أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثامن عشر) * أحمد رباص
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثامن عشر) * أحمد رباص
من المهم التأكيد على أن دستور 1962 أريد به الاستجابة لمطالب اليسار، الذي كان يأمل، على الأقل، في تقليص صلاحيات رئيس الدولة من خلال إقامة نظام سياسي يسود فيه ولا يحكم. ولذلك، ولإنهاء مفهوم السلطة الذي طرحه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أُدخل مفهوم أمير المؤمنين في هذا الدستور، ودُفن ضمن بنوده. وقد أشار عبد اللطيف أغنوش في هذا الصدد إلى أن المادة 19، "التي أُرسيت كقاعدة فوق دستورية، أصبحت حجر الزاوية في البنية السياسية والدستورية بأكملها، إذ سمحت، عند الضرورة، بتعليق القواعد القانونية الأخرى، وبررت جميع المبادرات السياسية للملك، مهما كانت طبيعتها أو شكلها أو نطاقها".
تشير جميع الدساتير المغربية اللاحقة إلى هذه المكانة الدينية، التي تضع رئيس الدولة فوق القانون، بما في ذلك القانون الأسمى في البلاد. كما يتمتع بحصانة تامة، وينص الدستور أيضًا على أن "شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته".
وبهذا التصرف، قضي النظام على آمال الحركة الوطنية الديمقراطية التي سعت إلى إقامة ملكية دستورية وصياغة دستور ديمقراطي. لم نعد نتحدث عن ملكية دستورية، بل عن "دستور ملكي". وبتعبير مصطفى بوعزيز، كان "دستورا محافظا".
وقد مصطفى بوعزيز في نفس المقابلة أن "الحركة الوطنية التي حققت الاستقلال كانت تطمح إلى الديمقراطية؛ وإلى أن تلعب دور المحرر. حاولت إنشاء ما يُسمى "أمة"، وأطلقت عليها اسم "وطن". لكن هذا الوطن له أحيانًا جذور موضوعية وحداثية، ولكن في كثير من الأحيان... ثمة توافق بين هذا الوطن والأمة الإسلامية، وقد شملها بدلالات دينية إلى حد أنه إذا ألقينا نظرة على الدستور المغربي الأخير وقرأناه كغيره، وحاولنا البحث عن كلمة (شعب)، فلن تجدها، فهي غير موجودة في الدستور، لأن كلمة "شعب" هي الحداثة بحد ذاتها، وعندما نقول إن نظامًا ما حداثي، فماذا نقول؟ نعني أن أصل القوانين من الشعب؛ فالشعب ذو السيادة هو أصل القوانين. عندما نقرأ النسخة العربية، وهي النسخة الأساسية، ستجد أن السيادة للأمة.
وعند ترجمتها إلى الفرنسية، تقول إن السيادة للدولة الوطنية، والدولة الوطنية مفهوم حداثي. إذن، ليس هذا هو الدستور نفسه؛ هذا غير صحيح، لأنه لو كانت لدينا الدولة الوطنية، لما كان هناك أمير للمؤمنين، ولكن عندما تكون هناك أمة، يكون هناك أمير للمؤمنين. حسنًا، يمكنكك أن تروا بالفعل في منطوق الدستور أن لدينا دستورًا محافظًا".
يوضح مصطفى بوعزيز في هذا الصدد سبب وصف دستور عام 1962، شأنه شأن جميع الدساتير اللاحقة، بأنه دستور محافظ عندما يقول: "لأن شرعية النظام لا تنبع من النظام نفسه، كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية. بل تنبع من خارجه؛ فالملك ليس جزءًا من النظام، بل هو خارجه. ولذلك، فهو نظام محافظ. أما النظام الديمقراطي فيستمد شرعيته من الشعب ومن داخل النظام نفسه، عبر آلياته، أي الانتخابات. وهنا، فإن الشرعية الشعبية، التي يُقرّها التصويت، أدنى بكثير من الشرعية الملكية، التي هي خارجة عن النظام. لذا، فإن دستورنا ليس ديمقراطيًا ولا حداثيًا، بل هو دستور محافظ".
أما بالنسبة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فإن الدستور الجديد، إضافةً إلى كونه غير ديمقراطي، لا يخدم إلا إضفاء الشرعية على سلطة دينية. عندما أشار المهدي بن بركة في تصريحاته إلى الطبيعة الإقطاعية والرجعية للنظام الجديد، كان يقصد أنه، من وجهة نظره، ليس إلا استمرارًا وتكرارًا للسياسات نفسها التي انتهجها نظام الحماية. وهو يحمّله مسؤولية "تراجع البلاد وتحوّل سلطانٍ أسس سلطته على المجتمع إلى ملك مطلق".
ورغم رفضه القاطع للدستور، انتهز الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الفرصة التي أتاحتها أول انتخابات تشريعية في البلاد، والتي منحته فرصة الدخول إلى البرلمان، ما سمح له باستخدام هذه المنصة لعرقلة عمل النظام. واستغلالًا لهشاشة التحالف المُشكّل حول جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، قرر الحزب تنحية خلافاته مع حزب الاستقلال جانبًا، والتحالف معه لزعزعة استقرار النظام والأحزاب الداعمة له.
يوم 15 يونيو 1964، قرر الفريق البرلماني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مستغلا الخلافات الداخلية داخل جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، شن هجوم وقدم اقتراحًا بحجب الثقة ضد السياسة الاقتصادية للحكومة، وكان الهدف هو إسقاط الحكومة.
رغم تجنب اقتراح حجب الثقة بصعوبة، إلا أن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مكّن الحكومة من تعقيد الوضع.
لاحقًا، سيقدّم حزب الاستقلال، بدعم من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، عريضة مشتركة في 3 يوليوز 1964، طالبًا بعقد جلسة استثنائية. وقد تكللت هذه العريضة بالنجاح بدءًا من خريف عام 1964، حين تمكنت المعارضة من السيطرة على مجريات الجلسة البرلمانية.
بحسب المؤرخ المعطي منجب،وجد نواب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، الذين يُنظر إليهم كمجرد ممثلين للقصر، أنفسهم في مأزق أمام أسئلة محرجة لم يستطيعوا الإجابة عنها خشية السخرية و"تشويه هيبة العائلة المالكة". وتعطل النظام لأنه لم يستطيعوا "إيجاد ممثل في البرلمان لتمرير سياساتهم".
ورغم تراجع قوتها، اغتنمت المعارضة، ممثلةً بشكل خاص بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الفرصة التي أتاحها لها البرلمان لإيقاظ الوعي العام. أكثر من ذلك، لفتت الانتقادات الموجهة لسياسات الحكومة على صفحات جرائدها انتباه شريحة واسعة من الشعب إلى الأسباب الحقيقية للأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد.
ونتيجة لذلك، أتاح وجود المعارضة اليسارية في البرلمان لها ممارسة قدر متفاوت من الحرية. كما عزز هذا الوجود تنامي روح النقد للحكومة نفسها. إن تراجع القدرة الشرائية ومستوى معيشة الشعب، إلى جانب فضائح الفساد داخل الإدارة، يدفع النظام إلى اتخاذ قرارات غير شعبية متجاهلاً مقترحات المعارضة.
تصاعد السخط في جميع أنحاء البلاد. وفي هذا السياق، اندلعت أول انتفاضة مدنية كبرى في البلاد يومي 22 و23 مارس 1965. ومن الضروري إلقاء نظرة على هذه الانتفاضة الشعبية، لما لها من تداعيات كبيرة على الأحزاب السياسية والنقابات، ولا سيما الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد المغربي للشغل. كما أدت هذه الانتفاضة إلى ظهور تيار يساري ثوري جديد يدعو إلى إلغاء النظام الملكي بالقوة المسلحة.
شكّلت الانتفاضة الشعبية الكبرى الأولى في مارس 1965 نقطة تحوّل في التاريخ السياسي للمغرب الحديث. وتعود الأسباب الرئيسية لهذه الانتفاضات إلى الخيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تبناها النظام منذ إعلان الاستقلال. إلا أن الشرارة الرئيسية لهذه الأحداث كانت مذكرة صادرة عن وزارة التربية الوطنية يقيد الالتحاق بالتعليم الثانوي الإعدادي للتلاميذ الذين تزيد أعمارهم عن 16 عامًا. وتجدر الإشارة إلى أن قضية التعليم، التي يوليها الشعب المغربي والحركة الوطنية الديمقراطية أهمية بالغة، ظلت محور اهتمام رئيسي منذ استقلال البلاد. وقد نُظر إلى هذا المذكرة على أنها وضعت حدًا لآمال تطبيق المبادئ التأسيسية التي تبنتها الحركة الوطنية في مجال التعليم في أعقاب الاستقلال.
يمكن تلخيص هذه المبادئ في "التعميم، والتعريب، وتوحيد التعليم، وتكوين
الأطر". وبالتالي، في غياب حل جذري، حاول النظام تطبيق سلسلة من القيود ووضع عقبات أمام الالتحاق بالتعليم الثانوي، بحيث تقتصر نسبة التلامبذ المقبولين على عدد قليل من القادرين القادرين على الحصول على شهادة الثانوية العامة.
وفقًا للمعطي منجب، فقد صرّح النظام بوضوح أن التعليم العمومي الجماهيري "يمثل خطرًا محدقًا على التوازن الاجتماعي والاقتصادي للنظرة الشاملة التي يقوم عليها النظام". وقد اتسم السياق بتزايد انعدام الثقة في مهنة التدريس والمدارس عمومًا. كما اتسم بتدهور الأوضاع الاجتماعية للشعب المغربي، فضلًا عن الوضع الهش للمعلمين. وبالنسبة للقادة المغاربة، كانت المدرسة مرتعًا للأفكار اليسارية التي ينشرها طاقم تدريسي مسيس متعاطف مع القوى السياسية والاجتماعية الحداثية في البلاد. لا بد من الإشارة إلى أن الحركة الطلابية في المدارس الثانوية المغربية، على الرغم من تمتع هياكلها بقدر من الاستقلالية، كانت وثيقة الصلة بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهو اتحاد طلابي قوي، كان بدوره مقربًا من حزب المعارضة اليساري الرئيسي، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وزعيمه المهدي بن بركة، "المرشد الفكري لمعظم الشباب المغاربة".
في هذا الصدد، قال جان لاكوتور عام 1965 إن طلبة الجامعات والمدارس الثانوية والكليات في المغرب "لم يتوقفوا، طوال ثماني سنوات تقريبًا، عن طرح مشاكل على السلطة الملكية، سواء في ما يتعلق بالسياسة الثقافية أو النظام العام".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق