جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أبي أنت الذي صنعت مني ثوريا/الشهيد عبد اللطيف زروال/الذكرى 32 للاستشهاد/

أبي أنت الذي صنعت مني ثوريا

-ها أنذا أدفع الضريبة
فلتباركي موتي يا حبيبة-

الشهيد عبد اللطيف زروال في قصيدته -بين الحب و الموت-.



14 نونبر 1974 14 نونبر 2006 32 سنة تفصلنا عن استشهاد المناضل الثوري عبد اللطيف زروال تحت سياط التعذيب الهمجي لزبانية النظام في درب مولاي الشريف بالدار البيضاء, 32 سنة و مازال ملف استشهاده كملف انتهاكات حقوق الإنسان بالمغرب, لم يجد طريقه إلى الحل, و مازالت عائلة الشهيد تطالب بكشف الحقيقة و المساءلة و جبر الضرر –معنويا بالاعتذار من أعلى سلطات الدولة- و تسليم رفات الشهيد, ضامة صوتها لأصوات ضحايا القمع الأسود للنظام المخزني.
تحل الذكرى32 لاستشهاده في الوقت الذي يطبل فيه النظام و أبواقه و يهللون لطي ملف الانتهاكات بعد صدور تقرير هيئة الإنصاف و المصالحة الذي أوصى فيما يخص ملف الشهيد باستكمال البحث لتحديد المكان الذي دفنت فيه جثته –هذا المكان حدده مسؤول سابق بالهيئة بمقبرة بحي يعقوب المنصور بالرباط- استنادا إلى التحريات الذي قامت بها, غير أنه لا جديد تحقق مند صدور التقرير.


لقد مثل الشهيد عبد اللطيف زروال مند السبعينات بالنسبة لأجيال من المناضلين الثوريين في بلادنا رمزا من رموز صمود اليسار الثوري خاصة منظمة الأمام و قائدا خلاقا تعتبر إسهاماته إضافة نوعية في تجربة المنظمة, فقد ساهم عبد اللطيف في بلورة تقرير 20 نونبر 1972 الذي شكل قفزة في تطور إلى الأمام, كما ساهم في صياغة أغلب الوثائق التي أصدرتها حتى استشهاده و التي حددت خطها السياسي و الأيديولوجي و بنيتها التنظيمية طيلة تلك الفترة. لقد كان عبد اللطيف مناضلا و مثقفا و قائدا ثوريا يصبو لوحدة اليسار الثوري يسعى إلى جعل إلى الأمام منظمة طليعية صلبة قادرة على الاضطلاع بمهام بناء الحزب البروليتاري الثوري لإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية على درب البناء الاشتراكي. كما كان شاعرا رقيقا مرهفا بالإحساس, حرمنا البوليس من إنتاجاته الشعرية الغزيرة الذي لم ينشر منه إلا قصيدة واحدة بعنوان - بين الحب و الموت-.


لم تكن لهذه الشخصية المتميزة أن تنبع من فراغ فإضافة إلى الأجواء العامة لتلك الفترة و الأوضاع الوطنية و القومية و الدولية- ماي 68, كفاحات شعوب العالم الثالث من اجل التحرر الوطني ضد الإمبريالية, الثورة الفلسطينية' نكسة يونيو 1967, الثورة الثقافية الصينية, انتفاضة 23 مارس 1965 بالدار البيضاء...- و موجة تجدر الشبيبة المدرسية و تأثير اليسار المتعاظم و الكبير و الفكر التقدمي و الماركسي في المؤسسات التعليمية, خاصة الجامعات, و الأصول الطبقية و الاجتماعية ستسهم عوامل مرتبطة بمسار الشهيد الشخصي و وسطه العائلي و الاجتماعي في تشكيل هده الشخصية المتميزة و تحديد مصيرها البطولي و المأساوي. لا يتعلق الأمر هنا باستعمال أدوات علم اجتماع المناضل مثلا, الذي يدرس الشروط الاجتماعية والثقافية لانبثاق الفعل النضالي لدى أشخاص معينين- لاستيعاب صيرورة تشكل هذا المسار بل فقط بملامسة بعض الجوانب التي قد تغيب أو لم يتم تسليط الضوء عليها بقوة في هدا المسار.


- أبي أنت الذي صنعت مني ثوريا – عبارة مقتطفة من رسالة بعثها الشهيد إلى عائلته يشرح فيها أسباب التزامه النضالي و انقطاعه عنهم – بسبب السرية-, عبارة تكثف علاقة خاصة بين الأب و الابن, وتجسد الملامح الأساسية لتأثير حاسم في مسار الشهيد, لم يكن عبد القادر زروال والد الشهيد أبا عاديا. لقد كان مناضلا و مثقفا وطنيا أخذ على عاتقه بعد رجوعه من دراسته في مدرسة ابن يوسف بمراكش- حيث تعرف على بعض أقطاب الحركة الوطنية و المقاومة- عبد الله إبراهيم, الفقيه البصري – تأسيس عمل وطني حقيقي في منطقة أولاد احريز بالشاوية التي كان ينحدر منها مؤسسا خلايا المقاومة الوطنية و حزب الاستقلال و منشئا مدرسة وطنية حرة بالبادية المغربية لتكون مركزا لإشاعة العلم و الوعي الوطني. و بعد اعتقاله بسبب نشاطه الوطني عقب أحداث فرحات حشاد سنة 1952, و إبعاده من منطقته الأصلية بقرار من الحاكم الفرنسي نحو البيضاء, سيرتبط بخلايا المقاومة المسلحة. بعد الاستقلال الشكلي سيعود بمدينة برشيد مديرا لمدرسة حرة من إنشاءه, ثم ساهم في تجربة الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال التي أقضت إلى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات للشعبية الذي شارك مؤتمرا في مؤ تمره الثاني. عبد اللطيف الذي كان يلازم أباه كظله و هو ذاهب لاجتماعاته السياسية, و الذي قضى جزءا من طفولته أثناء الاحتلال الفرنسي في المدينة القديمة للدار البيضاء قلعة الكفاح المسلح, عبد اللطيف الذي كان يلمس التزام عائلته الوطني – كان عمه كذلك مناضلا و مثقفا وطنيا و أما جده فقد تعرض كذلك للاعتقال من طرف الاحتلال- و صمود والدته 

البطولي, لم يكن إلا أن يكون موضوعيا كوالده في جبهة رفض الاستعمار بجميع أشكاله القديم و الجديد و أذنابه و عملائه بالمغرب.
لم يقتصر هذا التأثير الذي مارسه الأب على مسار الابن الشهيد على الجانب السياسي بل تعداه إلى الجوانب الثقافية و الفكرية. عبد اللطيف مند طفولته يلازم مكتبة والده الأدبية و السياسية و الفكرية ملتهما مؤلفات جبران و دواوين إيليا أبو ماضي و السياب و أبو القاسم الشابي مشكلا حسا شعريا مرهفا و اهتماما ملحوظا بالأدب و الفكر الإنساني, لم يكن يلقى من والده المثقف الوطني إلا التشجيع. لقد كان حاملا لرأسمال ثقافي يؤهله لوضع المثقف طالب ثم أستاذ الفلسفة المطلع على إسهامات الفكر الفلسفي- و الذي كان يعتبر إسهام هيجل قمته- و على أدبيات الفكر الماركسي.


و لم يكن تأثير الأب بالتزامه السياسي الوطني و التقدمي و وضعه كمثقف إلا جزءا من تأثير عام مرتبط بالأصل الاجتماعي والثقافي للشهيد. فعبد اللطيف الذي كان ينصت لجده و هو يتحدث له عن ظلم المخزن و تعسف القايد و هو ينهب خيرات القبيلة و يعتدي على أعضائها في الأسواق, و هو يحكي له عن انتفاضات قبائل الشاوية السيبة ضد هذا الظلم و كيف دمرت قصبة القايد, عبد اللطيف الذي رأى كيف قاد والده مباشرة بعد الاستقلال مسيرة بالآلاف من سكان منطقة اولاد احريز إلى مدينة الرباط ضد ظلم قياد المنطقة و ضد إرجاعهم إلى السلطة فيها, عبد اللطيف الذي كان يتردد على بادية اولاد احريز التي ينحدر منها مطلعا على بؤس الفلاحين الفقراء و صمودهم, مولعا بالتراث الثقافي الذي أنشؤوه في دينامية مواجهة المخزن و مقاومته عبد اللطيف لم يكن غريبا عن تقاليد مقاومة المخزن بكل تلاوينها الضاربة جذورها في تاريخ المغرب. لدا فان انتماءه للماركسية لم يكن دوغمائيا و لا تعبيرا عن انبهار فج بثقافة الأخر و استنساخ لها, لقد كان محاولة خلاقة و غير مكتملة و ربما غير معروفة و جزئية لدمج آخر ما وصل له الفكر الإنساني –الماركسية- بالتربة المغربية. و لم يكن كتابه الذي صادره البوليس بعنوان -الوعي الوطني قبل الحماية- و الذي يدرس تشكل الأمة المغربية إلا محاولة لتبيئة الفكر الماركسي. و لعل هذا الهم كان حاضرا في الوثائق التي ساهم في صياغتها الشهيد أشير هنا إلى وثيقة – تناقضات العدو و آفاق الثورة في المغرب- أو في النقاشات التي عرفتها المنظمة حول طبيعة الديمقراطية بعد الثورة, باختصار كان عبد اللطيف بالتزامه الأيديولوجي و النضالي حتى الاستشهاد يجسد أرقى تقاليد شعبنا في المقاومة و الصمود في مواجهة المخزن والغزاة وفي استمرارية تاريخية مع كفاحات أبنائه البطولية ضد الاحتلال و الاستعمار الجديد. لقد كان عبد اللطيف ثوريا حتى النخاع هوس الثورة حاضر في أدق تفاصيل حباته حاضر في عبد اللطيف الشاعر و العاشق و عبد اللطيف الإنسان المرح المتفائل بالفجر الجديد المقبل قبل أن يكون حاضرا في عبد اللطيف المناضل و المنظر.


14 نونبر 1974 14 نونبر 2006 32 سنة تفصلنا عن استشهاد المناضل الثوري عبد اللطيف زروال تحت سياط التعذيب الهمجي لزبانية النظام في درب مولاي الشريف بالدار البيضاء, 32 سنة كذلك من معاناة عائلة الشهيد متعددة الأشكال ترجع بداياتها إلى فترة مطاردته من طرف البوليس لتجد تعبيرها الأسمى و التراجيدي في سلسلة من الأحداث التي ستهز كيانها بدء من اختطاف الوالد و اقتياده إلى درب مولاي الشريف ليجد ابنه هناك و هو يعذب على مسامعه مع كل ما استتبع ذلك من معاناة نفسية هائلة لكافة أعضاء العائلة و مرورا باختطاف أحد إخوة الشهيد من طرف أجهزة القمع و بتحرشات البوليس و مضايقاته الذي لم يكن يتورع عن اقتحام منزل العائلة دون سبب سوى من أجل إرهابها و كسر صمودها بل كان يحاول ابتزازها و انتهاء بالمعاناة المادية بقطع مورد الرزق الوحيد –أجر والد الشهيد الذي كان يتقاضاه من الدولة-. إن هاته المعاناة قد أحدثت في كل فرد من أفراد العائلة جرحا غائرا لم و لن يندمل.


-إن الموت لا يخيف المناضل, بل هو واجب يستعد لتأديته كل ما كان ذلك ضروريا- هكذا تسطر بحزم وثيقة –الوضع الراهن و المهام العاجلة للحركة الماركسية اللينينية-, الصادرة عن إلى الأمام في ابريل 1973 التي ساهم الشهيد في صياغتها, مهمة المناضلين الثوريين في الصمود حتى الموت أمام التعذيب. و لم يكن استشهاد عبد اللطيف زروال إلا تجسيدا عاليا لقيمة الصمود هاته. و ما تزال ذكراه تؤجج فينا نار النضال و توقظ فينا جذوة الوعي الثوري و تسلحنا بالأمل في غد أفضل للإنسانية. و على دربه سائرون. 

-زروال زروال يمينا لن نحيد
ولن نرضى بديلا عن الفجر الجديد
لنا لقاء غدا على طريق نصرتا الأكيد
هذا نضالنا هذا كفاحنا يا شعلة الصمود
هذا نضالنا هذا كفاحنا يكسر القيود- 

لجنة "من أجل كل الحقيقة في ملف الشهيد عبد اللطيف زروال"


بلاغ بمناسبة الذكرى 36 لاغتيال عبد اللطيف زروال
بحلول 14 نونبر 2010 تحل الذكرى 36 لاغتيال الشهيد عبد اللطيف زروال، الذي تم اختطافه يوم 5 نونبر 1974 بالدار البيضاء، و مورس عليه التعذيب الوحشي بمخافر المركب السري درب مولاي الشريف بالدار البيضاء من طرف "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية" تحت إمرة قدور اليوسفي، وتم نقله إلى مستشفى ابن سينا بالرباط، و تسجيله تحت اسم مزور وتسليم شهادة طبية مزورة للشرطة تشهد بأن الوفاة طبيعية عادية في تواطؤ مكشوف لإدارة المستشفى وبعض الأطباء مع الفرقة الوطنية للشرطة القضائية للتستر على جريمتها الشنعاء، وذلك يوم 14 نونبر 1974، وعمره آنذاك لا يتجاوز 23 ربيعا.


و بعد مضي أزيد من ثلث قرن، لا زال مصير المناضل عبد اللطيف زروال مجهولا، ولا زالت أسرته تجهل عنه كل شيء، ولا زالت كل مساعيها تصطدم بالأبواب الموصدة وبالآذان الصماء المقفلة، إذ لا أجوبة عن مراسلاتها و احتجاجاتها حول ظروف اغتياله و مكان دفنه وسبب عدم عثور المجلس الاستشاري على قبره وعدم فتح تحقيق قضائي حول وفاته وعدم ملاحقة قتلته وفي مقدمتهم قدور اليوسفي. و لم يكن لهيئة الإنصاف والمصالحة والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سوى إعلان الفشل عن تقديم الأجوبة. لتبقى عائلة المناضل عبد اللطيف زروال تعيش الفاجعة يوميا ويكبر ألمها وتخيب آمالها، وليعلن رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان عن قرب إقفال الملف وطي صفحة الماضي الأسود على الضحايا ليقتلهم قتلا جديدا ويحاول دفن الحقيقة معهم، حتى يرتاح المجرمون من جرائمهم.


وبهذه المناسبة تعلن لجنة "من أجل كل الحقيقة في ملف الشهيد عبد اللطيف زروال" ما يلي:
أ - اعتبارها التأخير والتعتيم بخصوص الحقيقة في حالات المختطفين مجهولي المصير ينم من جهة عن انعدام الكفاءة و الجدية لدى المجلس في تعاطيه مع تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وسعيه طمس الحقيقة وتكريس الإفلات من العقاب في الجرائم السياسية. ومن جهة أخرى غياب الإرادة السياسية للدولة في المعالجة العادلة والشاملة لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ماضيا وحاضرا. 

ب - تنديدها بأسلوب التجاهل الذي يتعاطى به المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان مع ملف الشهيد عبد اللطيف زروال

ج - مطالبتها الدولة بتحمل مسؤوليتها الكاملة في الكشف عن الحقيقة كل الحقيقة حول ظروف وملابسات اختطاف وتعذيب وقتل الشهيد عبد اللطيف زروال، وتسليم رفاته لعائلته بعد إجراء التحاليل العلمية اللازمة للتأكد من حقيقة رفات الشهيد. 

د - تأكيدها على ضرورة مساءلة ومعاقبة المسؤولين عن اختطاف وتعذيب وقتل الشهيد. 

ه - دعمها ومساندتها لعائلة الشهيد في كل الخطوات التي تتخذها من أجل الكشف عن الحقيقة ومتابعة المسؤولين عن اختطاف وتعذيب واغتيال عبد اللطيف زروال.

و - مناشدتها كل القوى المدافعة عن احترام حقوق الإنسان وكل الديمقراطيات والديمقراطيين بالداخل والخارج بمساندتها في مهمتها والضغط على الدولة المغربية من أجل إجلاء الحقيقة في قضية عبد اللطيف زروال.



الرباط في 14 نونبر 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *