تشكيل الحكومة الجديدة: من التفاوض حول المشاركة إلى التفاهم حول توزيع الحقائب * أحمد رباص
تشكيل الحكومة الجديدة: من التفاوض حول المشاركة إلى التفاهم حول توزيع الحقائب * أحمد رباص
تجاوزت المشاورات التي تباشرها السيدة فاطمة الزهراء المنصوري لأجل تشكيل الحكومة المغربية الجديدة مرحلة التفاوض حول من يشارك فيها ومن يبقى في المعارضة وتشتبك الآن مع التداول حول توزيع الحقائب الوزارية. كما تم التوافق على تشكيل الحكومه من 25 وزارة، ثماني وزارات منها آلت إلى حزب الجرار الذي كلف الملك منسقته بهذه المهمة السياسية.
آخر التقارير تفيد أنه تم توزيع الحقائب الوزارة بين أربعة أحزاب مرشحة لتشكيل الحكومة. وبحسب نفس التقرير، سوف يكون من نصيب حزب الجرار ثمانية حقائب وزارية بالإضافة إلى رئاسة الحكومة. وحاز حزب الميزان على ست حقائب من بينها ما يتعلق بقطاعات التجهيز والماء والنقل واللوجستيك، حسب مصادر صحفية موثوقة.
أما حزب الوردة، فقد فاز بثلاث حقائب في التصور المتداول في انتظار استكمال المساطر الحزبية الخاصة بالمشاركة، في حين سوف ينال حزب الكتاب هو الآخر ثلاث حقائب سوف تمنحه حضورا حكوميا إلى جانب حزبين اضخم منه من الناحية البرلمانية وتعغيه من أن يصير ناديا سياسيا صغيرا.
حسابيا، سوف تشغل هذه الحصص الأربعة 20 حقيبة، بينما التسريبات من قلب المشاورات تتحدث عن تشكيلة حكومية تتكون من 25 وزارة. إذن، أين ذهبت المقاعد الخمسة؟ وسرعان من تنقشع غشاوة هذا الغياب بمجرد علمنا أن هناك وزارات لا تطالها عملية التوزيع الحزبي.
لكن هناك تفصيل جديد بالغ الأهمية يفيد، حسب المصادر المعتمدة، بأن رئاسة مجلس المستشارين دخلت هي الأخرى حلبة التفاهمات والتفاوضات وسوف تؤول إلى حزب الجرار. وإذا صح هذا التكهن، فيمكن القول إن المنصوري استطاعت نزع نصيب الأسد لصالح حزبها الذي تصدر نتائج الانتخابات بقدرة قادر.
ومع ذلك، فحيازة رئاسة مجلس المستشارين ليست محسومة بحكم خضوعها للمساطر الدستورية والبرامانية، ولا يتم إسنادها بناء على تفاهم حزبي. فضلا عن ذلك، هناك توجه واضح إلى حكومة مصغرة نسبيا؛ الشيء الذي يعتبر بمثابة حبة كرز فوق الكعكعة التي تداعى عليها الأكلة اللئام.
لا يمكن الإتيان بحكومة مصغرة نسبيا إلا عن طريق دمج قطاعات حكومية في ما يشبه الأقطاب. وهكذا يمكن جمع قطاعات التعليم والصحه والتشغيل في وزارة واحدة بلبوس اجتماعي.
بعيدا عن التوقعات وفي انتظار الإعلان رسميا عن تشكيلة الحكومة الجديدة، تعين على اللجنة المكلفة بالمشاورات اختيار الأحزاب التي ستشكل الائتلاف الحكومي أولاً، تلي ذلك عملية توزيع الحقائب الوزارية، وتعيين أعضاء الحكومة بموجب ظهير (مرسوم) ملكي، ثم نيل الثقة أمام البرلمان.
يُعد حزب الاستقلال، بحصوله على 65 مقعداً، طرفاً وازناً في هذه المباحثات. وقد استقبلت فاطمة الزهراء المنصوري الأمينَ العام للحزب، نزار بركة، مساء السابع من أكتوبر، وذلك بعد حصوله على تفويض بالتفاوض من المجلس الوطني للحزب. ورغم عدم صدور أي بيان أو تصريح من جانبه - وفقاً لمجلة "جون أفريك" - إلا أن مشاركته في الحكومة تُعتبر أمراً مرجحاً للغاية في الأوساط الحزبية؛ إذ سبق للحزبين أن حكما معاً في الفترة ما بين 2021 و2026، ثم تنافسا في الانتخابات مع الحفاظ على علاقات ودية بينهما.
اما بالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي، فيشير عدد من أعضاء المكتب السياسي إلى إمكانية الانضمام إلى الأغلبية الحكومية. وسيعود القرار النهائي في هذا الشأن إلى المجلس الوطني للحزب، المقرر أن يجتمع في عطلة نهاية الأسبوع. يذكر أن الحزب قد تراجع في الانتخابات التشريعية، حيث انخفض رصيده من 35 إلى 26 مقعداً، وتراجع ترتيبه من المركز الرابع إلى السادس. ووفقاً لمعلومات مسربة من مصادر داخل الحزب ونقلها موقع "Le360"، يُقال إن رئيسة الحكومة عرضت على إدريس لشكر، الكاتب الأول للحزب، تولي وزارة العدل، بينما يُتوقع أن يتولى شاغل المنصب الحالي، عبد اللطيف وهبي، رئاسة مجلس النواب.
وفقاً لمجلة "جون أفريك" دائما، خرج حزب التقدم والاشتراكية أيضاً من هذه الانتخابات وهو في وضع أضعف، إذ حصل على 19 مقعداً برلمانياً مقابل 21 مقعداً في السابق. وتشير المجلة إلى أن الحزب بات دون عتبة العشرين نائباً اللازمة لتشكيل فريق برلماني. وفي 6 أكتوبر، فوّضت اللجنة المركزية للحزب المكتب السياسي بالإجماع مهمة قيادة المفاوضات، علماً بأن مشاركته في الحكومة ستتوقف على البرنامج الحكومي، وتركيبة الأغلبية، والمكانة التي ستُخصص للحزب.
غير أن المشاركة المحتملة لحزب الحمامة قد تقلب الموازين؛ فقد حددت شرفات أفيلال، كاتبة الدولة السابقة المكلفة بالماء وعضوة المكتب السياسي للحزب، "خطوطاً حمراء". وترى أفيلال أن حزبها لا يمكنه المشاركة في الحكم إلى جانب من تسببوا - على حد تعبيرها - في "القهر والإهانة" للمغاربة، في إشارة واضحة إلى الحزب الذي يتزعمه حاليا محمد الشوكي والذي كان يقود، برئاسة أخنوش، الأغلبية المنتهية ولايتها.
ومن جانبه، أكد الأمين العام للحزب الغاضب، أن التعاون مع حزب الحمامة أمر مستبعد.
استُقبل وفد "الحركة الشعبية"، ممثلاً في محمد أوزين، بعد ظهر يوم 6 أكتوبر. كما التقت رئيسة الحكومة بمحمد جودار، عن "الاتحاد الدستوري" (17 مقعداً)، مرفوقاً بعبد الصمد عرشان، عن "الحركة الديمقراطية الاجتماعية" (8 مقاعد). وبحصوله على 29 مقعداً - أي بزيادة مقعد واحد مقارنة بعام 2021 - يُعد حزب الحركة الشعبية من بين التشكيلات السياسية التي حققت تقدماً؛ غير أنه قد يبقى خارج التحالف الحكومي إذا كان تحالف "الكتلة" كافياً لضمان الأغلبية.
تراجع حزب الحمامة - حزب عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها - من 102 مقعد إلى 66 مقعداً. ويُذكر أن الحزب، الذي تأسس عام 1978، لم يغادر السلطة إلا في الفترة ما بين 2012 و2013. وتتواجه داخله حالياً رؤيتان مختلفتان: البقاء ضمن الأغلبية الحكومية في حال قبول حزب الجرار بذلك، أو إعادة بناء الحزب من موقع المعارضة. ورسمياً، لم يطالب الأخير لا بالبقاء في الحكومة ولا بالانتقال إلى المعارضة، إذ فوّض مجلسه الوطني لرئيسه، محمد شوكي، مهمة تقييم الوضع. وفي المقابل، كان العديد من أعضاء المجلس الوطني لحزب الجرار قد أعلنوا رفضهم لوجود الحمامة في الحكومة المقبلة، وهو ما ردت عليه فاطمة الزهراء المنصوري بالقول: "لقد تلقيت الرسالة بوضوح".
ووفقاً لصحيفة "الأحداث المغربية"، من المتوقع الإعلان رسمياً عن الأغلبية الجديدة مطلع الأسبوع المقبل، عقب افتتاح البرلمان. وسيتم حينها تشكيل لجنتين: الأولى لصياغة البرنامج الحكومي، والثانية لتحديد عدد الوزارات وهيكلتها. وتعتزم رئيسة الحكومة تقليص عدد الحقائب الوزارية ودمجها في أقطاب كبرى، كما أعلنت عن رغبتها في تشكيل فريق حكومي يضم عدداً أكبر من النساء مقارنة بالحكومات السابقة.
وفي المقابل، يُتوقع أن تكون المعارضة "قوية"، حيث حذرت من أن المواجهة داخل مجلس النواب ستكون حادة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق