جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الحاج " كرز "/الرفيق عبد السلام باهي

الحاج " كرز "
قصة " الحاج كرز" هذه ترجع لسنوات . تكررت محاولة كتابتها عدة مرات . لكن هاهي ظروف الحجر الصحي تخرجها إلى الوجود .
الحاج هو اسم عادة ما يطلق في مجتمعنا على الشخص الذي حج إلى مكة في موسم الحج . ومن المفترض أنه تاب وغسل ذنوبه كما يقال .
لكن مع كثرة الإستعمال أصبح اسم حاج يحمل دلالات متعددة . انحرفت الكلمة عن معناها الأصلي . وأصبح اكتساب صفة الحاج مثلا هدفا في حد ذاته . وأصبحنا نسمع عن الحاج الطيب والحاج متولي والحاج كوكل . بل من باب المفارقات أن الناس أصبحوا يتشاءمون ويحذرون من الحاج والعجاج والمنعرج . لأن اسم الحاج أصبح يستعمل أحيانا من أجل الخديعة والإيهام بالصلاح . أو كاسم مستعار لإخفاء الهوية . وهذا الإستعمال نال شهرة خاصة مع قصة ومحاكمة الحاج ثابت .
" الحاج كرز" شخصية أخرى متفردة . تنتمي بدورها إلى عالم الشرطة . في مكان استعمل اسم الحاج كاسم مستعار في ظروف لا إنسانية وتكتسي نوعا من الغرابة . وفي وسط هو مطالب بتطبيق القوانين وإنفاذها .
الحاج " كرز" ليس اسمه الحقيقي هو " كرز " . هذا الإسم إنما صنعته له ظروف عرف فيها بالحاج . جعلت منه ومن باقي الحجاج الموجودين معه بنفس المكان ، أشخاصا أشبه ما يكونوا بشخصيات روائية .
كان " الحاج كرز" من بين حراس معتقل درب مولاي الشريف الأكثر إثارة . وكانت لكنته وحركاته ومشيه وإعلان حضوره ، كلها تنم على نوع من الغرابة . تعرفنا على صوته بمناسبة الزج بنا في المعتقل السري بدرب مولاي الشرف . بعد اعتقالنا مباشرة في سنة 1974 .
كل الحراس في درب مولاي الشريف يطلق عليهم اسم الحاج . وإذا أراد المعتقل المعصب العينين أن يذهب إلى المرحاض ، فإن عليه أن ينادي باسم الحاج . وخرق هذه القاعدة الصارمة قد يعرضه للعقاب .
العقل البشري لا يتوقف عن التفكير والإبداع حتى في أقسى لحظات الظلام . وكذلك عقل المعتقلين يصنع أسماء ورموزا وإشارات تساعد على المقاومة والتذكر.
الحاج " كرز " كان من بين الحراس الذين يتناوبون على حراسة الزنازن . يقومون بالحراسة طيلة 24 ساعة . وهم منظمون في ثلاث مجموعات. كل مجموعة تحرس لمدة 8 ساعات .
حينما يأتي الدور على " الحاج كرز " يحضر هو ومجموعته ، يأخذ مهمة الحراسة من المجموعة التي قبل . وفور ذلك يعلن هو حضوره بمرور سريع أمام أبوب الزنازن المفتوحة ليل نهار ، و يردد عبارة " كرز داك الزيف " .
"كرز" في الدارجة المغربية تعني الشد والحزم . و"داك" تعني ذلك . و"الزيف" كلمة تعني قطعة القماش .
وصياح الحاج بعبارته تلك ، لا يقصد به فقط إشعار المعتقلين كافة بضرورة الإنضباط ، وجمع قطع القماش على وجوههم ، وحزمها على أعينهم . بل هو رسالة كذلك لرؤسائه ، ليؤكد لهم قيامه بالواجب في حرمان المعتقلين من النظر .
الحاج " كرز داك الزيف " أصبح مع الأيام معروفا بهذا الإسم بين المعتقلين . وهم مفروض عليهم أن يتعايشوا مع واقع الجلادين . وأصبح وجه الإثارة في صيحته يشكل نوعا من الفرجة المختلطة بمذاق المأساة والقمع .
لكن " الحاج كرز " له قصة أخرى صنعتها ظروف لم تكن منتظرة بعد الخروج من السجن .
كان ذلك في بداية سنوات التسعينيات من القرن 20 . بعد أن أصبحت محاميا وأنهيت فترة التمرين . ذات يوم بمحكمة الإستئناف قرب كوماناف بالدار البيضاء . دخلت المحكمة ، وارتديت البذلة ، وتوجهت نحو قاعات الجلسات المدنية . وفجأة لفت انتباهي شخص يقف وقفة منضبطة بجانب إحدى القاعات . يلتفت يمينا ويسارا دون حركة . جمود وجهه حرك شيئا ما في دواخلي . فشرعت في نبش ذاكرتي . وأحالتني الذاكرة على نظرات كنا نسترقها من تحت العصابة في درب مولاي الشريف . حيث كنت قد رمقت وجهه في لحظة ما . فوقفت استرق النظر إلى الرجل من جديد . وبعد لحظات قلت مع نفسي نعم إنه هو . الحاج " كرز داك الزيف " . لكني كنت محتاجا إلى من يؤكد تخميناتي ، إثرها توجهت نحو الرفيق منير رشيد ، الذي كان متواجدا بنفس محكمة الإستئناف آنذاك . وبحكم أنه كان معتقلا في درب مولاي الشريف ، أخبرته بما لاحظت ، وتوجهنا معا نحو الحاج ، وقررنا أن نبادره بالكلام ، وقفنا أمامه وبادرناه بالسلام . رد علينا التحية بحذر . سألناه إن كان في حاجة للمساعدة في أي أمر يتعلق بالمحكمة . أجاب بالشكر . قلنا له ألم تتذكر وجوهنا . قال لا . قلنا له نحن نتذكرك . تساءل أين ومتى تعرفنا عليه . قلنا له في درب مولاي الشريف . اضطرب هنيهة ثم تمالك نفسه . ورد بأنه لا يتذكر . عرضنا عليه بعض تفاصيل فترة الإعتقال ، وكيف أنه كان هو ضمن مجموعات الحراسة التي تتناوب ليل نهار . بل أخبرناه بأنه كان مميزا بعبارة " كرز داك الزيف " التي كان يرددها علينا . ابتسم بتحفظ . وكرر بأنه لا يتذكر . تبين أنه لا يرغب في الحديث عن المعتقل . غير مجرى الحديث . سألنا عن أحوالنا فسألناه عن أحواله هو كذلك . أجاب بإيجاز بأنه بخير . أخبرناه بأننا بدورنا بخير . وها هو يرانا في عملنا وفي المجتمع ، رغم الظلم وخرق القانون وقساوة الإعتقال . وختمنا معه الكلام بالقول بأنه من خلال عملنا في مهنة المحاماة ، التي هي مهنة قانونية ، تأكد لنا بأن الوضع في درب مولاي الشريف غير قانوني . وتبادلنا كلمات الشكر والسلام وافترقنا .
بعد أسبوعين ، دخلت محكمة الإستئناف مرة أخرى صباحا . وفي نفس المكان كان " الحاج كرز داك الزيف " واقفا ينتظر . لم أتوجه نحوه . بل دخلت مباشرة إلى داخل المحكمة قصد ارتداء البذلة . وأنا أمشي سمعت من ينادي من خلفي أستاذ أستاذ . التفت ووجدت " الحاج كرز داك الزيف " . تبادلنا عبارات السلام . وبادرني بالقول بأنه يريد أن يحدثني . وانه سينتظرني حتى أنتهي من عملي . وطلب مني عدم تركه ينتظر طويلا . اختزلت عملي والتحقت به . واقترحت عليه أن يعرض علي موضوع حديثه خارج المحكمة . اعتذر وطلب مني أن امنحه بعض الوقت فقط . أطرقت وأنا أنصت إليه . بادرني بقوله حينما كنتم في درب مولاي الشريف هل أسأت إليكم . قلت له في درب مولاي الشريف بالنسبة لنا لم تكن إلا الإساءة للجميع . رد علي بأنه لا يقصد ما يتعلق بالبحث والإعتقال . وإنما يقصد المعاملة . معاملته هو بصفة خاصة للمعتقلين هل كانت سيئة . قلت له لا أتذكر إساءة خاصة وربما أنت أعلم إن كنت قد أسأت لأي من المعتقلين إساءة خاصة . ثم أردف قائلا وهل تتذكرون بأنني أسديت لكم خيرا . قلت له بأنني لا أتذكر أي خير في درب مولاي الشريف . بدت على وجهه ملامح الإحباط . ثم غمغم بصوت منخفض وقال إذن التعادل لا خير ولا شر . قلت لا أدري ؟ وساد صمت عدم الإطمئنان . وودعني وافترقنا .
عبد السلام الباهي
09/04/2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *