جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء التاسع عشر) * أحمد رباص

أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء التاسع عشر) * أحمد رباص 

بدأ التلاميذ، بدعم من أولياء أمورهم ونقابات المعلمين والطلبة، إضرابات احتجاجية في 22 مارس 1965، اعتراضًا على المذكرة التي حرمتهم من التعليم. وفي 23 مارس، امتدت حركة الاحتجاج إلى عدة مدن وبدأت تنتشر في جميع أنحاء البلاد. في الرباط، تظاهر المحتجون أمام وزارة التربية الوطنية والجامعات وسكن الطلبة والمدارس الثانوية. وفي الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للبلاد، تصاعدت الأوضاع وتحولت إلى أعمال شغب بعد انضمام العمال، ضحايا الوضع الاقتصادي، إلى المتظاهرين للتعبير عن استيائهم وتنبيه السلطات إلى خطورة الوضع. خرج الجميع إلى الشارع للاحتجاج على الوضع والتعبير عن غضبهم. وتصاعدت أعمال الشغب إلى انتفاضة واشتباكات مع قوات الأمن. رفع المتظاهرون شعارات قوية وهادفة ضد النظام الملكي، بل وطالبوا برحيل رئيس الدولة المغربي.

كان لأحداث 23 مارس 1965 تداعياتٌ بعيدة المدى على مستقبل المغرب، سياسيًا واجتماعيًا. أولًا، كشفت هذه الانتفاضات عن ضعف المعارضة اليسارية وعجزها عن التأثير في مجريات الأحداث. ثانيًا، أدى القمع الوحشي الذي مارسه النظام ضد المتظاهرين واغتيال المهدي بن بركة إلى ظهور الحركة الماركسية اللينينية المغربية، التي دعت إلى إلغاء النظام الملكي. وقد ردّ النظام على هذا الوضع بمواجهة هذه الحركة الجديدة والحدّ من نفوذها على الرأي العام.

كما أظهرت انتفاضات 23 مارس مدى الإحباط المتراكم لدى الشعب المغربي، ومثّلت "بداية التغلب على قوى المعارضة التقليدية، وتحديدًا الاتحاد المغربي للشغل 

والاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، كما لاحظ عزيز خمليش. فاجأت هذه الأحداث جميع الفاعلين السياسيين، إذ لم يكتفِ المتظاهرون بالتنديد علنًا بالنظام الملكي، بل حمّلوا الطبقة السياسية بأكملها المسؤولية.

يُفسّر الصمت الذي التزمته أحزاب المعارضة والاتحاد المغربي للشغل الموقف المحرج الذي وجدوا أنفسهم فيه خلال هذه الأحداث. أظهرت هذه الانتفاضة ضعف نفوذ قوى المعارضة لدى الشباب والطبقات الفقيرة، مما أثار الشكوك حول شرعية تمثيل هذه القوى لهذه الطبقات. 

في هذا الصدد، يؤكد كمال الدين مراد: "إذا كانت انتفاضة الريف في أكتوبر 1959 قد مثّلت بالفعل مثالاً صارخاً على التناقض الجوهري بين مصالح الجماهير الشعبية ومصالح البرجوازية، كبيرها وصغيرها، فإن انتفاضة 23 مارس 1965 قد وضعت حداً نهائياً لادعاء ما يُسمى بالمنظمات السياسية 'التقدمية' بأنها طليعة الجماهير الشعبية المغربية. إن عفوية الانتفاضة، ومفاجأتها، وسرعة انتشارها إلى مدن أخرى، والعناصر الشعبية التي شاركت فيها، وطبيعة الشعارات التي انطلقت من أفواه الأطفال دون سن الخامسة عشرة وآبائهم الذين خرجوا أيضاً إلى الشارع، والطابع الثوري لهذه الشعارات التي شككت في النظام، كلها أدلة على فشل هذه المنظمات".

استجابةً لهذه الأحداث، قررت الحكومة تفعيل صلاحيات الطوارئ باللجوء إلى المادة 35 من الدستور. وبدا إعلان حالة الطوارئ في يونيو 1965 "السبيل الوحيد لإنقاذ هيبة النظام الملكي ومبادئه التقليدية". في أكتوبر 1965، اختُطف المهدي بن بركة، زعيم اليسار المغربي، في باريس واختفى إلى الأبد. 

استمرت حالة الطوارئ من 5 يونيو 1965 إلى يوليوز 1970. خلال هذه الفترة، تواصل جزء من قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مع القصر، الذي سعى، وقد هزته الانتفاضة، إلى حشد أحزاب المعارضة بهدف إمكانية مشاركتها في الحكومة. لذا، وكما يؤكد السيد مصطفى بوعزيز، كان هذا "أول شرخٍ حقيقيٍّ تتطور من خلاله حركةٌ اجتماعية، ليس فقط بمعزلٍ عن أحزاب المعارضة، بل بمواجهتها". وقد مثّل هذا بداية ظهور جيلٍ جديدٍ من الفاعلين، وبداية "نشأة يسارٍ جديدٍ، متحررٍ من القيود التي قيّدت تحركات المعارضة التقليدية".

في عام 1969، قرر نشطاءٌ يساريون من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تأسيس حركة 23 مارس، في إشارةٍ إلى الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 23 مارس 1965. وبعد تحليل الوضع، خلصت الحركة إلى أن الشعب المغربي كان مستعدًا للانتفاضة، وأن الأداة الذاتية وحدها هي ما يلزم لتحقيقها. كما فسّرت هذه الحركة هذه الانتفاضة على أنها فشلٌ لاستراتيجية الأحزاب السياسية في ما يتعلق بإمكانية انتقالٍ سلميٍّ للسلطة. 

في أحد تصريحاتها، أكدت أن: "ثورة 23 مارس 1965 شكلت أول انتفاضة شعبية كبرى بعد الاستقلال. وخلال هذه الانتفاضة، تظاهر آلاف الشباب والعاطلين عن العمل في معظم المدن المغربية. ولقي أكثر من ألف شخص حتفهم، وانتشرت الاعتقالات على نطاق واسع. وخلال هذا النضال، عبّرت الجماهير، مدفوعةً بروحها الثورية، بوسائلها الخاصة، عن قطيعة نهائية مع الخط البرلماني الإصلاحي ورفض قاطع لاستراتيجية "الملكية الدستورية".

أما بالنسبة لحركة 23 مارس، فقد جرت المفاوضات بين أحزاب المعارضة "في وقت كانت فيه الحكومة تعاني أزمة، ولكن هدفها الأسمى كان تحقيق السلم السياسي والاجتماعي، أي تحقيق توازن النظام واستقراره"، كما نقرأ في وثائقها. وقد بات التناقض الأيديولوجي مع الأحزاب "التي يُنظر إليها على أنها تمثل البرجوازية الصغيرة" واضحًا. 

ونتيجةً لذلك، ظهرت انتقادات بشأن عجز حزبي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي المغربي عن تنظيم وقيادة نضالات الجماهير العاملة والشعبية. ويعود هذا العجز إلى نهج الترقب والإصلاح الذي تبنّاه هذان الحزبان. وهكذا، لم يكن أمام الحركة الناشئة سوى خيار واحد: وهو الانفصال، تنظيمياً، عن جميع الممارسات المستقلة التي كان يستلزمها ذلك.

لعبت العوامل الخارجية دورًا حاسمًا في ظهور الحركة. أولًا، كان هناك فشل النموذج الذي دعت إليه الإيديولوجيا الناصرية. فبعد هزيمة عام 1967، بلغت راديكالية الشباب المغربي ذروتها، ونددت علنًا بانحياز الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الناصرية. كان الحزب يعتبر الأخيرة نموذجًا للتحرر يُحتذى به، والإيديولوجيا المرجعية لتعبئة الجماهير ضد الإمبريالية وحلفائها. ثانيًا، كان هناك تأثير ثورة 1968 في فرنسا والثورة الثقافية الصينية.

أدخلت حركة 23 مارس، مقارنةً بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، عنصرين جديدين: ـ ـ - تبنت الحركة إيديولوجيا محددة، هي الماركسية اللينينية، في مقابل ما وصفته بـ"غموض" و"تردد" الاتحاد الوطني للقوات الشعبيةمن الناحية الإيديولوجية؛

 - تُقدّر هذه الحركة الصمود الثوري في وجه الإصلاحيات والتنازلات التي قدمها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

وقد لاقت هذه العقيدة الجديدة التي روجت لها الحركة استحسان شريحة من الشباب المنخرط سياسيًا، ولا سيما بين الطلبة والمعلمين. وشكّل هؤلاء الأخيرون إحدى الفئات الرئيسية التي استهدفها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لتجنيد كوادره.

ظهر المكون الثاني للحركة الماركسية اللينينية المغربية، حركة "إلى الأمام"، بعد تنازلات قدمتها قيادة الحزب الشيوعي المغربي. وقد خضعت عقيدة الحزب لتعديلات كبيرة لتتلاءم مع خصوصيات السياق المغربي.

في هذا الشأن، صرح علي يعتة، زعيم الحزب، خلال محاكمة حل الحزب عام 1969، بأن إيديولوجيا الحزب لا تتعارض مع النظام الملكي، ولا مع الإسلام. 

تم تبرير هذه التصريحات بالحاجة إلى تقنين حزب كان محظورًا منذ عام 1959. ومع ذلك، تبرأ النشطاء الراديكاليون داخل الحزب من هذا التوجه لأنه، في رأيهم، يشوه عقيدة الحزب ومبادئ اليسار الثوري. واتهموا زعيمهم بأنه "تحريفي" ورفضوا التصريحات التي جعلت الدين الإسلامي والملكية مرجعًا إيديولوجيًا لحزبهم. كما تبرأ هؤلاء المناضلون  من مواقف الحزب المؤيدة لتشكيل جبهة مشتركة مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، اللذين اعتبروهما حزبين برجوازيين يفضلان التفاوض معالنظام. 

إضافة إلى هذه التنازلات، اعترض الشيوعيون المغاربة على انحياز حزبهم للمواقف الروسية المعارضة للثورة الثقافية الصينية ورفضه إدانة "خطة روجرز" لحل الصراع الإسرائيلي العربي، والتي دعمها الاتحاد السوفيتي السابق.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *