حراس السلطة في وضع أشبه بحارس المرمى قبل تسديد ضربة جزاء !أبو علي
لم يعد أحد لا يعرف بأن العالم يتحول ويتغير بسرعة مذهلة ويكشف كل يوم عن أحداث جديدة غير متوقعة، ليس بمعنى أنه في السابق كان هناك علم ما يتوقع ما سيحدث بالتفصيل، فكل العلوم الاجتماعية والانسانية وحتى الخالصة فشلت جميعا في توقعاتها، ولازلنا على نفس المنوال لا أحد يعرف، مهما كانت درجة امتلاكه للمعرفة، أين نسير وماذا ينتظرنا خلال المرحلة المقبلة. الجميع في وضع متربك لا متوازن وعلى رأس هؤلاء توجد السلطة السياسية مقررو السياسات الاستراتيجية هم في المرتبة الأولى يتموقعون في موقع أبيض أشبه بوضع حارس المرمى قبل تسديد ضربة الجزاء: اللاتوازن والارتباك والانتظار القلق.
في هذا الوضع المريب قليل من السياسيين والتنظيمات الحزبية من يمتلك مستوى معين من فهم الأحداث والتطورات، ولقد لا حظنا بعض هؤلاء القادة وهم يعاينون أمواجا بشرية من التلاميذ هبوا للاحتجاج على الساعة - رغم أننا في ثقافتنا نحتقر الزمن- رغم أنه مشكل يبدو بسيطا في العمق لكنه يمثل النقطة التي أفاضت الكأس وقد تفيضه أحداث أخرى لا أحد يعلم كيف ستنتهي الأمور، فبدل التموقع بجانب هؤلاء التلاميذ بصرف النظر عن مظاهرهم وأصواتهم التي قد تحمل بعض الكلمات المباشرة النابية في وجه المسؤولين، بادر البعض إلى الرد بأساليب تنم عن جهل الأمور وبمجريات الأحداث، فأن يُنعت التلاميذ بجيل الضباع مثلا هذا دليل على شيئين: 1. أن من أطلق هذه العبارة يوما ما، لم يكن عقله يتوقع أن يتواجه مع ظاهرة جديدة من الاحتجاجات بل كان مقصوده هو أن التعليم في المغرب بعد الاصلاحات التخريبية التي مسته ستنتج جيل من الموالاة للسلطة، وهذا لا ينطبق على هؤلاء التلاميذ الذين خرجوا للتنديد بالسلطة، إذن هم ليسوا بضباع الراحل جسوس 2. وأن السيدة التي أطلقت هذا الوصف غير الموفق تعتقد أنها في مواجهة مع جيل جديد متمرد على القيم وطائش على الأوضاع ، علما أنها لا تدرك بأن هذا الجيل يعيش في عالم جديد ونحن ما زلنا نفكر وفق منطق عالم يترك مكانه لولادة آخر بعد التطور الهائل لتكنولوجية المعلوميات، بل إن أسطورة تغيير المناهج التعليمية لبناء أجيال على المقاس كلها ستذهب أدراج الرياح وهي في المحصلة تساهم في تبديد الأموال ليس غير.
والسؤال المطروح كيف يمكن أن نعيش، ونحن على درجة من التوازن، في حقبة مليئة بالتحولات؟
يجب أن نعرف أن المنظور التقليدي للتربية المؤسس على البرامج " يجب أن نعلِّم الناشئة كذا أو كذا لتصير على منوال كذا " أو أن نعبئهم بهذه الطريقة أو تلك ، هذا التصور التقليدي غير مجدي مع شباب ولد وفي يده "البرطابل"، والسؤال الحقيقي هو معرفة هؤلاء التلاميذ والشباب الذين يسكنون في عالم جديد، لهم هوية خاصة ، وانتماءات متميزة لا تحتاج إلى القانون الأساسي أو الداخلي أو بطاقة الانخراط لبناء المجموعة أو التواصل مع جمع كبير من البشر، بعد أن حررت الانترنيت هؤلاء من لغة الاستهلاك فأصبحوا يستهلكون ويرسلون بضاعتهم ومواقفهم، لكن لا بد من الاحتياط الحذر ، وهو أن الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي تمدنا بالمعلومة وليس المعرفة ، وهناك حد فاصل بين المعلومة والمعرفة، ولعل أغلب الإنزالات الحاشدة للجماهير إلى الشوارع كانت نتيجة المعلومة، بل هناك من يدعي أنه بإمكان قلب الأنظمة بناء على الترويج الواسع للأخبار المدوية ونتيجتها لمن يريد أن يتعلم أن يطل على ما يحدث في الشرق الأوسط. وهذا مكر وخداع قد يحصد ضحايا دون نتائج ملموسة، فالأساتذة اليوم الذين يتقنون أدوارهم وهم على دراية كافية بالتحولات يعرفون أنهم سيتواجهون مع تلاميذ لهم سابق المعلومات حول كثير من الظواهر بحيث يمكن للتلميذ أن يذهب للموسوعة للإتيان بما يشاء من المعلومات، دور الأستاذ حاسم في هذا السياق؛ وهو كيف يمكن له أن يحول المعلومة إلى معرفة أي التوضيح والشرح بالشكل الذي ينمي قدرات التلميذ على بناء ذهنه على أسس نقدية.
لكن بالمقابل فإن هذا التطور التكنولوجي وجد ليخلق الفردانية أو الفرد المقرر لمصيره، فالنضال من أجل المساواة ما بين الرجال والنساء ليس من أجل تحرير النساء بل لتحرير الفرد والنوع الاجتماعي، ولابد من الانتباه إلى أن المنجزات الانسانية تقود البشرية نحو الأفضل ، شئنا أم أبينا، لكن هناك من سيضحي بالدم من أجل الحفاظ على كينونته الجماعية والقبلية ، وهذا يعني أن التطور العالمي غير منسجم فهناك من يستعمله للتقدم إلى الأمام وهناك من يستخدم هذه المنجزات الرجوع إلى الوراء marche arrière أي أنه يستخدم التقنيات الحديثة للهجوم على التقدم التكنولوجي، وهؤلاء لهم خوف أزرق وخصوصا الشعبويين واليمينيين.
ولنتصور اليوم العالم بأكمله بدون البورطابل، ماذا سيحدث؟ فالجيل الذي يسكن في عالم جديد، والذي يولد على أنقاض العالم القديم سيشعر بفقدان الهوية والانتماء، بمعنى تقريبي أننا نعيش في لحظة فاصلة أشبه باكتشاف الكتابة أول مرة حيث ذاكرة شفوية بأكملها ضاعت، ومع بروز الانترنيت ونمط جديد لتخزين المعلومة، فالمكتبات بأكملها معرضة للإغلاق مع بروز ذاكرة جديدة مع التطور التكنولوجي، وواهم من يعتقد أن الموجة الجديدة للشباب الذين ولدوا في سياق انفجار المعلوميات يحملون طموحات جديدة يمكن بلورتها في نمط حزبي جديد، بل المتوخى من طرف السياسيين هو العمل على استدماج الانتماءات الجديدة لجيل الشباب باستيعاب مكونات العالم الجديد الذي يقطنون فيه والسير به نحو الأفضل، هذا بعد أن يخرج المفكرون من سباتهم العميق وقد انطوى الجميع على ذاته وهم يستغربون بحرية سؤال ماذا يحدث، علما أنهم منشطرون اليوم بين صنفين: الثعالب والخنازير.
أبو علي
المصدر حوار الريف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق