أبرز عمليات الهروب من السجون المغربية “الكاب 1″المعتقل السري دار المقري
“النقطة الثابتة 3”
“النقطة الثابتة 3” هو الاسم الذي كان عملاء جهاز “الكاب 1″ يطلقونه على المعتقل السري دار المقري، في تقاريرهم ومذكراتهم ومراسلاتهم. بعد موت الجنرال محمد أوفقير كان يشرف عليه رجالات الجنرال أحمد الدليمي. وقد زج في دهاليزه بالمختفي قسرا والمجهول المصير الحسين المانوزي، وأيضا العسكريين اعبابو وشلاط ومزيرق وعقا، الذين شاركوا في الانقلاب الأول بقصر الصخيرات، والإخوان بوريكات وأحمد بنجلون وكل مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية و”التنظيم السري”.
استغرب ضيوف دار المقري لتغيير مفاجئ طرأ على حين غرة بعد الزج بالحسين المانوزي في معتقل “النقطة الثابتة 3″، إذ تم تخفيف الحراسة بشكل لافت للنظر وغير مفهوم، مما أثار شكوك بعض المعتقلين، ومنهم مدحت بوريكات، الذي أخبر رفاقه في المحنة مرارا وتكرارا قائلا ربما الدليمي وزبانيته يدبرون شيئا مبيتا ما. خلافا للعادة المعتمدة بدأ الحراس يتعمدون ترك أبواب الزنازن وغض الطرف عن تواصل المعتقلين.
بعد أيام، أخبر الحراس المعتقلين العسكريين (المقدم اعبابو ومريزق والنقيب الشلاط وعقا) أن الإخوان بوريكات الثلاثة سيطلق سراحهم، بينما الآخرون سيلتحقون بأصحابهم الجنود في معتقل تحت الأرض، بعيدا عن النظر والسمع. وقد اعتقد أحد إخوة بوريكات أن القائمين على المعتقل السري يريدون أن يدبر المختطفون عملية هروب ثم يتربصوا بهم ويلحقون بهم لتصفيتهم خارج المعتقل أو في مكان خلاء بعيدا عن الأنظار. حينها كان حي السويسي، حيث يوجد المعتقل السري، أرضا خلاء.
في أحد الأيام فتحت الزنازن لإحضار وجبة الفطور… اتجه مدحت بوريكات إلى المرحاض، فوجد المانوزي وعقا ومعهما الشلاط، فقال له هذا الأخير: “هذه الليلة سننفذ العملية”، التفت مدحت نحو المانوزي، فأحنى رأسه، وقال: “ماذا تقولون… إنه عبث”، فكان الجواب: “هل ستهرب معنا أنت وأخويك؟”، فنفى نفيا قاطعا.
كان موعد الإفطار حوالي الثامنة أو الثامنة والنصف يتزامن مع تغيير حراس الليل، ويأتي آخرون يتكلفون بالحراسة خلال النهار.
تجاذب مدحت بوريكات أطراف الحديث مع الكولونيل اعبابو، حيث قال الأول: “هل تظن أن عملية الهروب ستنجح؟”. رد عليه الآخر: “أنا محكوم بعشرين سنة حبسا، وهل تظن أنني سأصبر على البقاء هنا طيلة هذه المدة… وعقا والشلاط محكوم عليهما بالمؤبد ومزيرق بخمسة عشر سنة سجنا والمانوزي بالإعدام… بينما أنتم لم يصدر في حقكم أي حكم”. فرد مدحت: “نحن مشكلتنا أعوص، أما أنتم فقد تم تقديمكم للعدالة علانية ويعرف الجميع قصتكم، والجلسات علنية وكانت تزوركم عائلاتكم… أما نحن فيمكنهم تصفيتنا دون أن يهتم أحد بمصيرنا”. ثم أضاف: “نحن نتفق على الهروب، لكن لابد من التفكير جيدا في العملية، نحن لدينا المال الكافي وعلاقات يمكن أن نستثمرها للحصول على المساعدة والوثائق وأمور أخرى، ولابد من دراسة الخطة جيدا، لذا عليكم إمهالنا بعض الوقت لترتيب الأمور”.
في شهر يوليوز 1975، حلق المعتقلون، باستثناء الأخوين بوريكات، ذقونهم وغيروا ملابسهم على غير عادتهم… لاحظ علي بوريكات الأمر وقال لشقيقه مدحت: “أنظر إليهم إنهم جميعا حلقوا رؤوسهم واغتسلوا، ربما في الأمر سر ما…”.
في اليوم الثامن من نفس الشهر الذي صادف الاحتفال بعيد الشباب، والملك حينها في مراكش كانت الحراسة خفيفة، ولا يتواجد إلا القليل من الحراس.
وبعد منتصف النهار فتحت الزنازن بعد الغذاء، وتركت مفتوحة، وذهب مدحت للحديث مع المجموعة التي كانت تقاطع الشقيقين علي وبايزيد.. وقالوا له إنهم لن يهربوا وإنهم حلقوا للنظافة ليس إلا.
حضر الحراس الجدد حوالي الساعة السابعة مساء، فقدموا طعام العشاء، وقال أحدهم: “اغسلوا صحونكم… وفي انتظارذلك سأؤدي الصلاة … سأغلق أبواب الزنازن عليكم وسأفتحها في ما بعد” ولم يكن من المعتاد القيام بذلك.
همّ الحارس بإغلاق باب الزنزانة، فانقض عليه الشلاط وأسقطه أرضا ونزع سلاحه وكبّله بالأصفاد، وأدخله إلى الزنزانة… كان هناك ثلاثة حراس، كان الثاني يتجه نحو زنزانة علي وبايزيد لإغلاقها، فأسقطه مزيرق وعقا معا، فيما تكلف المانوزي بوضع الأصفاد في يديه، أما رئيسهم فكان في الساحة.
كان لدى الحراس ثلاثة أصفاد في الغالب، ورغم أنهم كانوا يرتدون “الجلاليب” إلا أنهم كانوا يتعمدون إظهار المسدسات التي يخبئونها تحت الجلباب، وكانت هناك غرفة صغيرة يجلسون فيها وبها يضعون أسلحتهم، وذهب اعبابو إليها وأحضر رشاشا سلمه لعقا ومسدسا، ثم أغلقوا الزنازن على الحارسين، وحاز مزيرق مسدس أحد الحراس وكذلك مسدسا آخر أخذه المانوزي، ثم اتجهوا نحو السور الخارجي لتسلقه بعض إحضار طاولة وكرسي، فحاول مدحت العودة إلى الزنزانة لكن عقا أمسكه بشدة وأرغمه على القفز خارج المعتقل، واتجهوا صوب منطقة خلاء قاصدين سد عين عودة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق