بين مقاطعتين: حين يصبح الاختلاف ملفًا للضبط*مصطفى فرشة
بين مقاطعتين: حين يصبح الاختلاف ملفًا للضبط
قال قائل يومًا دفاعًا عن مقاطعة الانتخابات:
المقاطعة مشاركة في حد ذاتها
فهي قد تكون موقفًا سياسيًا يعبّر عن رفض شروط المشاركة أو طريقة تدبيرها.
لكن ماذا يحدث حين تنتقل المقاطعة إلى داخل التنظيم نفسه
بعد المؤتمر، كان المنتظر تقييم أسباب المقاطعة والانسحاب، وطرح مسؤولية القيادة والمعارضين، انسجامًا مع النقد والنقد الذاتي والمرجعية الماركسية اللينينية.
المقلق هو تأخر التقييم، مقابل الحديث عن استفسارات للمناضلين المقاطعين وتفعيل آليات الضبط التنظيمي.
هنا لا يعود السؤال: من كان على حق؟ بل: كيف يُدار الاختلاف
من تقييم المؤتمر إلى استفسار المقاطعين
من حق أي تنظيم مساءلة أعضائه عند وجود التزامات واضحة. لكن المشكلة تبدأ حين يُسأل المناضل:
لماذا قاطعت؟ لماذا انسحبت؟ لماذا لم تنضبط
بينما يتأخر السؤال:
لماذا قاطع مناضلون المؤتمر؟ وهل ساهمت اختلالات تدبير الاختلاف في ذلك
هناك فرق بين استفسار غايته الفهم، وآخر يمهّد للمحاسبة على موقف سياسي. الأول يقول: اشرح لنا حتى نفهم؛ والثاني يوحي بأن موقفك أصبح ملفًا.
وهنا تبدأ الحدود بين الانضباط التنظيمي والانضباط الصامت.
لجنة ضبط… أم داخلية مصغرة
حين يكون الرد على أزمة سياسية هو تقوية أجهزة الضبط، يحق لنا أن نسأل بسخرية:
هل نبني حزبًا ثوريًا أم وزارة داخلية مصغرة
كل تنظيم يحتاج إلى قانون ومحاسبة، لكن السؤال هو: هل يحمي القانون المشروع الجماعي أم يتحول إلى وسيلة لحماية القيادة من النقد؟
ويصبح السؤال أكثر مشروعية حين يتعلق الأمر بموقف سياسي عبّر عنه صاحبه بالمقاطعة أو الانسحاب، لا باختلاس أو عنف أو إفشاء أسرار.
وهنا تظهر مفارقة تكاد تختصر المشهد كله:
يُطلب من المناضل الثوري أن يشحذ موقفه السياسي، ويجمع حججه، وينزل إلى الناس ليدافع عن مقاطعة الانتخابات باعتبارها موقفًا سياسيًا مشروعًا.
ثم يعود إلى تنظيمه، فيجد نفسه مطالبًا بإثبات حضوره في المؤتمر، أو بتقديم تفسير عن سبب مقاطعته له.
في الخارج يقول للناس:
من حقكم أن تقاطعوا.
وفي الداخل قد يسمع:
وأنت، لماذا قاطعت
فكيف سيشرح المناضل هذه المفارقة للناس قبل أن يشرحها لنفسه
بين مقاطعتين
عندما يقاطع الحزب الانتخابات، ندافع عن حقه ونعتبر المقاطعة موقفًا سياسيًا.
فهل يقبل الحزب أن يُسأل بالطريقة نفسها:
لماذا قاطعتم؟ ولماذا تعرقلون السير الطبيعي للمؤسسات
بل لنذهب بالسؤال إلى نهايته:
إذا أصبحت المقاطعة في حد ذاتها سببًا للاستفسار، أفلا يحق للمخزن، بالمنطق نفسه، أن يوجه استفسارًا إلى الحزب عندما يقرر مقاطعة الانتخابات
سنرفض ذلك بالتأكيد، وسنعتبره مساسًا باستقلالية الحزب وحقه في اتخاذ موقفه السياسي.
إذن، ما الذي يتغير حين يصبح المقاطع مناضلًا داخل الحزب
كيف تتحول المقاطعة من موقف سياسي ندافع عنه أمام الدولة، إلى موضوع ضبط واستفسار عندما تنتقل إلى داخل التنظيم
لسنا هنا بصدد مساواة الحزب بالدولة؛ فهما مختلفان في الطبيعة والوظيفة. نحن أمام سؤال أبسط يتعلق باتساق المبدأ:
إذا طالبنا خصمنا بتحمل معارضتنا ومقاطعتنا، فالأولى أن نمتلك نحن القدرة على تحمل اختلاف رفاقنا وفهم أسبابه قبل تحويله إلى ملف تأديبي.
وإلا وجدنا أنفسنا أمام مفارقة أكثر إزعاجًا:
هل أصبح المخزن أكثر قدرة منك على تحمل المقاطعة
وهل هذه هي البلترة
لا خلاف حول أهمية تجذير الحزب وسط الطبقة العاملة، لكن لا ينبغي الخلط بين البلترة والانضباط الصامت.
فالبلترة لا تُقاس بعدد الاستفسارات والملفات، ولا بعدد المختلفين الذين جرى ضبطهم.
إنها تُقاس بالحضور وسط العمال وفي مواقع الإنتاج والأحياء الشعبية، وبالقدرة على استقطاب عمال وكادحين جدد وتحويل الحزب إلى قوة اجتماعية حقيقية.
التنظيم الضعيف التجذر لا يصبح حزبًا للطبقة العاملة بتشديد الانضباط الداخلي.
فالاستفسار قد ينتج جوابًا مكتوبًا، ولجنة الضبط قد تنتج قرارًا، لكن لا هذا ولا ذاك ينتج تجذرًا وسط الطبقة العاملة.
فلنعد إلى الماركسية اللينينية
إذا كانت المرجعية المعلنة ماركسية لينينية، فلنعد إليها كاملة، لا إلى ما يناسب لحظة الضبط فقط.
المركزية الديمقراطية ليست مركزية بلا ديمقراطية، والانضباط الثوري ليس طاعة عمياء، والنقد والنقد الذاتي لا يعنيان أن تنتقد القاعدة نفسها بينما تبقى القيادة خارج دائرة السؤال.
لا معنى للديمقراطية الداخلية إذا بدأ المناضل يحسب كلماته خشية أن يتحول سؤاله إلى استفسار، واستفساره إلى ملف، وملفه إلى عقوبة.
وقبل أن نسأل المقاطعين:
لماذا قاطعتم؟
ينبغي أن نمتلك الشجاعة لطرح السؤال الآخر:
ماذا وقع داخل الحزب حتى وصل مناضلون إلى المقاطعة والانسحاب؟
ومن المسؤول سياسيًا عن وصول الاختلاف إلى هذه الدرجة؟
للقيادة حق أن تستفسر المناضلين، نعم. لكن للمناضلين أيضًا حق أن يستفسروا القيادة.
وإذا كنا نطالب المخزن باستيعاب مقاطعتنا واختلافنا ومعارضتنا، فلنثبت أولًا قدرتنا على استيعاب الاختلاف داخل بيتنا.
فالمناضل لا يمكن أن يكون مطالبًا صباحًا بإقناع المواطن بأن المقاطعة حق وموقف سياسي، ثم يعود مساءً إلى تنظيمه ليجد استفسارًا ينتظره لأنه مارس الحق نفسه.
وإلا ظل السؤال قائمًا:
كيف نبني حزبًا لتحرير الطبقة العاملة، إذا أصبح تحرير الكلمة داخله يحتاج إلى استفسار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق