الحلقة الثالثة من أربع حلقات عندما يصبح السؤال أكثر إزعاجاً من الجواب
الحلقة الثالثة من أربع حلقات
عندما يصبح السؤال أكثر إزعاجاً من الجواب
من سلسلة: حين تتحول معالجة الأزمة إلى مشروع لتصفية الاختلاف
في الحلقتين السابقتين، توقفنا عند بعض مظاهر الأزمة السياسية والتنظيمية، وعند ذلك الخلط الذي قد يحوّل المركزية الديمقراطية إلى مركزية للقرار، والانضباط الواعي إلى طاعة، والاختلاف السياسي إلى مصدر إزعاج.
واليوم نقترب من مفارقة أخرى لا تقل دلالة: حين يصبح صاحب السؤال موضع مساءلة، بينما يظل مضمون السؤال خارج النقاش.
من المفترض أن يكون النقد والنقد الذاتي، في التنظيم الماركسي، ممارسة سياسية وفكرية دائمة، لا مجرد شعار يُرفع في الوثائق والمؤتمرات.
لكن ماذا يحدث عندما يصبح النقد مقبولاً ما دام موجهاً إلى الخارج، ثم يتحول إلى إخلال بالانضباط حين يقترب من مواقع المسؤولية؟
وماذا يحدث عندما تُستحضر المساطر التنظيمية لمساءلة المناضلين عن آرائهم، بينما تظل الأسئلة المتعلقة بحصيلة القيادة واختياراتها دون أجوبة مقنعة؟
هنا لا يعود الأمر مجرد خلاف في التقدير، بل يصبح سؤالاً حول طبيعة العلاقات الداخلية، وحدود الديمقراطية، وموقع المناضل في إنتاج القرار السياسي.
وثمة جانب آخر يستحق التأمل.
فالنضال الفكري لا ينفصل عن الأمانة العلمية والسياسية. ومن حق المناضلين أن يطرحوا أسئلة حول الإنتاج النظري، وحدود الاقتباس، ونسبة الأفكار والكتابات إلى أصحابها.
وإذا أُثيرت شبهات بشأن هذه الممارسات، فإن الرد المسؤول لا يكون بملاحقة أصحاب الأسئلة أو التشكيك في دوافعهم، بل بتقديم النصوص والمراجع والتوضيحات التي تسمح بنقاش موضوعي.
فالفكر لا يكتسب قيمته من اسم من يوقّع عليه، وإنما من أصالته وقدرته على تفسير الواقع والمساهمة في تغييره.
ولعل المفارقة الساخرة أن بعض من يكثرون الحديث عن الصرامة النظرية قد يجدون صعوبة في تقبّل أبسط مقتضياتها: حق الآخرين في مساءلة الأفكار ومناقشة مصادرها.
فهل أصبحت الماركسية عند البعض منهجاً لنقد كل شيء، باستثناء ما يصدر عنهم؟
وهل تحول النقد والنقد الذاتي إلى عملية ذات اتجاه واحد، تبدأ من القيادة وتنتهي عند القواعد، دون أن تسلك الطريق المعاكس؟
إن التاريخ النضالي لا يمنح أحداً احتكار الحقيقة، كما أن المسؤولية التنظيمية لا تجعل صاحبها فوق النقد.
فالمناضل لا يفقد حقه في التفكير بمجرد انتمائه إلى تنظيم، والقيادي لا يكتسب العصمة بمجرد وصوله إلى موقع المسؤولية.
إن المركزية الديمقراطية، في معناها السياسي، تفترض نقاشاً حراً ومسؤولاً، ومحاسبة متبادلة، ووحدة واعية في تنفيذ القرارات المتخذة بصورة ديمقراطية.
أما عندما تصبح المساءلة انتقائية، فإنها تفقد مضمونها التربوي والسياسي، وقد تتحول إلى وسيلة لضبط الاختلاف بدل معالجته.
وهنا تبرز مفارقة تستحق أن نتوقف عندها:
كيف نطالب الجماهير الشعبية برفض الاستبداد والوصاية، إذا لم نكن قادرين على رفض مظاهرهما داخل ممارساتنا التنظيمية؟
وكيف نتحدث عن بناء حزب مستقل للطبقة العاملة، إذا لم يكن المناضل قادراً على طرح سؤال نقدي دون أن يخشى أن يتحول هو نفسه إلى موضوع للمساءلة؟
لسنا ضد الانضباط التنظيمي، ولا ضد المحاسبة، ولا ضد تحمل المسؤولية.
لكننا نرفض، من حيث المبدأ، أن يصبح الانضباط بديلاً عن الاقتناع، وأن تتحول المحاسبة إلى إجراء انتقائي، وأن تُستعمل الشرعية التنظيمية لإغلاق النقاش السياسي.
فليس أخطر على التنظيم من السؤال المحرج، بل من الاعتقاد بأن إسكات صاحبه يعفي من ضرورة الإجابة عنه.
ولعل بعض الأسئلة التي يجري تجنبها اليوم ستعود غداً بصورة أكثر إلحاحاً، لأن الأزمات السياسية لا تختفي بتأجيل النقاش حولها.
إنها تتراكم، وتعيد إنتاج نفسها، إلى أن يصبح الاعتراف بها شرطاً ضرورياً لأي تصحيح حقيقي.
فالماركسية التي لا تحتمل النقد تتحول إلى عقيدة جامدة، والمركزية التي تخشى الديمقراطية تتحول إلى وصاية، والقيادة التي تضيق بالأسئلة تخاطر بأن تفقد قدرتها على الإقناع.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل نريد تنظيماً يُحاسَب فيه المناضلون على جرأتهم في طرح الأسئلة، أم تنظيماً تُقاس فيه مسؤولية القيادة بقدرتها على تقديم الأجوبة؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق