الحرية ضرورة حياتية لكنها تبقى منقوصة دون توفر شرطها الاجتماعي... !عمران حاضري
الحرية ضرورة حياتية لكنها تبقى منقوصة دون توفر شرطها الاجتماعي... !
* التعمق في مفارقات مفهوم الحرية أمر ملح خاصةً في مجتمعاتنا العربية، حيث كل المؤشرات تدل أنها ضعيفة، هشة و تكاد تكون منعدمة و هي معدومة أصلا في معظم الحالات... ! المهم في قضية الحرية أن تبقى دائما موضوع نضال و نقاش بوصفها ضرورة حياتية لا بوصفها تساؤلا أكاديميا...! *مهما تنوعت صور الحرية يبقى البحث فيها وسيلة للاحتفاظ بها على رأس جدول اهتمام الأطياف الوطنية التقدمية الحداثية الحقيقية الناهضة لأن الوعي بقضية الحرية والعدالة و المساواة و التكافؤ و التقدم بوجه عام هو منبع الحرية....!* و في سياق متصل يعتبر الانحسار في الجانب السياسي على أهميته طبعاً و إهمال الجانب الاقتصادي و الاجتماعي يفقد القدرة على الإلمام بالمشهد السياسي و استيعاب تناقضاته و ترتيب أولوياته كما يفقد القدرة خاصةً على فهم واقع الطبقات الشعبية و طبيعة مشكلاتهم، و ربما لا يلمس إلا طابع "وعيهم " بصورة غير دقيقة...
و بالتالي يفقد القدرة على معرفة طبيعة مشاكلهم و درجة احتقانهم و احتجاجاتهم و حدود انضغاطهم بفعل الأوضاع المزرية التي يعيشون فيها نتيجة السياسات التبعية العدوانية التقشفية التي تنتهك حقوقهم وتعتدي على أسباب عيشهم... ! الجانب الاقتصادي والاجتماعي يعتبر المدخل الرئيسي و البوابة الأساسية في كسب رهان الإنتشار و تكوين قاعدة شعبية قادرة على منازلة مكونات المنظومة النيوليبرالية التبعية الرثة بصفة منظمة و مستقلة عن خياراتها العدوانية...
* الأزمة الحقيقية هي أزمة الخيارات الكبرى المتازمة التي ثار ضدها الشعب و التي لم يعد الشعب الكادح المفقر بقادر على تحملها و التعايش مع هكذا أوضاع مزرية و لا خيار لتجاوز الأزمة الطاحنة و حالة الإفلاس الإقتصادي غير المعلن و الإنهيار التام كما في الحالة التونسية إلا بتخطي المنوال التبعي الريعي الرث و النمط الإقتصادي المهيمن في المجتمع... صوب فك الارتباط ولو تدريجياً مع التبعية و اعتماد اقتصاد وطني منتج في الفلاحة و الصناعة قادر على إنتاج الثروة و القيمة المضافة...!
*كل الحكومات المتعاقبة منذ عقود، إلى الآن سعت و تسعى إلى حرف التناقض الاجتماعي الطبقي عن جوهره الحقيقي... و تحاول أن تجرك إلى معارك ثانوية هامشية و معاركها الخاصة ، على مذبح نحر الشعب و الوطن و توسيع دائرة شهوات السلطة و الحكم ، وهي مستعدة أن تحاورك في كافة المجالات حتى في مسائل عقدية وجودية عابرة للتاريخ ، عن وجود الإله أو جنس الملائكة مثلاً ...! لكن ليس لها إطلاقا أي استعداد للتراجع عن الخيارات التبعية النيوليبرالية التقشفية المتازمة...!
* بالتالي لا فرق بين رواد بقايا المنظومة القديمة المرسكلة و منظومة الاسلام السياسي الإخواني بمختلف مكوناته كما رواد الشعبوية المحافظة الناشئة ، فكلهم نيوليبراليون تبعيون و مع اقتصاد السوق مهما اختلفت زوايا النظر...!
* فالحرية الحقيقية و الديموقراطية الحقيقية لا نتعلمها من الكتب الثورية التي نقرؤها بقدر فهمها في مسارها التاريخي ، نتعلمها كفعالية نعيشها في معمعان النضال الجماهيري على إيقاع الجرح الاجتماعي و معاناة الشعب و القهر السياسي و الاجتماعي و كافة مظاهر الاستغلال والاستلاب في ظل التفاوت الاقتصادي والاجتماعي الذي يقوض مبدأ الحرية والعدالة و المساواة...!
* و هو ما يطرح على الأطياف السياسية والمدنية الوطنية التقدمية الناهضة من الديمقراطيين المنتصرين لعموم الشعب الكادح و استحقاقاته في الحرية و الديمقراطية و الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، الحرص الواعي على نقل الديموقراطية من طابعها البرجوازي الشكلي و المختزلة أساساً في بعض الحريات الفردية و العملية الانتخابوية و بعض المؤسسات التمثيلية الصورية غير الفاعلة شعبيا و المحكومة بالمال الفاسد و الدعاية الإعلامية الموجهة و المنصات الالكترونية الإشهارية المشبوهة... إلى جوهرها الإجتماعي ، حيث يكون النضال من أجل الحريات الديمقراطية جنبا إلى جنب مع الديموقراطية الاجتماعية/ الشعبية التشاركية ، بما تعنيه من مساواة و تكافؤ الفرص و تأميم للثروات و توزيع عادل للثروة و الحق في الشغل و العلاج والتعليم و النقل والخدمات و غيرها من مقومات الرعاية والعدالة الاجتماعية المنشودة في سياق التحرير الوطني و الانعتاق الاجتماعي بأفقة الاشتراكي ...
* ما هو مطلوب من اليسار المناضل الناهض أو الديمقراطي الثوري هو استكمال الثورة المغدورة رغم حالات السكون و التعثر و السعي الواعي إلى تاطيرها و حمايتها في كافة منعطفاتها و تعرجاتها و قراءة الواقع الملموس بنظرة اجتماعية طبقية و الحرص على تجاوز العفوية و الموسمية و التشتت التنظيمي و بلورة رؤية استراتيجية وطنية تحررية ديموقراطية شعبية تقطع مع الخيارات التبعية الريعية الرثة بمختلف مكوناتها و من ثم تشييد قطب وطني تحرري ديموقراطي شعبي ناهض على نفس المسافة من بقايا النظام القديم و الاسلام السياسي كما الشعبوية المحافظة... !
* الحرية كما الديموقراطية ، مفهوم اجتماعي طبقي ليس له أي معنى بغياب العلاقات الطبقية و ما يكتنفها من صراع ، حيث تتناسب مساحة الحرية التي تتمتع بها طبقة معينة تناسبا عكسياً مع مساحة الطبقة الأخرى المقابلة لها في الصراع...!
* موضوع الحرية ، موضوع كبير و شاسع لا يقل تنوعاً و منازعة بين اليمين و اليسار كما يرفض الركون إلى سجن التعريفات البسيطة المجردة و الملتبسة ، بالتالى ذلك لا يمنع من الإنطلاق من معانيها الفكرية و السياسية و الاجتماعية و الفلسفية و الحقوقية...!
* لا شك أن قارىء شيلينغ و هيغل يتلمس تقاربا في تحليلاتهما حول مفارقات الحرية و تحليلات سبينوزا و لابنيتز على سبيل المثال ، حيث كل هؤلاء يضعون قضية الحرية الإنسانية في نطاق المطلق أي في نطاق مفهوم الله عند "الكلاميين" في الغرب كما في الشرق ، عدى بعض الاستثناءات في الفلسفة العربية الإسلامية على سبيل المثال المعتزلة و الباطنية و بروز بعض النزعات المادية ، لذلك كانت نظرية الحرية عند الألمان ، فلسفة كلامية بصفة عامة إلا أنها فلسفه كلامية إنسانية تدور حول الإنسان و هذا ما انتبه إليه فيورباخ...! فيما أن الماركسية
و التي تعتبر الحرية ، وعي الضرورة ، تناولتها في سياقها الاجتماعي و التاريخي باعتبارها معركة تحرر مستمرة و فعل عقلاني قصدي في التاريخ و ليس خارجه و أن الإنسان المنخرط في مجتمع إجتماعي سياسي ليس معزولا عن سياقه العام و علاقته بالآخرين و هذا ما يجعله في انسجام مع طبيعته البشرية...!
* بالتالي ، خاصية الحرية كحق ، على الأقل نظرياً ، هي أنها تعلو و لا يعلى عليها و هي إلى حد كبير ترجمة للأمر الكانطي في أن يعامل الإنسان دائما كغاية و ليس كوسيلة...! و أن التحرر السياسي يتحتم أن يسير صوب التحرر الإنساني ، فالمساواة في السياسة لا تلغي أبدا ، واقع اللامساواة الاجتماعية مع التأكيد طبعاً على أهمية التحرر السياسي كما أن المطالبة بالحرية والعدالة و معايير المحاكمة العادلة طبقا للمعايير الدولية للخصوم السياسيين ، لا تحجب حق المساءلة و المحاسبة لكل من اجرم في حق الشعب و الوطن لما يكون في السلطة...!
* ليس مطلوبا من اليسار المناضل الناهض أن يختزل نفسه في المعجم الحقوقي على أهميته طبعاً و لا أن يتخلى عن هويته الفكرية أو عن راديكاليته ، إنما دوره الأساسي ، أن يكون محركا للتغيير الجذري المنشود شعبياً و الذي يطال علاقات الإنتاج الرأسمالية التبعية الريعية الرثة بمختلف مكوناتها و أن يحرص على تخطي الانتظارية و التشتت التنظيمي و الخواء الاستراتيجي و بالتالي بلورة رؤية استراتيجية وطنية ديموقراطية تحررية ناهضة عبر تشييد قطب وطني تحرري ديموقراطي شعبي ناهض على نفس المسافة من بقايا النظام القديم كما الاسلام السياسي كما الشعبوية المحافظة...!
* تبقى الحرية ضرورة وجودية و معركة تحرر مستمرة بأبعادها الوطنية الديموقراطية الشعبية و بتوفير شرطها الاجتماعي و يبقى النضال من أجلها و البحث في مفارقاتها أفضل وسيلة للاحتفاظ بها...!
عمران حاضري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق