جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

جائحة كورونا وسؤال الحق في الصحة/الرفيق ابراهيم اليحياوي

جائحة كورونا وسؤال الحق في الصحة
أمام هذه الجائحة التي يمر منها العالم عموما وبلادنا على وجه التحديد، وأمام لحظات الموت الصامتة الذي باتت تتعقب البشرية، وهول الصدمات التي تتلقاها جراء التفاصيل الأليمة لعدد الموتى، والعجز الشبه التام الذي أصاب مختلف الأنظمة الصحية العالمية التي تركزت على سياسة الليبرالية والسوق الحر وجعل القطاعات الاجتماعية مجالا للاستثمار من أجل الربح عوض الاستثمار من أجلها، - وهو نفس النهج الذي اعتمدته بلادنا في مختلف القطاعات الاجتماعية وليس الصحة فحسب-، صارت تطرح أسئلة حارقة أساسية أبرزها: أية إجراءات وضعتها الدولة لمواجهة هذا الوباء؟ وإلى أي حد التزمت بمقتضيات المواثيق الدولية التي صادقت عليها وفي مقدمتها العهد الدولي بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيره من الاتفاقيات الموضوعاتية والخاصة، لضمان تمتع المواطنات والمواطنين بالحق في الصحة دون تمييز باعتباره الركيزة الأساسية للحق في الحياة الذي يعتبر حق مقدس غير قابل للتصرف أو التجزيء..؟
كما أن الأمر لا يتعلق بالحق في الصحة فقط بل يتعلق بالسؤال حول الإجراءات التي قامت بها الدولة لضمان حماية الحق في الصحة العمومية؟، لأنه مهما تداخل المفهومان لحدود التماثل فإن مفهوم الصحة العمومية أوسع وأشمل من الحق في الصحة، وقد عرفه العالم تشارلز إدوارد أموري ينسلو بكونه "علم وفن الوقاية من الأمراض، وإطالة الحياة وترقية الصحة والفعالية البدنيتين عن طريق الجهود الجماعية المنظمة الساهرة على تطهير المحيط، والتحكم في الأمراض المتنقلة وتعليم الأفراد سبل النظافة والوقاية الشخصية، وتنظيم الخدمات الطبية والتمريضية بغرض التشخيص والعلاج المبكرين للأمراض، و وضع جهاز اجتماعي يضمن لكل فرد داخل الجماعة معيار حياة ملائم للحفاظ على السلامة". وهنا لا نريد التدقيق في المفاهيم والتفصيل فيها ـ بل استدللنا بهذا التعريف فقط للتأكيد أن الحق في ضمان الصحة العمومية لجميع المواطنين والمواطنات هو التزام من طرف الدولة اتجاه مواطنيها باعتبارها المسؤولة عليهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بناء على المبادئ الكونية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها، وكذا على مجموع التشريعات الوطنية المتعلقة بهذا المجال..الخ. لكن المفارقة أن الاختيارات السياسية في ميدان القطاعات الاجتماعية كانت تتحكم فيها مبادئ الخوصصة والتقشف والتخلي عن الالتزامات بمبررات عدم قدرة الدول على تحمل أعباء قطاعات غير منتجة، و بسيمفونية تشجيع القطاع الخاص للمساهمة في تطوير المنظومة الصحية، وهي شعارات للدعاية، أما الحقيقة هي خدمة الاستثمار من أجل الربح وتنفيذ السياسات الليبرالية أو لنقل سياسات الفيروس الليبراليي على حد تعبير سمير أمين، الذي جعل من حياة الناس سلعة في سوق نخاسة الرأسمالية المتوحشة بخلفية جشع الربح.
نقول هذا ليس من منطلقات "عدمية" أو شيء من هذا القبيل، بل انتصارا لحقيقة باتت تفقأ أعين الذين نظروا وطبلوا لهذه السياسات قبل أي متتبع عادي لما يتعرض له قطاع الصحة في بلادنا من إجحاف سواء في الجانب المتعلق بالموارد البشرية، أوالتقشف في الميزانية المخصصة له التي لا تتجاوز في العادة عتبة 5% من الميزانية العامة وغياب التجهيزات، ناهيك عن البنية التحتية المهترئة، إلى غير ذلك من المؤشرات المرتبطة بهذا القطاع، فكانت النتيجة ما نراه اليوم من تخبط وارتباك في التعامل مع هذا الوباء الذي صار يهدد حياة الآلاف من المواطنين و المواطنات بدون تمييز، ومن بينهم أولئك الذين كانوا يرون البلاد ليست الآ مجال للاغتناء الفاحش الذي سيضمن لهم العلاج المتكامل خارجه.
ولتأكيد هذا أكثر، نريد الإشارة إلى كيفية تدمير هذا القطاع، وهي إشارة على سبيل المثل لا الحصر كما يقال، لأن الأمثلة في ذلك عديدة، إن قراءة مهما كانت بسيطة لقانون 131.13 ‏المتعلق بمزاولة مهنة الطب الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.15.26 ‏ في 19 ‏فبراير 2015، ستستشف من خلالها بكونه يتضمن في مقتضاته بنود تستهدف الحق في الصحة المبني على معايير التوفير والتمكين والجودة المرتبطة بحق الصحة العمومية للجميع، وذلك بإقرار أحقية الشركات التجارية الاستثمار في قطاع الصحة بدعوى"استراتيجية الانفتاح على القطاع الخاص لإصلاح المنظومة الصحية". وقس على ذلك مجموع التدابير والتشجيعات لفتح المجال أمام الاستثمار البشع في قطاع اجتماعي حيوي حتى صار التباين والتفاوت صارخا ومؤلما بين عموم الفقراء وحفنة من المحظوظين للاستفادة من هذا الحق الذي يجب أن يكون متوفر للجميع وبدون تمييز. فعلا أصبح اليوم أكثر من أي يوم مضى تُثبت صحة الفكرة المدافعة على الاهتمام بالقطاعات العمومية لا خوصصتها وبالتالي المتاجرة فيها، فكانت توصف دوما بالعدمية والتقليدية والخارجة عن الإجماع.
كما أود الإشارة كذلك أن من كثرة ما كان يتردد على مسامعنا - إلى حدود الاحساس ببلوغ درجة الإصابة بالصم أحيانا من كثرة الضجيج- فكرة تكثيف الجهود الجماعية لبلورة خطط جديدة لنموذج تنموي يرفع من قدرات القيم وتوقعاتها حسب تعبير تيد روبرت غير، قد انهارت من أول رجة وبائية تصيبنا، التي نتمنى أن تنتهي قريبا حتى لا تحل ببلادنا كارثة إنسانية لا يستطيع تحملها، لكن في نفس الوقت يتعين أن يتم أخذ درس عميق منها وهو أن لا تنمية حقيقة قادرة على الرفع من قدرات بلادنا إلا بإعادة الاعتبار للقطاعات الاجتماعية والنهوض بها وهي الشغل والصحة والتعليم، بمعنى آخر أن التنمية الحقيقة تقتضي إعداد برامج اقتصادية واجتماعية وطنية ترفع من شأن التعليم العمومي الجيد، والصحة العمومية المتوفرة جودة وتمكينا، وكذلك توفير فرص شغل قارة ومنتجة، لا الترقيع ببرامج منح القروض المغلفة بلغة الدعم والتحفيز الهش، هذا الثلاثي الأساسي إن تم الاهتمام به بسن سياسات وطنية مستقلة حقيقة، حينها فقط يمكن الحديث عن تنمية بشرية في خدمة المواطنين والمواطنات وترفع من شأن الوطن، لأن التنمية لا يمكن أن تتحقق بالشعارات والدعاية لتبيض وتكريس سياسة الواجهة، وتنفيذ السياسات المملات من طرف المؤسسات الدولية الخارجية. كما أن التنمية البشرية تعني الاهتمام بالعناصر الأساسية المرتبطة بحياة الإنسان، أي الاهتمام بتحسين شروط العيش والصحة والتعليم والقضاء على الفقر والبطالة وتحقيق الاندماج الاجتماعي، وفي هذا الصدد فإن تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسنة 1990 عرف التنمية البشرية " بأنها عملية تمكين الناس من أن يكون لهم خيارات أوسع"، وتنشأ عملية التمكين هذه عن طريق توسيع القدرات الإنسانية والطريقة التي يعمل بها الناس، أي ما يفعلونه وما يملكونه، ومبدئيا هناك ثلاث خيارات أساسية:
- أن يحيا الافراد حياة طويلة وخالية من الأمراض.
- أن يحصلوا على قدر معقول من التعليم بحيث اكتساب المعرفة كحق من حقوق الإنسان.
- أن يحصلوا على كل الموارد التي تضمن لهم مستوى معيشي جيد والاستمتاع بالحق في فرص الخلق والإبداع والتمتع بالحريات السياسية وحقوق الانسان المكفولة.
في نفس السياق لا يستطيع أحد أن ينكر بكون المفكر في مجال علم الاقتصاد الاجتماعي أمارتيا صين يعتبر مرجع مهم وأساسي في تحديد مفهوم التنمية وأسسها وأشكالها، وعليه فإن الفكرة الأساسية الكبرى التي تؤطر كتابه "التنمية حرية"، تتأسس على ربط التنمية بالحرية الإنسانية في مختلف أبعادها السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، وفي نفس الوقت يؤكد أن لا حرية دون تنمية متكاملة، حيث يقول بالحرف: "وحري أن ندرك أن الأهمية الجوهرية والأصلية للحرية البشرية باعتبارها الهدف الأسمى للتنمية، فإنني سأركز على فعالية الحرية كوسيلة، وليس كغاية فحسب، ويعني الدور الأدائي للحرية بالطريقة التي تساهم بها الأنواع المختلفة من الحقوق والفرص والصلاحيات لتوسيع نطاق الحرية الإنسانية بعامة، ومن ثم دعم وتعزيز التنمية". بمعنى آخر أنه مهما ارتبطت التنمية بالحريات الأساسية الكبرى مثل الحق في المشاركة السياسة وضمان الديمقراطية في اتخاذ القرارات الآ أنها لا يمكن أن تتعز وتبلغ أهدافها دون توفير الركائز الحقيقية التي تتأسس علها التنمية البشرية والمحددة بالخصوص بالاهتمام بثلاث قطاعات أساسية هي: الصحة والتعليم و الشغل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *