* مشروع ميزانية 2027 في تونس: من يدفع كلفة الأزمة، ومن يستحوذ على الثروة؟ عمران حاضري
* مشروع ميزانية 2027 في تونس: من يدفع كلفة الأزمة، ومن يستحوذ على الثروة؟
ليست ميزانية الدولة مجرّد جدول للمداخيل والنفقات، بل هي مرآة مكثّفة لموازين القوى الاجتماعية والطبقية، ولطبيعة الخيارات الاقتصادية والسياسية التي تحدّد من ينتج الثروة، ومن يستحوذ عليها، ومن يتحمّل كلفة الأزمة.
وفق الأرقام المقدّمة، تُقدّر مداخيل الدولة لسنة 2027 بـ54.280 مليار دينار، مقابل نفقات تناهز 68.895 ملياراً، أي عجز في حدود 14.615 مليار دينار. وإلى جانب تعبئة موارد اقتراض بقيمة 28.122 ملياراً، كما تستوجب الديون السابقة تسديد 13.307 مليار دينار...
إنها أرقام لا تطرح سؤال التوازنات المالية فحسب، بل تضعنا أمام السؤال الجوهري المتمحور حول أيّ اقتصاد نريد ؟ ، ولأيّ مجتمع تُصاغ الميزانية ؟ ، ومن يدفع ثمن الاختيارات القائمة؟
حين تتضخّم خدمة الدين وتتواصل الحاجة إلى الاقتراض، يصبح جزء متزايد من القرار الاقتصادي رهيناً لاستحقاقات الماضي، ويُهدَّد هامش الاستثمار العمومي المنتج، فيما تتقلّص و بشكل كبير جدا ، إمكانات الاستجابة للحاجات الاجتماعية... وهكذا تتحوّل المديونية، متى غابت عنها استراتيجية إنتاجية وسيادية، من أداة تمويل غير مشروط، إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية وتأجيل الأزمة وتوزيع أعبائها بصورة غير عادلة.
لكن السؤال الأشدّ إلحاحاً ليس كم تقترض الدولة، بل لماذا تعجز الثروة الوطنية، رغم ما تختزنه البلاد من موارد بشرية وطبيعية وإمكانات إنتاجية، عن تمويل تنمية عادلة ومستدامة؟ أين تذهب عائدات الفوسفاط والغاز والطاقة والثروات العمومية؟ وما القيمة المضافة التي يخلقها التصنيع والتحويل والتصدير؟ وأيّ نصيب للمجتمع من هذه الثروات، مقابل ما يُمنح من امتيازات وإعفاءات وتسهيلات للمستثمرين ورؤوس الأموال؟
إنّ اقتصاداً تتضخّم فيه الأنشطة الريعية والخدمات المالية والبنكية والوساطة التجارية، دون بناء قاعدة إنتاجية وتصنيعية قادرة على خلق الثروة ومواطن الشغل اللائق و العيش الكريم الذى تطمح له الفئات الشعبية ، يظلّ عاجزاً عن فكّ الارتباط بالتداين والتبعية... فالخدمات ليست في ذاتها مشكلة، إنما تكمن المعضلة في منوال يجعلها، إلى جانب الريع والمضاربة، بديلاً عن الإنتاج، ويحوّل العمل إلى مصدر للجباية والربح أكثر مما يجعله أساساً للارتقاء الاجتماعي والتحرّر الاقتصادي والسياسي.
وإذا كانت الجباية، وفق المعطيات المتداولة، توفّر أكثر من 91% من مداخيل الدولة، فإنّ العدالة الجبائية تصبح امتحاناً سياسياً واجتماعياً حاسماً حول من يدفع الضرائب فعلياً؟ وما نصيب الأجراء وصغار المنتجين والمستهلكين من العبء الجبائي، مقارنة بأصحاب الثروات الكبرى والأنشطة الريعية والمضاربات والتهرّب الضريبي و الاقتصاد الموازي غير المهيكل ؟ وكيف يمكن بناء دولة اجتماعية فيما تتحمّل الفئات الشعبية قسطاً أساسياً من التمويل، دون أن تلمس مقابله تحسّناً متناسباً في الخدمات العمومية وظروف العيش؟
من هنا، لا يكفي أن نسأل عن حجم ميزانية التنمية، بل عن مضمونها وتوزيعها ونتائجها، و طرح السؤال الحارق حول حجم ما يُخصّص للاستثمار المنتج في الجهات المحرومة؟ و كم من مواطن الشغل القارّ واللائق ستُحدثه الميزانية؟ و ما نصيب الأجور و جرايات التقاعد والقدرة الشرائية؟ وكيف ستُدعّم الصحة والتعليم والنقل والسكن والحماية الاجتماعية، في وقت تتزايد فيه هشاشة الفئات الكادحة وتتراجع قدرتها على تحمّل أعباء الحياة؟
إنّ التنمية ليست مجرّد نسب نموّ أو أرقام استثمار، بل هي تحرير الإنسان من الفقر والهشاشة والتهميش، وتحويل الثروة الوطنية إلى حقوق اجتماعية ملموسة... وكلّ ميزانية لا تقيس نجاحها بما تحقّقه للعمال وصغار الفلاحين والعاطلين والفئات المهمّشة، بل بما توفّره من توازنات محاسبية وطمأنة للدائنين وامتيازات للمستثمرين، تظلّ ميزانية منحازة في نتائجها، مهما كانت شعاراتها الاجتماعية الهلامية...
إنّ جوهر المعركة ليس بين العجز والتوازن، بل بين منوال يعيد إنتاج العجز والتبعية، ومشروع وطني ، ديمقراطي ،شعبي يعيد توجيه الثروة نحو الإنتاج والحاجات الاجتماعية والسيادة الاقتصادية... مشروعٌ يربط إصلاح الجباية بمقاومة التهرّب والامتيازات غير المبرّرة، ويستعيد العائدات العادلة للثروات العمومية، ويُخضع الاستثمار الخاص للمصلحة الاجتماعية و اعتماد ضريبة تصاعدية على دخل الأثرياء و الشركات الكبرى ، ويجعل من التصنيع والتحويل والتشغيل والتنمية الجهوية أولويات فعلية، لا مجرّد عناوين في البيانات و الوثائق الرسمية.
فميزانية الدولة ليست قدراً محتوماً، بل اختيار طبقي وسياسي قابل للنقاش والمساءلة والتغيير... ومن حقّ الجماهير الكادحة أن تعرف أين تُصرف ثروتها، ومن يستفيد منها، ولماذا يُطلب منها دائماً الصبر والتضحية، بينما تظلّ أسباب التبعية والريع والاختلال الاجتماعي قائمة.
لا تنمية حقيقية دون فك الارتباط مع التبعية و إرساء قواعد العدالة الاجتماعية، ولا سيادة وطنية دون سيادة إنتاجية، ولا ديمقراطية شعبية دون حقّ المواطنين في تقرير مصير ثرواتهم... تلك هي المعايير التي ينبغي أن يُقيم بها مشروع ميزانية 2027 ، وتلك هي نقطة الانطلاق نحو بديل وطني تحرّري ناهض ، يجعل الاقتصاد في خدمة الفئات الشعبية و المجتمع ، لا المجتمع في خدمة الخيارات التبعية و التقشف و الخصخصة و تحرير الدينار و غلق الانتدابات و الزيادة في سعر المحروقات و الرفع التدريجي لدعم المواد الأساسية و ذبح المقدرة الشرائية و تغول المديونية و الريع و تراكم الثروة لدى الأقلية...!
عمران حاضري
28/10/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق