حبشي: بعد اعتقال يوسف أصبنا بهلع وحملت كل كتبي لاخفائها (الحلقة 3)
حبشي: بعد اعتقال يوسف أصبنا بهلع وحملت كل كتبي لاخفائها (الحلقة 3)
مع الرفيق الراحل رشيد نزهري“حكاية معتقل سري”، يحكيها أحمد حبشي، المعتقل السياسي السابق الذي قضى سنوات خلف الأبواب الموصدة للزنازن الباردة في زمن الجمر والرصاص، ضريبة عن مواقفه ومواقف رفاقه في العمل السري، منظمة 23 مارس”، التي سعت للثورة المسلحة، قبل العودة للعمل السياسي العلني.
حبشي الذي يروي قصته في زمن الجمر والرصاص، مثله مثل رفاقه قاوم العزلة وبرودة السجن، وحارب خوف سوط الجلاد وكأبة ظلمة السجن، وصبر على مختلف وسائل التعذيب، “الطيارة” و الشيفون”..، إليكم الحلقة الثالثة من “حكاية معتقل سري”.
بعد التجربة النضالية المجهضة ركز الأستاذ علاقاته على البعض منا ، وكنا أربعة اتضح له أنه يمكنه أن يطلعنا على وثائق التنظيم السري الذي كان ينتمي إليه، وصرنا نلتقي به خارج إطار الفرقة المسرحية ، نتسلم الوثائق ونوزع المناشير ونحضر المظاهرات التي تنظم بدرب السلطان من حين لآخر. حرصنا على أن نخفي هذه العلاقة على باقي أعضاء الفرقة ، غير أنهم سيواجهوننا بها حين احتد النقاش حول مسرحية كتبها جبران، واختلفنا حول نهايتها، وطلبنا منه إدخال تعديل لم يقبله ، سانده في ذلك مخرج الفرقة المرحوم عبد اللطيف نور، فالمسرحية تتناول وافع قرية هاجمها الجفاف ووجدت نفسها معزولة لااحد يأخذ واقعها بالاعتبار. وكلما حولت التمرد على من يدبر شؤونها يتدخل فقيه القرية ليذكرهم بالقبول بالقضاء والقدر . ولم يتغير حالهم إلا بعد مات الفقيه في مشهد درامي مقزز. اختلفنا حول هذا المشهد، حيث رفضنا لأن يكون موت الفقيه هو مدخل تغيير أحوال القرية ، بينما ظل متشبثا بهذه النهاية .
لم يكن هناك مخرج لهذا النقاش إلا بالرجوع لمستجدات الساحة وما يجب التفاعل معه في حينه. فكانت حرب أكتوبر 1973 التي حقق فيها المصريون انتصارا باستعادة صحراء سيناء وطرد المحتل الاسرائيلي منها ، أصبح الشارع المغربي مشغولا بالحرب التي توقفت دون أن تواصل المعركة من أجل تحرير باقي الأراضي المغتصبة واسترجاع كل أرض فلسطين .
كان السؤال الذي شغل الناس هو لماذا توقفت الحرب؟ فقررنا أن نعد مسرحية تناقش الموضوع انطلاقا من محاور تم تحديدها من خلال بسط العديد من الجوانب . اقترح يوسف أن يكتب الفصل الأول من المسرحية يعرض ما تداوله الناس في المدينة ، في حين كلف جبران بكتابة الفصل الثاني حول تفاعل الناس في البادية مع تبعات الحرب وما خلفته من حماس لدى عموم المواطنين .بعد يومين كانت مسرحية ” حرب كيبور”جاهزة ، غير أنه والفرقة تستعد لإعداد العرض ، أثير من جديد الخلاف حول موت الفقيه في نهاية المسرحية التي كتبها جبران ، وبدأ التلميح إلى ارتباطنا أنا ويوسف بجهة سياسية ما.
فكان رد فعلي أن أعلنت تجميد عضويتي بالفرقة وكذلك فعل يوسف. كان تلك نهاية علاقتي بالمسرح كممارسة وفعل مباشر. بينما اتصل يوسف بفرقة “المسرح الباسم” وعرض عليهم فكرة المسرحية حول الحرب ، فاختاروا لها عنوان ” الكيرة” بعد أن كتب محمد شفيق السحيمي الفصل الخاص بالبادية وتم عرضها بالمسرح البلدي بالدارالبيضاء في يونيو 1974 . فعلا كان تفاعل الجمهور كبيرا ، كانت القاعة غاصة عن آخرها والسؤال الكبير يتداول في كل زاوية بعد نهاية العرض . لماذا توقفت الحرب؟؟؟
وعلى إثر عرض المسرحية اعتقل يوسف فاضل وسيقضي مدة شهر في معتقل درب مولاي الشريف ثم سيفرج عنه دون محاكمة. وقد اتضح من خلال التحقيق معه أن سبب اعتقاله لا علاقة له بارتباطه بالتنظيم السري الذي أصبحنا رفاقا في خلاياه. بل كان عليه أن يكشف عن الجهة التي ساعدته أو طلبت منه أن يكتب المسرحية
بعد اعتقال يوسف أصبنا بهلع شديد ، حملت كل كتبي لاخفائها ببيت حميد نجاح ، وحرصت على أن أقلل من اتصالاتي.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق