جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

النهج الديمقراطي والنهج الديمقراطي العمالي: بين الوفاء للمشروع التحرري وتناقضات الممارسة التنظيمية.عزيز جعري

 النهج الديمقراطي والنهج الديمقراطي العمالي: بين الوفاء للمشروع التحرري وتناقضات الممارسة التنظيمية.عزيز جعري

إن بيان اللقاء الوطني التشاوري الأول لمناضلات ومناضلي النهج الديمقراطي والنهج الديمقراطي العمالي، المنعقد بالدار البيضاء يوم 17 أكتوبر 2026، ليس مجرد تعبير عن خلاف تنظيمي داخل حزب سياسي، بل يطرح أسئلة عميقة حول مسار تاريخي من النضال والتضحيات، وحول العلاقة بين المبادئ التحررية التي تأسس عليها النهج الديمقراطي والممارسة السياسية والتنظيمية التي رافقت تحوله إلى حزب النهج الديمقراطي العمالي. إنها أزمة لا يمكن اختزالها في صراع بين أشخاص أو مواقع، لأنها تمس طبيعة المشروع نفسه ومدى قدرته على تجديد أدواته وعلاقاته دون التفريط في المبادئ التي من أجلها وجد.
فالنهج الديمقراطي، الذي تأسس في 14 أبريل 1995 امتدادا لتجربة الحركة الثورية المغربية، وخاصة منظمة إلى الأمام، شكل مسارا نضاليا ساهمت في بنائه أجيال من المناضلات والمناضلين في مواجهة الاستبداد والاستغلال والتبعية. أما النهج الديمقراطي العمالي، فقد جاء نتيجة تحول أقره المؤتمر الوطني الخامس في يوليوز 2022، معلنا بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين. ولا يتعلق الأمر بحزبين منفصلين تماما، بل باستمرارية تاريخية وتنظيمية رافقها تحول سياسي يستوجب التقييم والنقد. غير أن الاستمرارية لا تعني التطابق، كما أن تعديل الاسم لا يكفي وحده لإحداث تحول نوعي في طبيعة الممارسة.
ومن هنا تبرز دلالة الجمع بين التسميتين في عنوان البيان، فالنهج الديمقراطي ليس مجرد اسم سابق، بل تجربة جماعية وتاريخ نضالي ساهم في بنائه مناضلون ومناضلات، بعضهم استمر داخل التنظيم الحالي وبعضهم ابتعد عنه أو اختلف مع توجهاته. أما النهج الديمقراطي العمالي فهو الصيغة الحزبية التي انبثقت عن المؤتمر الخامس. ولذلك لا يمكن اختزال الوفاء للمشروع التاريخي في الانتماء إلى التنظيم الحالي، كما لا يمكن اعتبار الاختلاف معه تخليا عن المبادئ. فالشرعية النضالية لا تمنحها المواقع القيادية ولا الأسبقية التاريخية، بل تحددها الممارسة ومدى الانسجام بين الفكر والسلوك والمواقف.
إن بناء حزب مستقل للطبقة العاملة لا يتحقق بمجرد إضافة الصفة العمالية إلى الاسم، بل يقتضي ارتباطا فعليا بالعمال والعاملات والكادحين، وبنضالاتهم اليومية ومصالحهم الطبقية، وتمكينهم من المشاركة الحقيقية في صياغة القرارات والتوجهات. فالطبقة العاملة ليست مجرد مفهوم نظري أو شعار يمنح التنظيم شرعيته، بل قوة اجتماعية حية تتشكل داخل علاقات الإنتاج والاستغلال، وتطور وعيها عبر الصراع من أجل تحسين شروط وجودها وتغيير موازين القوى. ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان التحول التنظيمي لسنة 2022 قد انعكس فعلا على طبيعة الممارسة السياسية والارتباط الاجتماعي للحزب، أم أن بعض التناقضات التي كان يفترض تجاوزها ظلت قائمة داخل بنيته الجديدة.
إن ما يثير الانتباه في بيان 17 أكتوبر هو أن أصحابه يؤكدون تشبثهم بوحدة الحزب ومبادئه، ويرفضون تقديم مبادرتهم باعتبارها تيارا أو بديلا تنظيميا، رغم ما يوجهونه من انتقادات إلى أساليب التدبير. فالبيان يتحدث عن سوء التسيير، وتدبير الخلافات بعقلية جامدة، وعن ممارسات إقصائية وتصفوية وبيروقراطية، إلى جانب تجاهل مبادرات الحوار والنقد. وهي مؤاخذات جدية تحتاج إلى نقاش ومساءلة موضوعيين والاستماع إلى مختلف الأطراف، دون التسليم بصحتها جميعا أو رفضها لمجرد أنها تمس القيادة. لكن ما تطرحه من تناقضات يستحق التوقف عنده، لأن الأمر يتعلق بتنظيم يجعل من الديمقراطية والتحرر أساسا لمشروعه السياسي.
فكيف يمكن لتنظيم يناضل ضد الاستبداد في المجتمع أن يتسامح مع ممارسات سلطوية داخل بنيته؟ وكيف يمكن الدفاع عن حرية التعبير والاختلاف خارج التنظيم، بينما يصبح الاختلاف داخله مصدر توتر أو إقصاء؟ وكيف يمكن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن تدبير الشأن العام دون جعل المحاسبة مبدأ ثابتا في تدبير الشأن الحزبي؟ إنها أسئلة لا تستهدف أشخاصا بعينهم، بل تتعلق بثقافة سياسية وتنظيمية ينبغي أن تخضع للنقد والمراجعة، لأن التناقض بين المبادئ والممارسة لا يعالج بتجاهله أو تبريره، بل بالكشف عن أسبابه وشروط تجاوزه.
إن هذه الإشكالات ليست خاصة بالنهج الديمقراطي العمالي، فقد عرفتها حركات تحررية وعمالية عديدة عندما تحولت بعض أدوات التنظيم والانضباط إلى علاقات وصاية واحتكار للقرار. فالإنسان لا يتحرر تلقائيا من الثقافة السائدة بمجرد تبنيه أفكارا تقدمية، وقد يحمل تصورا جذريا لتغيير المجتمع بينما يعيد إنتاج علاقات الطاعة والتراتبية والزعامة التي تشكلت تاريخيا داخل الأسرة والمدرسة والإدارة ومختلف مؤسسات المجتمع. وهنا يظهر أن التحرر ليس مجرد تغيير في الخطاب السياسي، بل صيرورة تشمل العلاقات الإنسانية وأساليب التفكير والممارسة.
إن التنظيم الذي يسعى إلى تحرير الإنسان لا يمكن أن يجعل من حرية المناضل وكرامته مسألة ثانوية. كما أن التاريخ النضالي، مهما بلغت تضحيات أصحابه، لا يمنح أحدا حق احتكار الحقيقة أو القرار. فالأقدمية والتجربة ينبغي أن تكونا مصدر وعي ومسؤولية وتواضع، لا وسيلة للوصاية أو إضفاء القداسة على القيادة. وليس هناك ما يهدد التنظيم أكثر من تحوله إلى فضاء يخشى فيه المناضلون النقد، أو يصبح فيه الاختلاف امتحانا للولاء بدل أن يكون وسيلة لتطوير الفكر والممارسة.
إن الديمقراطية الداخلية لا تعني غياب الانضباط، كما أن وحدة التنظيم لا تقتضي إلغاء التناقضات. فالانضباط الواعي ينتج عن الاقتناع والمشاركة في اتخاذ القرار، أما الطاعة العمياء فلا تنتج سوى الخضوع. والمركزية لا تكون ديمقراطية إلا عندما تخضع القيادة للمراقبة والمحاسبة، ويظل حق النقد والتعبير مكفولا للجميع. ولعل الإشكال الذي يطرحه البيان يرتبط أساسا بهذه العلاقة بين وحدة التنظيم وحرية الاختلاف، خصوصا أن وثائق المؤتمر الخامس تؤكد القيادة الجماعية والنقد والنقد الذاتي، إلى جانب رفض التكتلات والتيارات. وهو ما يستدعي التمييز بين المبادرات الجماعية المشروعة للنقد والتصحيح، وبين الممارسات التي قد تسعى إلى بناء مراكز قرار موازية.
ومن هذه الزاوية، فإن استحضار ذكرى الراحل مصطفى براهمة، التي انعقد اللقاء على هامش إحيائها، يحمل دلالة تاريخية وإنسانية تتجاوز مجرد تخليد الذكرى. فالوفاء للمناضلين الذين ساهموا في بناء التجربة لا يتحقق بالإشادة بتضحياتهم فقط، بل بالحفاظ على المبادئ التي ناضلوا من أجلها، وبالقدرة على إخضاع المسار المشترك للنقد والمراجعة. فالذاكرة النضالية ملك جماعي، ولا يجوز تحويلها إلى وسيلة لاحتكار الشرعية أو حسم خلافات الحاضر باسم الماضي. إن أفضل وفاء للتاريخ هو تطوير ما راكمه من مكتسبات وتصحيح ما حمله من أخطاء وتناقضات.
لكن الأزمة التنظيمية لا يمكن فصلها عن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تتحرك داخله القوى التقدمية. فالمغرب يعيش تناقضات طبقية عميقة، تتجلى في اتساع الفوارق الاجتماعية واستمرار البطالة والهشاشة وتراجع القدرة الشرائية وتدهور عدد من الخدمات العمومية، مقابل تركز الثروة والنفوذ لدى فئات محدودة. كما أن ارتباط الاقتصاد الوطني بمراكز الرأسمال العالمي يعمق علاقات التبعية، ويجعل العمال والكادحين يتحملون قسطا كبيرا من نتائج الاختيارات الاقتصادية والسياسية السائدة.
وفي ظل هذه الأوضاع، تصبح الحاجة إلى تنظيمات ديمقراطية ومستقلة ومرتبطة بالفئات الشعبية أكثر إلحاحا. فالصراعات الداخلية التي تستنزف الطاقات النضالية لا تبقى محصورة داخل التنظيم، بل تنعكس على قدرته على التأثير في المجتمع والمساهمة في تغيير موازين القوى. غير أن المسؤولية عن هذا الاستنزاف لا يمكن تحميلها للنقد وحده، لأن التستر على الأخطاء وغياب المحاسبة قد يؤديان إلى النتائج نفسها، وربما بصورة أعمق. فليس النقد هو الذي يضعف التنظيم بالضرورة، بل العجز عن استيعابه وتحويله إلى وسيلة للتصحيح والتجديد.
ومع ذلك، فإن النقد لا يكتسب مشروعيته لمجرد معارضة القيادة، كما أن الدفاع عن الوحدة لا يبرر كل قراراتها. فالمسؤولية جماعية، تقتضي من الجميع الابتعاد عن الشخصنة والحسابات الضيقة والتخوين، واعتماد الحجة والإقناع والنقد الذاتي. ولا يكفي التنديد بالبيروقراطية إذا لم يرافقه تصور عملي يمنع إعادة إنتاجها، كما لا يكفي الحديث عن التصحيح إذا اقتصر على تغيير المواقع والأشخاص دون معالجة العلاقات والأساليب التي أنتجت الأزمة.
ولهذا فإن المبادرة التشاورية التي أعلن عنها البيان يمكن أن تشكل فرصة لفتح نقاش جدي حول الاختلالات التنظيمية والسياسية، شريطة أن يتحول الحوار إلى ممارسة فعلية، وأن تقوم المحاسبة على الوقائع والمسؤوليات لا على الاتهامات والنوايا المفترضة. فالوحدة الحقيقية ليست مجرد استمرار شكلي للتنظيم، وإنما هي قدرة جماعية على تدبير الاختلاف وإنتاج قرارات مشتركة تحترم حقوق الجميع. أما الوحدة التي تقوم على الصمت أو الخوف من النقد، فهي وحدة هشة تخفي تناقضات قابلة للانفجار.
كما أن التحذير من المسلكيات التي قد تخدم موضوعيا خصوم الطبقة العاملة، كما ورد في البيان، يحتاج إلى قدر من الدقة والمسؤولية. فليس كل اختلاف خدمة للخصم الطبقي، كما أن كل دعوة إلى الوحدة ليست بالضرورة دفاعا عن المصلحة الجماعية. فقد يؤدي الانقسام غير المسؤول إلى إضعاف القوى المناضلة، لكن الإقصاء واحتكار القرار وإسكات الأصوات الناقدة قد يؤديان إلى النتيجة نفسها. ولذلك ينبغي تقييم المواقف من خلال مضمونها ونتائجها، لا من خلال النوايا المفترضة أو التصنيفات الجاهزة.
إن الصراع الأساسي بالنسبة إلى القوى التقدمية ليس صراعا بين المناضلين حول من يمتلك الشرعية أو يمثل التاريخ، بل هو صراع اجتماعي وسياسي يرتبط بطبيعة السلطة والثروة وعلاقات الإنتاج والاستغلال. وحين تصبح الخلافات الداخلية مركز الاهتمام، بينما تتراجع الصلة بالعمال والكادحين والحركات الاجتماعية، يبدأ التنظيم في فقدان جزء من وظيفته التاريخية. فالمشروع التحرري لا يعيش بالشعارات وحدها، وإنما بقدرته على الانخراط في النضالات الفعلية والمساهمة في تطوير الوعي والتنظيم الجماعي.
ومن هنا فإن تقييم تجربة النهج الديمقراطي العمالي ينبغي أن يشمل حصيلة ارتباطه بالطبقة العاملة، ومدى حضوره داخل مواقع الإنتاج والعمل النقابي والحركات الاجتماعية، وقدرته على استيعاب التحولات التي يعرفها المجتمع. فلا يكفي أن يعلن الحزب تمثيل المصالح الطبقية للكادحين إذا لم يستطع تطوير علاقات فعلية معهم، كما لا يجوز أن تتحول الجماهير إلى مجرد موضوع للخطاب السياسي بدل أن تكون فاعلا أساسيا في بناء أدوات نضالها وتحديد أهدافها.
ولا يمكن فصل هذا المشروع عن النضال ضد الاستعمار والهيمنة والتطبيع، وعن التضامن مع الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب المستضعفة. فالاستغلال والتبعية لا يتوقفان عند الحدود الوطنية، بل يرتبطان بعلاقات اقتصادية وسياسية دولية تقوم على اختلال موازين القوى والسيطرة على الأسواق والموارد ومناطق النفوذ. غير أن التضامن الأممي لا يختزل في الشعارات والمواقف المعلنة، بل ينبغي أن ينعكس أيضا على طبيعة العلاقات داخل التنظيمات نفسها، لأن من يناضل من أجل حرية الشعوب وكرامتها لا يمكنه اعتبار حرية رفاقه وكرامتهم مسألة ثانوية.
إن بيان 17 أكتوبر يطرح، في العمق، سؤال العلاقة بين الوسيلة والغاية، وبين التنظيم والمشروع الذي وجد من أجله. فلا يمكن بناء مجتمع قائم على الحرية والمساواة بعلاقات تنظيمية تعيد إنتاج الوصاية والخضوع، كما لا يمكن الدفاع عن التحرر الجماعي دون الاعتراف بحق الأفراد في التفكير والنقد والمشاركة. فالوسائل ليست محايدة، بل تساهم في تشكيل المستقبل الذي يجري بناؤه، والممارسة اليومية هي الامتحان الحقيقي للمبادئ.
ولهذا فإن الوفاء للنهج الديمقراطي، باعتباره تجربة تاريخية ومشروعا للتحرر، لا ينبغي اختزاله في الولاء للتنظيم الذي يحمل اليوم اسم النهج الديمقراطي العمالي، كما أن نقد هذا الأخير لا يعني بالضرورة التخلي عن المبادئ التي أعلن مواصلتها. فالاستمرارية التاريخية لا تلغي الحق في الاختلاف والمراجعة، والتحول التنظيمي لا يمنح أحدا حق احتكار المشروع أو ذاكرته الجماعية.
إن ما يحتاج إليه هذا المسار اليوم ليس مجرد معالجة خلاف تنظيمي أو عقد لقاء للمصالحة، بل تقييم جماعي صريح لحصيلة التحول منذ المؤتمر الخامس، ولمدى انسجام الممارسة مع المبادئ والأهداف المعلنة، وفتح المجال أمام النقد والمحاسبة والتجديد، مع إعادة الاعتبار للارتباط الفعلي بالطبقة العاملة والكادحين. فالتنظيم لا يستمد قيمته من اسمه أو تاريخه وحدهما، بل من قدرته على فهم الواقع والمساهمة في تغييره.
إن القضية ليست من يملك النهج الديمقراطي أو من يحتكر الحديث باسمه، بل كيف يظل المشروع وفيا لقضية التحرر التي من أجلها وجد، وكيف لا يتحول الحزب الذي أعلن بناءه باسم الطبقة العاملة إلى غاية قائمة بذاتها. فالمناضلون يرحلون، والقيادات تتغير، والأسماء والصيغ التنظيمية تتطور، لكن ما يستحق الاستمرار هو النضال الواعي والمنظم ضد الاستغلال والاستبداد والتبعية، ومن أجل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
فالوفاء الحقيقي لا يقاس بالمواقع والانتماءات التنظيمية، بل بمدى الانسجام بين الفكر والممارسة، وبالقدرة على النقد والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، وبالانحياز الفعلي إلى العمال والكادحين وسائر الفئات المستضعفة. إن التنظيم وجد لخدمة مشروع التحرر، ولم يوجد مشروع التحرر لخدمة التنظيم أو من يقودونه. وكل مشروع يفقد قدرته على نقد ذاته وتجديد علاقاته يفقد تدريجيا قدرته على تغيير الواقع، مهما كان تاريخه حافلا بالتضحيات أو خطابه مشبعا بشعارات التحرر ...
عاشت الطبقة العاملة حرة وسيدة نفسها، وعاش عموم الكادحين متحدين في نضالهم من أجل التحرر والعدالة الاجتماعية، وعاش الشعب المغربي حرا كريما، سيدا في وطنه ومصيره، متمتعا بكامل حقوقه وحرياته، متطلعا إلى مستقبل تسوده الديمقراطية والمساواة والكرامة الإنسانية، بعيدا عن كل أشكال الاستغلال والاستبداد والتبعية.
وعاش تضامن الشعوب وكفاحها من أجل الحرية والتحرر والسلام والعدالة الاجتماعية ...
عزيز جعري

يقدم المقال تحليلاً سياسياً وفكرياً نقدياً للأزمة التنظيمية والسياسية التي يعيشها حزب "النهج الديمقراطي العمالي" في المغرب، وذلك على خلفية البيان الصادر عن اللقاء الوطني التشاوري الأول المنعقد بالدار البيضاء في 17 أكتوبر 2026.

فيما يلي ملخص لأبرز محاور وأفكار المقال:

1. طبيعة الأزمة ودلالات التسمية

  • تجاوز الخلاف التنظيمي: الأزمة ليست صراعاً شخصياً على القيادة والمواقع، بل هي مسألة فكرية وسياسية تمس جوهر المشروع التحرري ومدى الانسجام بين مبادئه والممارسة العملية.

  • الاستمرارية والتعديل: التحول الصادر عن المؤتمر الخامس (يوليوز 2022) بتغيير الاسم إلى "النهج الديمقراطي العمالي" لبناء حزب الطبقة العاملة هو امتداد لتاريخ "النهج الديمقراطي" وتجربة الحركة الثورية ("إلى الأمام")، إلا أن تغيير الاسم وحده لا يعني بالضرورة تحولاً نوعياً في الممارسة.

  • الشرعية النضالية: الشرعية لا تُمنح بالأسبقية التاريخية أو المواقع القيادية، بل بمدى الارتباط الفعلي بالطبقة العاملة والانسجام بين الفكر والسلوك.

2. التناقض بين الخطاب والممارسة التنظيمية

  • المؤاخذات الموجهة للقيادة: يتطرق البيان إلى ممارسات بيروقراطية، وإقصائية، وسوء تدبير للخلافات، مع تجاهل مبادرات الحوار والنقد الذاتي.

  • إشكالية التحرر الداخلي: يطرح المقال مفارقة حادة: كيف لتنظيم يناهض الاستبداد في المجتمع أن يمارس أساليب سلطوية داخله؟ ويكرر علاقات التراتبية والطاعة التي تشكلت في المؤسسات التقليدية؟

  • حرية الاختلاف والديمقراطية الداخلية: المركزية الديمقراطية تقتضي محاسبة القيادة وحفَظ حق النقد، حيث أن الوحدة القائمة على الصمت أو الخوف هي وحدة هشة قابلة للانفجار.

3. السياق الاجتماعي والارتباط بالطبقة العاملة

  • السياق المغربي: يعيش المغرب تناقضات طبقية واسعة (اتساع الفوارق، التبعية للرأسمال العالمي، تدهور القدرة الشرائية)، مما يتطلب تنظيمات ديمقراطية ومستقلة وقادرة على التأثير.

  • خطر الاستنزاف الداخلي: استغراق الحزب في الصراعات الداخلية يضعف قدرته على الانخراط في النضالات اليومية للعمال والكادحين، ويُفقد التنظيم وظيفته التاريخية.

4. البعد الأممي والقضايا المبدئية

  • الأزمة لا تفصل الحزب عن قضايا ومبادئ النضال ضد الاستعمار والتبعية، والتضامن الأممي مع الشعب الفلسطيني وكافة الشعوب المستضعفة.

  • التضامن والتحرر يجب أن ينعكسا داخلياً؛ فمن يناضل من أجل حرية الشعوب لا يمكنه استصغار حرية وكرامة رفاقه داخل التنظيم.

5. خريطة طريق للتجاوز والوفاء للمشروع

  • المبادرة التشاورية كفرصة: يمكن أن تشكل المبادرة بداية لحوار جدي ومراجعة شاملة تقيم حصيلة ما بعد المؤتمر الخامس بعيداً عن التشوين أو الشخصنة.

  • الوسيلة والغاية: التنظيم وسيلة لخدمة مشروع التحرر وليس غاية في حد ذاته.

  • الوفاء الحقيقي: الوفاء لتاريخ النهج الديمقراطي ولشهدائه ومناضليه (مثل الراحل مصطفى براهمة) لا يكون بالتقديس أو احتكار الذاكرة، بل بالنقد الذاتي المخلص، والمراجعة، والتصحيح، والانحياز الفعلي للعمال والكادحين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *