العفو الملكي الذي شمل عشرات من معتقلي حراك الريف يكتنفه التباس؟/ابو علي
نشر الرفيق ابوعلي قراءة للعفو الذي شمل معتقلي الريف نشرته الزميلة حوار الريف وفي مايلي اعادة لنشره لما طرحه من تساؤلات قانونية في الموضوع
أصدر الملك بمناسبة عيد الأضحى عفوا في حق عشرات من معتقلي حراك الريف ضمن مجموعة من المعتقلين بلغ عددهم الإجمالي 889 معتقل، وقبل الخوض في بعض تفاصيل الموضوع لابد في البداية من التعبير عن الامتنان والفرحة، ولو أنها منقوصة، التي عمت أرجاء الريف ولا سيما وسط عائلات المعتقلين التي رحبت بهذا القرار المفاجئ، والذي جاء محصلة الضغط الذي مارسته مختلف القوى الديمقراطية والحقوقية داخليا وخارجيا.
ودون الاطالة كثيرا في هذه المقدمة، نريد تسجيل ملاحظة تبدو لي وجيهة، حول مغزى وطبيعة العفو الذي أصدره الملك مؤخرا بمناسبة عيد الأضحى 2018 ، فمن خلال بلاغ وزارة العدل يتضح أن الاجراء يندرج ضمن العفو الخاص وليس العفو الشامل بالنظر للشرح الذي قدمته الوزارة المعنية للمجموعات التي شملها العفو ، فالأمر يتعلق بتخفيض العقوبة وتحويل السجن المؤبد إلى المحدد وإلغاء الغرامة وما إلى ذلك.. إلى حدود الأن المسألة لا تطرح أي إشكال، يبدأ الإشكال بعد تفحص العفو المذكور الذي يطرح بعض التساؤلات حول شموله لمعتقلين لم يستكملوا مراتب التقاضي ولم يصدر في حقهم حكم نهائي، فإما أن هؤلاء المعتقلين شملهم عفو شامل لكونه الإجراء القانوني الذي يضع حدا للتهمة والمتابعة وكأنها لم تكن أو كما يقول رجال القانون يَجُبّ ما قبله ويضع حدا للمسطرة القضائية، وهو حق مكفول للملك يمكن أن يتخذه في جميع مراحل المتابعة والتقاضي.
لكن والحالة هاته ، ينطرح السؤال من جديد، هل فعلا العفو الذي صدر مثلا في حق 11 معتقلا كانوا ضمن مجموعة عكاشة وهم في المرحلة الابتدائية الجنائية هو عفو شامل، وإذا كان الأمر كذلك ، ونحن نستبعد هذا الاحتمال، فإن الملك يكون قد مارس حقا دستوريا لا يجادله فيه أحد أو أية مؤسسة دستورية، لكن إذا لم يكن العفو الذي شمل هؤلاء المعتقلين شاملا ففي هذه الحالة يكون الملك قد وجه ضربة قاضية للسلطة القضائية وخصوصا مؤسسة النيابة العامة التي يفترض فيها أن تكون نائبة عن المجتمع في الدفاع عن حقوقه، بل الأمر سيأخذ مجرى أكثر خطورة حول صلاحية الملك الدستورية في إنهاء مسطرة التقاضي بالعفو الخاص بدل العفو العام.
وبالنظر للسياق السياسي الذي اتخذ فيه هذا الإجراء المفاجئ ، لكونه كان متوقعا خلال عيد العرش باعتباره مناسبة سياسية وليست دينية ، فإن الأمر يخفي نوعا من الارتباك في صفوف مهندسي الدولة في تدبيرهم لتداعيات حراك الريف، ولعل وجود التباس في طبيعة العفو نفسه يبين درجة هذا الارتباك التي تسعى الدولة إلى إخفاءه بإجراءات تحاول التظاهر بكونها حسمت الملف لصالحها ولا يمكن أن ترضخ لأي قوة كيفما كان نوعها وحجمها وقوتها وبالتالي يحق للملك متى شاء وفي أي ظرف شاء أن يصدر العفو على من يشاء، وقد سمعناهم يبررون في سياق أول عفو شمل بعض معتقلي حراك الريف بالقول أنه إجراء استفاد منه من لم يتورط في "جرائم العنف" ويعودون الآن ليفسروا هذا العفو الأخير لكونه شمل من له تهم جنحية... وهي كلها مبررات يمكن أن تتبدل مع الزمن حسب موازين القوى.
ويجب على الدولة أن تقر بشكل واضح بأن معتقلي حراك الريف، بصرف النظر عن التهم الموجهة لهم، اعتقلوا نتيجة أحداث سياسية واجتماعية، وبالنتيجة الحتمية يكون هؤلاء المعتقلين سياسيين شاءت أن أبت ، وبالتالي فالمنطق القانوني والدستوري يفترض أن يتم الافراج عنهم بشكل سياسي عبر عفو شامل يضع حدا للتهمة الموجهة لهم ويمسح المتابعة من أصلها، وهذا هو الاجراء الذي يتطلب الاقدام عليه لطي صفحة صراع معقد نشب في الريف وأعاد إلى الأذهان كل الأحداث الدامية التي عرفتها المنطقة على مر السنين.
والسؤال المطروح مرة أخرى، هل تريد الدولة أن نكون على قدر كبير من قصر النظر حتى توهمنا بخطوات تكتيكية لا تعكس سوى درجة التخبط الذي سقطت فيه ناهيك عن النزوع التسلطي لبعض الإجراءات التي تسقط دفعة واحدة ما تدعيه الدولة بأنها تحترم المساطر ومنهج دولة الحق والقانون؟
إننا نعيش في لحظة سياسية يعسر توصيفها قانونيا وتحديد معالمها في زمن تشتعل فيه آلة الإشاعات، فليست مواقع التواصل الاجتماعي هي التي تصنع الاشاعات بل المروجين الكبار القابضين على مراكز القرار والمتحكمين في آلات الاعلام والتواصل من يصنع التضليل والأكاذيب، فكما أننا لن نفاجئ إذا باغتنا أشخاص مصابين بمرض الهوس يتمكنون من الصعود إلى منبر الخطابة بناء على الأكاذيب، فبنفس القدر الذي يجب أن نعرف جيدا أن المساحة الكبيرة لهذه المواقع يتحكم فيها دوائر السلطة التي كان لها السبق في اختراق المجال الإعلامي، فالخبر الكاذب يمكن أن يصنع زعيما فيسبوكيا يعتقد أنه يقود أمواجا هائمة من البشر، ولعل هذا التضليل الدعائية هي التي تشجع الدولة نفسها على الاحتذاء بهذا النمط من التأثير التداولي. لكن الخطأ الذي تسقط فيه لن يظهر في المدى القريب بل سينعكس على مجمل السياسة العامة للدولة في المدى المتوسط لكونها تقدم على إجراءات تكتيكية حيال أزمة تتطلب حلا شاملا لأنها في جوهرها مشكلة الاستبداد والتسلط وخنق حرية التعبير والعدالة الاجتماعية ...فضلا عن دوس مقومات دولة الحق والقانون المؤسسة على شعار شهير " مبدأ القوة والقوة المضادة " أو السلطة في مواجهة السلطة الذي يترجم المفهوم الحقيق لفصل السلط وهو أمر بعيد المنال في طبيعة العفو الذي أصدره الملك مؤخرا، لأن المطلوب قرار سياسي يضع حدا لمعاناة بناء على عفو شامل بدون مناسبة بل يتطلب أن يكون مناسبة في حد ذاته لتدشين جو سياسي جديد، وهو أمر مكفول لتطور الصراع وموازين القوى التي تدفع الدولة إلى الاقتناع بأنها في الطريق الخطأ.
أبو علي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق