عبد الغني القباج يؤرخ للحظة خروج مجموعة من معتقلي اليسار
الصورة تؤرخ لخروج مجموعة من المعتقلين السياسيين يوم 16 غشت 1991 .. الصورة في بيت المحامي حسن السملالي (معتقل سياسي سابق) مباشرة بعد إطلاق السراح..
/بعض من في الصورة
/بعض من في الصورة
-عبدالرحمان نودة-محمد كنوش-محمد لخصاص-عمر الفحلي-الحبيب بنمالك-عبد الاله بنعبد السلام-عبد الفتاح بوخورو-حسن العلمي-محمد سريدي-محمد سريفي-ادريس بنزكري-
علي الادريسي القيطوني-*
ليست هذه الصورة استرجاعا للحظة ولرفاق فيها، حنينا للماضي.. لأن تاريخ الصراع السياسي الطبقي الذي أنتج هذه اللحظة لا زال يكتبه مختطفو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وأسرهم ومعتقلون سياسيون ريفيون و صحفيون وغيرهم، يكتبونه في السجون التي خرجنا منها.
*
أسترجع هذه اللحظة بخروجنا من السجن المركزي بالقنيطرة.. إلى وطن ظل يسكننا.. لم أشعر بالفرح.. تملكني إحساس بالعبث.. إحساس كإحساس "ميرسولت" في "غريب" ألبير كامي.. كان هذا الخروج من السجن بإحساس الألم.. أرى بحياد ابتسامات الرفاق و أفراد أسرهم ومناضلين استقبلونا بابتسامات بريئة متضامنة فرحة.. كأنني لا أراها.. كان تؤلمني هذه "الحرية" الممزوجة بالغربة، غربة الخروج من سجن وطن لا زال وطنا يملكه الملوك.. كنت كمن يسوقه حشد في شارع، يحمل في جسده زنزانته لا يراها الحشد. لم أحس ببداية حياة جديدة تعرض إغرائها. كنت عائدا إلى عالم ظل يجتر أيامه الرتيبة.. داخلي ينغـل تناقض ومواجهة بين لا معقول و وعي يبحث عن الوضوح في وطن وعالم يتعايش مع التباس وتشظي ومكر الحياة. داخلي مواجهة بين لا معقول و وعي يبحث عن الوضوح في وطن وعالم يتعايش مع التباس ومكر الحياة. فصام فكري مع واقع يبتر الطريق و يهدم الجسور التي يبنيها وضوح الوعي. مظهر تمرد الانسان على نفسه و على حياة توهم الانسان بأنه حر و يؤدي محصلات حريته. كنت أرى أن حياتي كإنسان تتنفس سياسة تُـنَاقـِض ما هو سائد. السياسة كبحر يعلمك كيف تتنفس إنسانيتك في واقع مجتمع لا يريد وعي ذاته.. في واقع تنظيمات سياسية لا يُرْهِـبُها واقع صفوتها تنحني للبيعة ولتاريخ مفروض.
لم يشعر الرفاق بحرارة الصيف.. و لا أدري كم كانت مؤثرة فيهم حرارة استقبال الأسر أو حرارة عناق رفاق ورفيقات جاءوا لتخليد لحظة انتقالنا من سجن القنيطرة القابع بهيكله قرب رائحة نهر سبو إلى وطن لم يتوقف نزيف وطنيته وحريته و لم يتوقف بناء السجون.. ليزورها اليوم الزفزافي و الأبلق و جلول واحمجيق وأكثر من 300 معتقل..
أيقظت لحظة صورة القنيطرة ماضيها. ماضي احتلالات. فينيقيون. برتغاليون. إسبانييون. فرنسيون. الفرنسيون. وقمع القبائل الأمازيغيّة المتمرّدة ضد سلطة السلطان عبدالحفيظ الموقع على استعمار المغرب سنة 1912 و تولاها الجنرال ليوطي ليصنع منها ميناء يستقبل الأسلحة الفرنسة للسيطرة على المغرب. وبنى فيها الاستعمار أكبر سجن في البلاد ليحمي الفرنسيين من مقاومة المغاربة وأحياء اسم المغاربة. وجاء سنة 1942 الأمريكان ليحتلوا مطارها الذي أصبح قاعدة جويّة كبرى وزير الدفاع الأمريكي جونسون.
و المركزي.. هكذا تناديه عائلات المعتقلين السياسيين في مغرب الاستقلال و "مدينة الأميركان". تذكرنا بهم أغنية الراحل الحسين السلاوي. حيث كانت توجد بها أكبر قاعدة اميركية ظلت هناك حتى منتصف السبعينات. الاميركيون مروا من هنا وتركوا ذكريات كثيرة وتلك حكاية أخرى.
نهر سبو يتذكر كل ذلك.. لذلك حولوه إلى مطرح القمامة والأوساخ.
*
الرباط..
لا أعرف كيف وصلت بنا السيارة من القنيطرة إلى الرباط، كما لو كنت تحت تأثير مخدر.. أبحث عن فرحة خروجي من السجن لم أجدها كأني أنتقل من صقيع القطب الشمالي إلى صهد الصحراء. لا أريد أن أفهم ماذا يجري. موقف. أن نخرج من معتقل سري ومن سجون الوطن إلى حياة لا زال فيها الاستبداد و لا زالت سجون السياسيين مفتوحة و لا زال اغتيال السياسة متواصلا. ماذا يهم أن أعرف ما يجري. الأحداث واضحة. كانت لدي رغبة قوية أن أمشي وحيدا فوق رمل مبلل بموج ينكسر و أن أسمع صوت البحر صافيا. صورة البحر هي التي ظلت تحتل ذاكرتي منذ أن نقلونا من سجن لعلو بالرباط إلى السجن المركزي بالقنيظرة. كنا في زنزانة كبيرة بها نافذة معتقلة بقضبان حديدية منذ مرحلة الاستعمار. لم يحررها استقلال 56. كلما ضاقت بنا الزنزانة نلجأ إلى النافذة. و غالبا ننساها لأنها تعمق التناقض بين حرية البحر و قيود الزنزانات.
ترجلنا في الشارع ودخلنا لكزا طريق منزل اللا رابعة أم الرفيق بنعبـد السلام.
الباعة في جانب الطريق يضعون بضاعتهم. نسيت أقدامنا كيف تمشي في أزقة حي بوقرون. كثرة الناس في الأزقة اصبحت تضجرنا. نمشي في الشارع بين حشود الناس لا أحد يعرف أننا اعتقلنا لسنوات وأننا عائدون إلى الحياة. حسن العلمي فقد جسمه توازنه الفيزيائي. نسنده في مشيته. يخبط خطواته. رجلاه لم تعودا قادرتين على حمل جسمه. خرب إضراب عن الطعام لمدة شهور بسبب تعنت النظام السياسي جهازه العصبي. و تحجر الدمع و الألم في أعيننا كلما بحثنا عن عبدالحق شباضة ولم نجده. استشهد في الإضراب عن الطعام. عاد مستشهدا وحشود الناس لا تعرف.
منزل اللا ربيعة لازال كما تركناه منذ سنين.
أول ليلة خارج الأسر. لم أشعر بالحرية.
فكرت في رفاقي الذين لازالوا في السجن المركزي. عبد الله الحريف. ابراهام السرفاتي. أحمد بناصر. أحمد راكز. ورفاق مجموعة 26 من منظمة "إلى الأمام".
مراكش
صباح 17 غشت 1991...
القطار يسير بنفس السرعة كما عهدته منذ سنين.. كما هي سرعة النظام السياسي و المجتمع.. في نظام المخزن و التبعية المغرب يسير، سياسيا و اجتماعيا، بنفس البطء.. "اللي بغا يربح العام طويل ".. و القطار يسير و في القطار نساء الحجاب تكاثرن.. المجتمع اللي تحت يراوح أو يتقهقر .. فكرت.. كلاسنوست غورباتشوف.. ليش فاليسا.. انهيار الاتحاد السفياتي .. بوريس ييلتسين الليبرالي المزيف بسنطيحته تعبر عن مكبوتاته.. تذكرت أحد رفاق علي يعتة انتمى إلى "إلى الأمام" .. ندم لما اعتقل و عاد إلى حزب على يعتة.. جاء من السجن المركزي زارنا يوما في سجن لعلو فرحا بانهيار اشتراكية نيكيتا خروتشوف .. منتصرا لليبرالية ييلتسين.. صمتي وروتينية دقات سكة القطار والمسافرين .. الهروب إلى الذاكرة أفضل.. اعتقلنا في عهد الاتحاد السوفياتي.. و خرجنا من السجن في عهد بوريس ييلتسين.. اختطفنا في عهد الحسن الثاني.. و غادرنا السجن تحت حكم الحسن الثاني..


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق