كبير يا أستاذ؛ فقد صورت معركة الحرية و الكرامة كأنها عصيان بلا معنى أو حفر في خندق فارغ، و تناست قراءتك أن المحامين هم حصن أخير للمواطن قبل أن يكونوا حماة لأنفسهم. إن خشيتكم من أن تعتاد المحاكم على محاكمة المعتقلين دون محامين هي خضوع لمنطق الأمر الواقع و تكريس للمحاكمات الصورية التي يهدر فيها حق الدفاع، دون الحديث عن أن كلامكم يحمل سقطة مدوية حين ألمح إلى أن القضاة قد يمنحون ظروف التخفيف فقط بسبب غياب الدفاع و هو ما يفهم منه تشكيك في نزاهة القضاء أو تمرير لتهديد ملغوم !! و كان الأحرى بكم أن تدينوا النهج الذي يسعى لترسيخ محاكمات هشة بلا ضمانات حقيقية أو يحلم بدفاع صوري يؤثث مشاهد المحاكمات، لا أن تلوموا الضحية التي ترفض أن تكون شاهدا على الزور!

يبدو، وللأسف، أنكم لم تعودوا ترون في المحاماة تلك الرسالة الحقوقية الممانعة التي تقف في وجه الاستبداد و تلهم الشعب روح المقاومة، بل أصبحت المهنة في نظركم مجرد رداء أسود يلبس على بذلة بنية، و صورة أمام وسائل الإعلام بنظارات سوداء، و زيارة مجاملة للوكيل العام،  في محاولة بائسة لكسر إرادة المحاميات و المحامين الصامدين و المضحين بالغالي و النفيس دفاعا عن الرسالة التي يبدو أنكم لم تعودوا تؤمنون بها بعدما استبدلتم الصراخ في الميكروفون في وجه القضاء بالابتسامة المخملية من وراء زجاج سيارة فارهة، و بعدما استغنيتم بعائدات العمل النيابي و السياسي عن التعاضدية و صناديق التكافل التي يحتمي بها المحاميات و المحامون الشرفاء من السمسرة و الاحتكار  !!

ختاما:

إن المحامين المغاربة لم يتوقفوا عن العمل عبثا، و لن يعودوا عودة أكثر عبثا. إنهم لا يخوضون معركة من أجل مكاسب فئوية يفاوض عليها مع حكومة راحلة أو آتية، بل يخوضون معركة وجود لحماية هوية المحاماة كما هي متعارف عليها دوليا: مستقلة، حرة، شامخة، لا تخضع لوصاية و لا تساق بسوط الرقابة.

قد يستمر التوقف، و قد تؤدي الفئات الشريفة ثمن صمودها من قوت يومها و راحة أسرها، لكن التاريخ لن يسجل أن أبناء هذه المهنة الشريفة انحنوا لعاصفة التغول التشريعي، أو قبلوا أن يتحولوا إلى مجرد وكلاء إجراءات في آلة تنفيدية لا روح فيها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *