بأصابعه المهشّمة عزف للموت أغنيته الأخيرة
بأصابعه المهشّمة عزف للموت أغنيته الأخيرة
احتُجز "فيكتور جارا" مع الآلاف من المعارضين للانقلاب أوغوستو بينوشيه، في تشيلي، في ملعب كرة القدم في سانتياغو.تحوّلت غرف الرياضيين إلى غرف تعذيب، ﻭﺃُﺟﺒﺮ ﺍﻟﻤﻌﺘﻘﻠﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻠﻮﺱ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﺭﺟﺎﺕ بلا ﻃﻌﺎﻡ وبلا ﻧﻮﻡ بانتظار موتهم، حيث كانوا يساقون ﻋﺸﻮﺍﺋﻴًﺎ ﻭﻳُﻌﺪﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﻌﺐ رميًا بالرّصاص.
تمرّد المغني على ظروف احتجازه القاسية، فقام بتأليف ﺍﻷﻏﺎﻧﻲ ﻭﻏﻨّﺎها لرفاقه بهدف رفع ﻣﻌﻨﻮﻳﺎتهم، الأمر الذي أزعج أحد الضباط فدعاه إلى وسط الملعب ليغني أمام الجميع وأجلسه أمام طاولة عليها غيتار.
ثبّت الجنود يديه على الطاولة، ﺛﻢّ ﻗﻄﻊ الضابط ﺃﺻﺎﺑﻌﻪ، وﺻﺮﺥ في وجهه ﻗﺎﺋﻼً: "ﺍﻵﻥ غنِّ ﺃيّها الوغد، ﺍﻵﻥ غنِّ".
وقف جارا ﺑﻬﺪﻭء، واقترب من أحد المدرّجات ﻭﻗﺎﻝ: "ﺣﺴﻨًﺎ ﺃﻳّﻬﺎ ﺍﻟﺮّﻓﺎﻕ، ﻟﻨﻔﻌﻞ ما يريده".
ﻏﻨّﻰ ﺑﺼﻮﺕٍ متهدّج نشيد الحزب ﺍلشيوعي التشيلي. أعضاء الحزب ﺍﻟﺬين أنهكهم التّعذيب، كانوا يجلسون ﻓﻲ المدرّجات، وقفوا ﻭﺑﺪﺃﻭﺍ يردّدون النشيد، ثمّ غنّى بعد ذلك أغنيته ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ التي كتبها في المعتقل وقد سرّبها أحد النّاجين.
أثار المشهد حفيظة الجنود الذين انهالوا عليه ضربًا ووجّهوا رصاص بنادقهم نحو المدرّجات..
عُثر على جثة جارا وآخرين مرميةً في الشّارع في السّادس عشر من سبتمبر من عام 1973.
نحن خمسة آلاف هنا…
في هذا المكان وحده،
عشرة آلاف يدٍ زرعت البذور،
وحركت المصانع.
تُنتهك إنسانيّتهم،
يواجهون الجوع والبرد والرعب والألم،
والضغوط النفسيّة، والإرهاب، والجنون.
لقد فقدنا ستة منا،
كأنهم نجوم في الفضاء.
واحد مات، والآخر يُضرب…
والأربعة الباقون اختاروا إنهاء رعبهم:
أحدهم قفز نحو العدم،
آخر ضرب رأسه بالحائط،
والجميع يحدّق بالموت.
يا له من رعب يخلقه وجه الفاشية!
ينفذون خططهم بدقّة السكين،
لا شيء يهمهم…
الدّم بالنسبة لهم ميداليات،
والمذبحة بطولة.
يا الله، هل هذا هو العالم العجيب
الذي خلقتَه في سبعة أيام؟
في هذه الجدران الأربعة،
أنت مجرد رقم…
ومن لم يمت، ينتظر الموت ببطء…
ثم فجأة، أستعيد وعيي،
وأدرك أنّ هذا المدّ من الجنود
ليس له قلب، بل نبض الآلات.
اتركوا المكسيك وكوبا…
العالم يصرخ ضد هذه الفظاعة!
نحن عشرة آلاف يدٍ
لا تستطيع أن تصنع شيئًا…
كم بقي منا في هذا البلد؟
دم رئيسنا ورفاقنا سيواجه القوة،
ولكن قبضاتنا ستضرب مرة أخرى!
كم هو صعب أن أغنّي
حين يُجبر المرء على الغناء للرعب،
الرعب الذي أعيشه،
الرعب الذي يقتلني…
أحدّق في الجموع،
وأعيش لحظات لا تنتهي،
حيث يصبح الصمت والصراخ
صدىً لأغنيتي.
منقول

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق