الذكاء المخزني: القتل و العسكرة لفرملة الاعصار. قاشى م الكبير
بمناسبة شروع المخزن في استدعاء الشباب للتجنيد الاجباري؛ أعيد نشر مقال لي بهذا الخصوص سبق لجريدة النهج الديمقراطي نشره:
الذكاء المخزني: القتل و العسكرة لفرملة الاعصار.
قاشى م الكبير
اقدمت البحرية الملكية يوم 25 شتنبر 2018 على اطلاق الرصاص على مركب مطاطي يحمل ازيد من 25 شخصا مرشحا للهجرة السرية نحو اسبانيا، ليردي طالبة الحقوق "حياة" ذات 22 ربيعا شهيدة، و يفجر ذراع مرشح آخر و اصابة شخصان آخران اصابة متفاوتة الخطورة، هذه الدرجة من الحضيض في الاجرام تأتي في سياق ارتفاع ملحوظ للنزوح الجماعي لشباب الريف من جهة نحو اسبانيا هروبا من الملاحقات القضائية التي استثمرت للجم حراك يطالب بأبسط الخدمات و الحقوق و في حدودها الدنيا:(مستشفى، جامعة، مدرسة: لقمة عيش كريمة...)، و من جهة اخرى للهروب المنظم للاطفال و الراشدين نساء و ذكورا من ارض تموت فيها 15 سيدة،منهن حوامل، تدافعا على كيس دقيق، و تنضاف فيه 300,000 فرد سنويا لجيش معطل تجاوز 1,2 مليون شخص، و بدأت مظاهراته ترفع شعارات:" الشعب يريد اسقاط الجنسية"،"الشعب يريد الحركة فابور" و لكل منهم فرد من الاهل او القرية او الدرب لفظته امواج المتوسط على احد الشواطيء او التهمته حيتانها، انه الارتماء في المجهول هروبا من جحيم البؤس؛ جريمة القتل هذه تنضاف لجرائم قنص بعض "المنحرفين" ضحايا سياسات التفقير و التجويع بالرصاص في الشوارع و الميادين، رغم امكانية القاء القبض عليهم بطرق تحفظ حياتهم التي صارت بضاعة مربحة لمن حول مآسي الوطن برمته الى صنعة تدر عليه الارباح.
نظام يشرد شعبا، يحرضه على ترك وطنه، يفرغه من طاقاته: الاطباء، المهندسون، الاكاديميون، المعطلون، الحرفيون، الشباب النساء، الاطفال... معظمهم يلوذ بالفرار، و المخزن يتعامل معهم كفائض عن الحاجة و اعداد يمكن الاستغناء عنها، نزوح يذكر بالمأساة الفلسطينية و السورية، لكنه في الحالتين السابقتين نزوح مؤقت ولدته نكبة ، اما في الحالة المغربية فقد استقر ليصير حلما لجل الفئات العمرية و الشرائح الاجتماعية بحثا عن وطن مستعار، فبعد الغينيين و الملاويين يحتل المغاربة المرتبة الثالثة من المهاجرين السريين نحو اسبانيا، و كأن المافيات المفلسة تتنافس في تشريد شعوبها .
المافيا المخزنية تقدم الخطب و آمال السحرة للجوعى، و لا تتردد في رميهم بالرصاص بغية اخفاء جبل جليد نتائج سياسات كارثية و مرتكزاتها الطبقية، و حين يكون المواطن ارخص من رصاصة، فهي تكتفي بخنقه فقط، كما فعلت للشهيدة "فضيلة" بجماعة سيدي المخفي عمالة افران و هي تحتج على سرقة ارض اجدادها السلالية .
شراسة المافيا العدوانية وصلت لدرجة قتل المواطنين في الشوارع و الميادين و حتى و هم يهمون بالهروب لارض قد تتسع لاحلامهم البسيطة في كسرة خبز و دواء و منزل يقي غوائل الطبيعة، فبعد فشل كل المسكنات و زوال تأثير بنج وعود حكومة العدالة و التنمية و ضجيج تراتيل مباركة ميلاد دستور بلا ملامح، هاهي المافيا المخزنية تستعرض وجهها الحقيقي في مواجهة شعب سئم الخطب .
نظام بعد ان استنفذ كل ما في قبعته من الاعيب سحرية، لم يعد يراهن داخليا سوى على الرصاص و العسكر لتأمين استقراره و استمراره، و فرض امر القبول بهذا الوضع المفجع، و بالنسبة للجارة اوروبا فهو يطمئنها بخدماته "الامنية" ككلب أمين يعول عليه لحراسة الحدود مقابل 55 مليون اورو تسلمها في يوليوز الماضي من الاتحاد الاوروبي بمعية النظام التونسي، محذرا اياها من ضريبة زواله و التي لا يمكن مقارنتها على كل حال بتكلفة بقائه، مذكرا اياها بالتجربة الليبية ( سنة 2017 وصل حوالي 181.000 مهاجر الى اوروبا عبر السواحل الايطالية، 90 في المائة منهم انطلقوا من ليبيا)، و واضعا تحت تصرفها كل ثروات الوطن، بحيث لم يتردد في الاحتجاج على مقاطعة الشعب لمنتجات شركات المستعمر الفرنسي عبر دفعه الوزير الداودي للاحتجاج امام البرلمان بمعية اطر الشركة على المقاطعين لمنتجات سانترال- دانون، و اطلق العنان لتصريحات برلمانييه و وزرائه لشتم الشعب و وسمه بارذل النعوت لانه قرر ان يكف عن منح قسط من عرقه لشركة فرنسية، انتهاء بصفقة الصيد البحري بمبلغ اقرب للهبة :40 مليون اورو.
الشعب البائس لم يبق مكتوف الايدي امام جوع المافيا لدم الفقراء و خبزهم، و هو يعبر عن استعداداته الهائلة للتضحية و العطاء و الابداع في اشكاله النضالية ( المقاطعة الجماهيرية الواسعة لمنتجات ثلاث مقاولات تمثل ) وفي توسيع حراكاته و احتجاجاته ( سبق للمديرة العامة للبنك الدولي ان حذرت في هذه السنة من قرب انفجار بركان غضب شعبي سيشمل كل شمال افريقيا) و تطوير ادواته التنظيمية، و هي الحراكات المتسمة بتبوأ الشباب لقيادتها مما يكسبها حيوية و دينامية (46 في المائة من الساكنة ولدت بعد سنة 1993).
امام ارتفاع مشاعر الكراهية و البغض للنظام القائم بتواز مع تطور الوعي السياسي؛ كيقظة و ارادة للتغيير؛ لشرائح اوسع اكتوت بشكل مباشر من السياسات المافيوزية، و تحسبا لانطلاق انتفاضات ستعصف بكل ما راكمته هذه المافيا لاجيال عديدة من سلالتها، و لاتقاء ديناميت براميل البؤس الاجتماعي، فها هي تمر للسرعة القصوى مستعملة ورقة العسكر، فأمام مطرقة صندوق النقد الدولي من جهة و سندان الشارع المتأجج من جهة اخرى، تسعى لكبح "قدرها" بالزج بالمؤسسة العسكرية لحلبة الصراع و ذلك بعد عجز جهاز القضاء و احكامه و البوليس و تنكيله و العروض المسرحية المبتذلة لاحزاب الولاء و المعارضة الملكيين في ايقاف العاصفة، مغلفة كل هذا بالتباكي على روح الوطنية المفتقدة في الاجيال الحالية؟؟؟ ...
تقتضي خطة التجنيد الاجباري وفق مشروع قانون 44.18 ترويض حوالي 10000 شخص من الذين تتراوح اعمارهم ما بين 19 و 25 سنة (يمكن ان تمتد لغاية 40) كل 12 شهرا، و سيدرجون في نهاية الخدمة ضمن احتياطي القوات المسلحة، و ستكلف هذه العملية قرابة 300 مليون درهم سنويا، كان من الاجدر تخصيصها للصحة و التعليم و الثقافة، و لكن المخزن لا تهمه الوطنية بقدر ما يهمه صناعة الرعايا، و في هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن المغرب يحتل المركز الخامس بين القوات المسلحة في منطقة الشرق الاوسط و شمال افريقيا من حيث العدد، اذ حسب آخر تقرير صادر عن المؤسسة الأمريكية المتخصصة في الشؤون العسكرية "غلوبال فاير باور" فان المغرب تتوفر على 373 ألفا من مجموع الأفراد العسكريين، ضمنهم 198 ألف عنصر نشيط، و175 ألف عسكري في الجيش الاحتياطي، فما الغرض من كل هذه الآلاف من الجنود؟ و ما الغاية من زيادة تسمين هذه المؤسسة؟ و فيم سيفيد شبابنا هذا التجنيد الاجباري؟ و ماذا سيقدم لهم و للبلد؟ و ما الدافع الحقيقي لقرصنة 12 شهر من اعمارهم؟ و لماذا نجبرهم على القيام بخدمة يرفضونها بل و تتناقض مع مباديء البعض و قناعاته السياسية او الحقوقية؟ و هل ترسيخ قيم الوطنية و المواطنة يكون عبر سلك الجندية؟ هل المطلوب هو ترسيخ قيم الوطنية ام قيم العبودية و الخضوع و الثناء على الاغلال؟ و لماذا الاستمرار في تبذير هذه الملايير و التي كانت توجه مع ذلك للمؤسسة العسكرية طيلة الفترة التي تم فيها تعليق الخدمة؟ و في ظل شروط الاملاق التي يعرفها الانفاق العمومي على الخدمات الاجتماعية اليس من الافيد توجيهها لبناء المستوصفات و المدارس و دور الشباب و الثقافة و المطالعة؟...
انه الاستثمار في صناعة الخوف، و تنزيل للذكاء المخزني الحالم بتحويل كل المغاربة الى عسكر، انها آخر صيحات نظام يستعبد شعبه، و يسعى لتشكيل مخلوقات لا تتبرم من شروط القهر و لا تعترض عليه، بل هي صناعة الجبناء وتحويل المجتمع المغربي الى مجتمع افراد مذعورين يخشى بعضهم البعض و قطعان مرعوبة، مرعوبة من ماذا؟ من الخوف من زوال المخزن و سقوط المافيا المخزنية، و بذلك فالتجنيد يشكل الاداة المثلى لتدجين الشباب في ظل مناخ العربدة المخزنية، و تشويه ثقافة المقاومة و الحرية و الاحتجاج وغرس قيم الخنوع و الاستكانة و توطينها في الامخاخ و الافئدة باجتياف لازمة:" ان المخزن هو الذي يحميك و يحمي البلد من خطر التشتت و الضياع"، فمتى كانت المواطنة تستنبت في الثكنات و تسقى من طرف العسكر؟.
ان المافيا المخزنية عبر خطة التجنيد الاجباري ستتمكن من تحييد فئة واسعة من الشباب من الحراكات الممكن تفجرها و قيادتها من طرفهم او حتى المشاركة فيها، اي حرمانهم من حقوقهم السياسية و المدنية خلال الفترة التي يلزمون فيها باداء هذه الخدمة، و في حالة الرفض فهم معرضون في كل حين للاعتقال، فالامتناع عن المثول امام السلطة المختصة في حالة الاستدعاء لاداء الخدمة يرتب عقوبة بالسجن تتراوح من شهر إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 2000 إلى 5000 درهم، كما ان مشروع القانون يشير في مادته الخامسة لمقتضى ادراج المجندين ضمن احتياطي الجيش و بالتالي يفتح امكانية دعوتهم للتعبئة الاحتياطية في كل لحظة و حين و بالتحديد كلما استشعر المخزن حراكا اجتماعيا بحيث تتيح له هذه المادة امكانية نزع فتيله باستدعاء نشطائه للالتحاق بالثكنات و في حالة التخلف فان المحاكم العسكرية التي تنتفي فيها كل ضمانات المحاكمة العدلة، لا تعوزها اغرب التهم التي يمكن ان تفضي لاعدام المتخلفين عن الانضباط، فالواجب اضحى يقتضي ان تقضي بقية حياتك ملتزما بواجب العبودية و الاستزلام للمافيا المخزنية، و خدمتها و الذوذ عن مصالحها .
عطفا على ما سلف فان ما وضحه حراك 20 فبراير العظيم و ما كشفته الاحتجاجات التالية للعفو عن مغتصب الاطفال "دانيال كالفان " هو هشاشة الاسمنت المخزني من جهة و ضعف مطرقة نقضه من جهة اخرى، و عليه فانه امام تقوية القبضة العسكرية على المجتمع و السياسة و التعويل على الرصاص و الاعدامات الميدانية لاخراس المطالب الشعبية، فالجواب لا يمكن ان يفصل عن الجبهات النضالية الميدانية المستنهضة لجماهير شعبنا و في طليعتها الطبقة العاملة و عموم الكادحين لتقرير مصيرها بيدها ، لان الجواب بكل بساطة ينتمي لمجال الفعل السياسي العملي و لايوجد ابدا في الاعتبارات النظرية لهذا او ذاك، و الا كنا نفصل الواقع على قد فكرنا و هواجسنا و ليس تفصيل الفكر على قد الواقع، اي اننا نفرض القوالب الجاهزة على حراك شعبنا و نرتضي له قامة دون قامته ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق