كلمة لابد منها:الرفيق صديق كبوري
كلمة لابد منها:الرفيق صديق كبوري
إن ما سيرويه صاحبنا بين دفتي هذا الكتاب، هو بالدرجة الأولى، عبارة عن شهادة حية حول أحداث ووقائع وقعت فعلا في مدينة بوعرفة في الجنوب الشرقي للمغرب يوم الأربعاء 18 ماي 2011، أي خلال ذلك اليوم المشؤوم الذي أصبحنا نطلق عليه في أدبياتنا منذئذ بالأربعاء الأسود، على اعتبار أن في هذا اليوم اختلطت الدموع بالدماء، ووقع تحول في تاريخ الحركة الاجتماعية حيث انتقلت من السلمية ـ التي طبعت مسيرة هذه الحركة ببوعرفة لسنوات ـ إلى الفوضى والتي تعتبر عنصرا نشازا ودخيلا على هذه الحركة، ولا ينكر صاحب الشهادة أنه كان فاعلا في بعض أحداث هذا اليوم المشؤوم، ومتتبعا ومعاينا لبعض ما وقع بحكم مسؤولياته التأطيرية النقابية والحقوقية، و التي يعتز بكونه تحملها في أحلك الأوقات، وفي أصعب الظروف حين اختار البعض التواري عن الأنظار.
لقد كتب صاحبنا أغلب نصوص هذا المتن أثناء فترة الاعتقال التي قضاها بالسجن المحلي بوجدة بعد صدور الأحكام الجائرة ضده هو وباقي أفراد المجموعة العشرة في المحاكمة الشهيرة التي انعقدت ببوعرفة ابتدائيا ووجدة استئنافيا، والتي أجمع المتتبعون المحايدون و أغلب المنظمات الحقوقية الدولية والوطنية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: منظمة "هيومان رايت واتش" ومنظمة العفو الدولية والجمعية المغربية لحقوق الإنسان وغيرها من المنظمات الحقوقية غير الحكومية على أنها كانت محاكمة سياسية بامتياز انتفت فيها شروط وضمانات المحاكمة العادلة مثل قرينة البراءة، والحق في الدفاع، والعلنية، والحق في استدعاء شهود الإثبات والنفي وغيرها من المبادئ الأساسية التي لا يمكن للمحاكمة العادلة أن تقوم لها قائمة بدونها.
علاوة على ذلك، فقد كتب صاحبنا الجزء الآخر من هذا المتن بعد الإفراج عنه يوم السبت 4 فبراير 2012 بمناسبة عيد المولد النبوي على إثر عفو ملكي جزئي شمل جميع أعضاء "مجموعة بوعرفة" وبعض المعتقلين السياسيين من مشارب فكرية وإيديولوجية مختلفة، عقب تشكيل الحكومة التي انبثقت عن انتخابات 25 فبراير 2012 والتي سيقودها الإسلاميون في سياق سياسي اتسم بميلاد حركة 20 فبراير التي طالبت بالإصلاحات السياسية والدستورية، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وناضلت ضد الفساد والاستبداد.
ارتأى صاحبنا في هذه الشهادة البوح بما في دواخله من حقائق ومعطيات، وإخراج هذه الشهادة من الإطار الضيق والمحدود، إلى الإطار الواسع والعام، بعد مرور عقد ونصف من الزمن على هذه الأحداث التي تدور حولها الشهادة، لسببين إثنين: السبب الأول هو أن هذه الشهادة لا تخصه وحده، بل تدخل في إطار التاريخ الجمعي الراهن، وتهم تجربة يتقاطع فيها الفردي بالجماعي، والأنا الفردية بالأنا الجماعية، والشأن الخاص بالشأن العام. والسبب الثاني هو إيمان صاحبنا بأن البوح هو سبيل للتطهير وتجاوز الصدمات النفسية التي خلفتها بعض الذكريات والتجارب الأليمة التي مر بها.
ويبقى المأمول هو أن تساهم هذه الشهادة، التي تصدر عن شخص عاش وعايش الأحداث قلبا وقالبا في ملأ البياضات، وتجلية بعض الأمور الغامضة، وتفسير ما وقع قبل وأثناء وبعد أحداث الأربعاء الأسود، لأن الأحداث التي لم يكتب عنها، ولم يتم توثيقها، تبقى في حكم المعدوم، وكأنها لم تقع، وفي أحسن الأحوال تبقى أسيرة الخطاب الشفوي الذي يتسم بالتضارب، ومحاولات تضخيم بعض الشهود لذواتهم، واختلاق أحداث لم تقع، خصوصا أمام غياب الكتابات من طرف الأشخاص الأساسيين الذين عاشوا هذه الأحداث وكانوا فاعلين فيها.
نرجو أن تكون هذه الشهادة مادة غنية لكل المهتمين والباحثين، خاصة وأن المدة التي مرت على هذه الأحداث كافية لمقاربة الموضوع بشكل محايد وغير متحيز، والمساهمة في حفظ ذاكرتنا الجماعية من النسيان أو التحريف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق