"مرض الملح"الرفيق تاشقين الاندلسي
كان ميشيل شاب فرنسي لا أستطيع تقييم سنه آنذاك لأنني بالكاد كنت ابلغ من العمر 10 سنوات .
هذا الفرنسي كان طبيبا في الحسيمة ، ينقسم عمله بين مستشفى محمد الخامس الذي كنا نسميه سبيطار مينيتار و بين المستوصفات المنتشرة عبر الاقليم . تكون زيارته متزامنة دائما مع انعقاد السوق الأسبوعي مكان المستوصف القروي . لن أنسى هذا الطبيب ما بقي في قبس من الروح .
كانت أيام خريفية من شهر ستنبر تتزامن مع الدخول المدرسي في بادية نائية تنتشر بيوت ذلك المكان بين الاودية و التلال . احسست بصعوبة التبول مصحوبا بألم حاد ، سيتضاعف الألم و ينقص صبيب البول يوما بعد يوم و هكذا اصبحت رغبة التبول عذاب من دون هوادة لكن بلا جدوى . كل هذا من دون علم أبواي حيث لا استطيع البوح بهكذا ألم أصاب ما لا يمكن التصريح به في بيئة اسبارطية . طالت المأساة لخمسة أيام و انا أفيق صباحا لتتبع قطيع مختلط بين الماعز و الغنم على ارض قاحلة في ذلك الوقت من السنة ما يجعل هذه الحيوانات لا تطاق و هي تجري في كل الاتجاهات للحصول على ما يشبع جوعها مما يضاعف ألمي . مرة و أنا أحاول التبول فلم استطع فقفزت على منحدر بطريقة جنبازية منقلبا عدة مرات ، آنذاك قررت إخبار أمي مهما كلف الأمر ، كان ذلك اليوم يصادف السبت فانتبهت أمي الى حالي فعرفت لتوها أن الأمر خطير من دون ان يظهر على محياها ما يثير خوفي . أخبرت والدي لكنه لم يتحدث معي ذلك المساء ولا مع اخوتي ، يظهر أنه مهموم .
صباح الغد سرج البغل الأسود الهائل و اركبني وراءه و اتجهنا الى سوق أحد الرواضي الذي نرتاده كل اسبوع لقضاء اغرضنا فهو السوق الأقرب الينا و لو أننا لا ننتمي لنفس الجماعة ، كان صامتا كل المسافة ، لما وصلنا قام بربط البغل و دلفنا الى مستوصف القرية وجدنا هناك ممرض يسدل شعره كذنب الحصان وراء ظهره ، هذا الممرض من نفس البلدة ، مدني على سرير أمام أعين الوالد فاقترب ذلك الرجل الأشقر الذي يظهر منذ اللحظة الاولى أنه "نصراني" إنه ميشيل الفرنسي ، ربت على كتفي برفق و ابتسم ابتسامة احسست بعدها بطمأنينة ، ثم ضغط بقوة على ساقي بابهامه فلاحظ حفرة غارقة مكان ضعطه ، نظر الى الممرض و قال له كلاما لم أفهمه و كتب على ورقة و ناولها لابي عبر الممرض الذي طلب منا التوجه حالا الى مستشفى الحسيمة الشيء الذي لم يكن في الحسبان.
مستشفى محمد الخامس كان عالما غريبا بالنسبة لي : هناك مرحاض و اسرة بيضاء و أطفال مختلطين بين الاناث و الذكور و كذلك بعض حديثي العهد بالولادة و الأهم من ذلك كله سأجد هناك تلفاز و الذي سأكتشفه لأول مرة في حياتي . مع دخولي أمرتني تلك المرأة الطيبة ذات الأسنان الذهبية أن انزع ثيابي و البس ثياب المستسشفى فكان الحرج الاول ، كانت تسمى زليخة ، أضن انها كانت مكلفة بالتنظيف ، في ذلك اليوم ستمدني بعلبة ياغورت و كان اكتشافا هائلا أيضا ، دأبت "ماما " زليخة بمدي كل يوم بعلبة ياغورت و الذي تشتريه من دريهماتها ، كانت تفعل ذلك معي دون الآخرين و كانت توصيني كي اراقب الأطفال كي لا يعبثوا مع بعضهم البعض خصوصا بين الاناث و الذكور ذلك لانها لاحظت صرامتي الفطرية ضد اي اعتداء مهما كان مصدره ، عكس الممرضات اللواتي لم تكن تثقن بي بتكليفي بإطعام الرضع بالرضاعة لانهن كم مرة ضبطنني ازيدهم من الحليب أكثر مما أمرنني به ، كان ذلك يتم مع استجداء الصغار لازيدهم بعد ان تكون العلامة المرسومة على الرضاعة قد تجوزت.
كان هناك في المستشفى بعض اخوات الاحسان (هيرمانات) و أضن أن بعضهن لازلن هناك الى يومنا هذا يقمن بعملهن من دون تعب او ملل كن في ذلك الوقت (1979)شابات في مقتبل العمر نناديهن في اي وقت وحين كلما حصل مكروه لطفل أو رضيع .
في اليوم الاول بعد ان مدتني زوليخة بثياب المستشفى و بعد ان لبستها بخجل حضر ممرض و بيده ورقة ثم ناولني كاس ماء و أمرني أن اشرب كابسولة دواء و بعد نصف ساعة حضر بكأس و أمرني أن اتبول فيه ، احسست فعلا أن لي رغبة في التبول لكن ليس كما كان الامر فيما سبق على طول خمسة أيام .ذهبت الى المرحاض لكن الممرض اصر ان افعل ذلك امامه لكن اصراري ان اكون وحيدا تغلب على اصراره ، فإذا بي اخرج بكأس مليء بسائل أسود فاحم . تعجب الممرض لكنه لم يثق بان الامر يتعلق بالبول لكن مع عدم اي امكانية لاستبدل بولي بشيء آخر جعله يذعن و يأخذ الكأس الى حيث لا أدري . لم أعرف كيف حصل ذلك و ما مصدر السواد الفاحم إلا بعد أن أصبحت متخصصا في المجال بعد 20 سنة . كان بولا أسودا مذرارا بعد ان اختلط بدماء نزف من الكلي و تراكم في المتانة لمدة خمسة أيام بعد تعفن ميكروبي صعد عبر المسالك الى ان بلغ الكلي ، كان ذلك بفضل تناولي لتلك الكابسولة المبولة . شعرت بارتياح و كأنني خلقت لتوي الى هذا العالم ، في الغد سيحضر ميشيل و يبحث عني مناديا بصوت مرتفع قبل أن يراني : أبدالخاي أبدالخاي فدله الممرض عن مكاني فعانقني بحرارة لم اعرف الى يومنا هذا لماذا كان كل ذلك الحنان من جانبه ، أهو فقري وصرامتي الذان يظهرانني كهلا في سن العاشرة ؟.
في تلك الليلة سيتوفى طفل كان نزيلا الى جانبي ، كان في سني تماما ينحدر من قبيلة بني مزدوي بمحاذاة تركيست ، مات في غياب و الديه . شعرت بحزن عميق و انا اتخيل نفسي مكانه و ابواي مكان ابويه .كانت مأساة حقيقية بالنسبة إلي .
كنت انتظر بفارغ الصبر الساعة الخامسة بعد العصر لكي تتاح لنا فسحة التفرج على طارزان ، في انتظار ذلك كنت اتسمر الى جانب النافذة أنظر الى البحر ومراكب الصيد خارج واحد تلو الآخر من الميناء فأشبهها بقطيعي و هو خارج من الحضيرة . كنت لا استسيغ لما تمدني زليخة بعلبة الياغورت امام الاطفال رغم أنني كنت أحبها .
كنت أكره طعام المستشفى ، اتساءل دوما لماذا هو ليس لذيذا كطعام أمي ، كان رئس المطبخ يوصيني أن أعود إن أنا جعت ، كنت أفعل ذلك في بعض الأحيان خفية من الاطفال فكان الخبز مالحا الى درجة لا تطاق ، لم أفهم لماذا طعم الخبز المسروق شديد الملوحة في حين ان ذلك المقدم الي اثناء الاكل بمعية الأطفال يكون من دون ملح . لم أعرف السبب إلا بعد ان خرجت من المستشفى .
بعد خروجي و بعد ان وصلت الى البلدة وعند اقترابي من منزلنا لاقتني أمي وعانقتني بشكل لم أعهده من قبل ثم صارحتني بانها لم تكن تعتقد أنني سأعود الى الحياة وأن أختها سبق و أن توفيت بنفس المرض الذي أصبت به و هو "مرض الملح" هكذا تسميه ، آنذاك عرفت لماذا ذلك الشعور الحزين الذي لمحته في عيناي أبواي لما صارحت أمي بمصابي ذلك السبت مساء ثم بعد ذلك عرفت لماذا طعم الأكل في المستشفى لم يكن لذيذا لان ذلك استمر و أنا في حضن عائلتي.
هذا الفرنسي كان طبيبا في الحسيمة ، ينقسم عمله بين مستشفى محمد الخامس الذي كنا نسميه سبيطار مينيتار و بين المستوصفات المنتشرة عبر الاقليم . تكون زيارته متزامنة دائما مع انعقاد السوق الأسبوعي مكان المستوصف القروي . لن أنسى هذا الطبيب ما بقي في قبس من الروح .
كانت أيام خريفية من شهر ستنبر تتزامن مع الدخول المدرسي في بادية نائية تنتشر بيوت ذلك المكان بين الاودية و التلال . احسست بصعوبة التبول مصحوبا بألم حاد ، سيتضاعف الألم و ينقص صبيب البول يوما بعد يوم و هكذا اصبحت رغبة التبول عذاب من دون هوادة لكن بلا جدوى . كل هذا من دون علم أبواي حيث لا استطيع البوح بهكذا ألم أصاب ما لا يمكن التصريح به في بيئة اسبارطية . طالت المأساة لخمسة أيام و انا أفيق صباحا لتتبع قطيع مختلط بين الماعز و الغنم على ارض قاحلة في ذلك الوقت من السنة ما يجعل هذه الحيوانات لا تطاق و هي تجري في كل الاتجاهات للحصول على ما يشبع جوعها مما يضاعف ألمي . مرة و أنا أحاول التبول فلم استطع فقفزت على منحدر بطريقة جنبازية منقلبا عدة مرات ، آنذاك قررت إخبار أمي مهما كلف الأمر ، كان ذلك اليوم يصادف السبت فانتبهت أمي الى حالي فعرفت لتوها أن الأمر خطير من دون ان يظهر على محياها ما يثير خوفي . أخبرت والدي لكنه لم يتحدث معي ذلك المساء ولا مع اخوتي ، يظهر أنه مهموم .
صباح الغد سرج البغل الأسود الهائل و اركبني وراءه و اتجهنا الى سوق أحد الرواضي الذي نرتاده كل اسبوع لقضاء اغرضنا فهو السوق الأقرب الينا و لو أننا لا ننتمي لنفس الجماعة ، كان صامتا كل المسافة ، لما وصلنا قام بربط البغل و دلفنا الى مستوصف القرية وجدنا هناك ممرض يسدل شعره كذنب الحصان وراء ظهره ، هذا الممرض من نفس البلدة ، مدني على سرير أمام أعين الوالد فاقترب ذلك الرجل الأشقر الذي يظهر منذ اللحظة الاولى أنه "نصراني" إنه ميشيل الفرنسي ، ربت على كتفي برفق و ابتسم ابتسامة احسست بعدها بطمأنينة ، ثم ضغط بقوة على ساقي بابهامه فلاحظ حفرة غارقة مكان ضعطه ، نظر الى الممرض و قال له كلاما لم أفهمه و كتب على ورقة و ناولها لابي عبر الممرض الذي طلب منا التوجه حالا الى مستشفى الحسيمة الشيء الذي لم يكن في الحسبان.
مستشفى محمد الخامس كان عالما غريبا بالنسبة لي : هناك مرحاض و اسرة بيضاء و أطفال مختلطين بين الاناث و الذكور و كذلك بعض حديثي العهد بالولادة و الأهم من ذلك كله سأجد هناك تلفاز و الذي سأكتشفه لأول مرة في حياتي . مع دخولي أمرتني تلك المرأة الطيبة ذات الأسنان الذهبية أن انزع ثيابي و البس ثياب المستسشفى فكان الحرج الاول ، كانت تسمى زليخة ، أضن انها كانت مكلفة بالتنظيف ، في ذلك اليوم ستمدني بعلبة ياغورت و كان اكتشافا هائلا أيضا ، دأبت "ماما " زليخة بمدي كل يوم بعلبة ياغورت و الذي تشتريه من دريهماتها ، كانت تفعل ذلك معي دون الآخرين و كانت توصيني كي اراقب الأطفال كي لا يعبثوا مع بعضهم البعض خصوصا بين الاناث و الذكور ذلك لانها لاحظت صرامتي الفطرية ضد اي اعتداء مهما كان مصدره ، عكس الممرضات اللواتي لم تكن تثقن بي بتكليفي بإطعام الرضع بالرضاعة لانهن كم مرة ضبطنني ازيدهم من الحليب أكثر مما أمرنني به ، كان ذلك يتم مع استجداء الصغار لازيدهم بعد ان تكون العلامة المرسومة على الرضاعة قد تجوزت.
كان هناك في المستشفى بعض اخوات الاحسان (هيرمانات) و أضن أن بعضهن لازلن هناك الى يومنا هذا يقمن بعملهن من دون تعب او ملل كن في ذلك الوقت (1979)شابات في مقتبل العمر نناديهن في اي وقت وحين كلما حصل مكروه لطفل أو رضيع .
في اليوم الاول بعد ان مدتني زوليخة بثياب المستشفى و بعد ان لبستها بخجل حضر ممرض و بيده ورقة ثم ناولني كاس ماء و أمرني أن اشرب كابسولة دواء و بعد نصف ساعة حضر بكأس و أمرني أن اتبول فيه ، احسست فعلا أن لي رغبة في التبول لكن ليس كما كان الامر فيما سبق على طول خمسة أيام .ذهبت الى المرحاض لكن الممرض اصر ان افعل ذلك امامه لكن اصراري ان اكون وحيدا تغلب على اصراره ، فإذا بي اخرج بكأس مليء بسائل أسود فاحم . تعجب الممرض لكنه لم يثق بان الامر يتعلق بالبول لكن مع عدم اي امكانية لاستبدل بولي بشيء آخر جعله يذعن و يأخذ الكأس الى حيث لا أدري . لم أعرف كيف حصل ذلك و ما مصدر السواد الفاحم إلا بعد أن أصبحت متخصصا في المجال بعد 20 سنة . كان بولا أسودا مذرارا بعد ان اختلط بدماء نزف من الكلي و تراكم في المتانة لمدة خمسة أيام بعد تعفن ميكروبي صعد عبر المسالك الى ان بلغ الكلي ، كان ذلك بفضل تناولي لتلك الكابسولة المبولة . شعرت بارتياح و كأنني خلقت لتوي الى هذا العالم ، في الغد سيحضر ميشيل و يبحث عني مناديا بصوت مرتفع قبل أن يراني : أبدالخاي أبدالخاي فدله الممرض عن مكاني فعانقني بحرارة لم اعرف الى يومنا هذا لماذا كان كل ذلك الحنان من جانبه ، أهو فقري وصرامتي الذان يظهرانني كهلا في سن العاشرة ؟.
في تلك الليلة سيتوفى طفل كان نزيلا الى جانبي ، كان في سني تماما ينحدر من قبيلة بني مزدوي بمحاذاة تركيست ، مات في غياب و الديه . شعرت بحزن عميق و انا اتخيل نفسي مكانه و ابواي مكان ابويه .كانت مأساة حقيقية بالنسبة إلي .
كنت انتظر بفارغ الصبر الساعة الخامسة بعد العصر لكي تتاح لنا فسحة التفرج على طارزان ، في انتظار ذلك كنت اتسمر الى جانب النافذة أنظر الى البحر ومراكب الصيد خارج واحد تلو الآخر من الميناء فأشبهها بقطيعي و هو خارج من الحضيرة . كنت لا استسيغ لما تمدني زليخة بعلبة الياغورت امام الاطفال رغم أنني كنت أحبها .
كنت أكره طعام المستشفى ، اتساءل دوما لماذا هو ليس لذيذا كطعام أمي ، كان رئس المطبخ يوصيني أن أعود إن أنا جعت ، كنت أفعل ذلك في بعض الأحيان خفية من الاطفال فكان الخبز مالحا الى درجة لا تطاق ، لم أفهم لماذا طعم الخبز المسروق شديد الملوحة في حين ان ذلك المقدم الي اثناء الاكل بمعية الأطفال يكون من دون ملح . لم أعرف السبب إلا بعد ان خرجت من المستشفى .
بعد خروجي و بعد ان وصلت الى البلدة وعند اقترابي من منزلنا لاقتني أمي وعانقتني بشكل لم أعهده من قبل ثم صارحتني بانها لم تكن تعتقد أنني سأعود الى الحياة وأن أختها سبق و أن توفيت بنفس المرض الذي أصبت به و هو "مرض الملح" هكذا تسميه ، آنذاك عرفت لماذا ذلك الشعور الحزين الذي لمحته في عيناي أبواي لما صارحت أمي بمصابي ذلك السبت مساء ثم بعد ذلك عرفت لماذا طعم الأكل في المستشفى لم يكن لذيذا لان ذلك استمر و أنا في حضن عائلتي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق