☆☆☆☆مذكرات لاجئ☆☆☆☆ الفقرة_العاشرة(10)أحمد الغزالي
☆☆☆☆مذكرات لاجئ☆☆☆☆
الفقرة_العاشرة(10)
هنا في مقهى الحديقة بالضهرة، قبالة المحطة الطرقية أشرب قهوتي المعتادة كل مساء، أقابل بعض الأصدقاء المغاربة محمد الألمنيوم، ومصطفى السكرتير، وأحمد الميكانيكي ومحمد حاجي الزلايجي، وعبد العالي الصباغ، ومصطفى مهندس التبريد، وهم من الحرفيين الذين تحولوا إلى مقاولين صغار في إختصاصاتهم المهنية، نتحدث عن أوضاعنا في ليبيا، وننتقل إلى الوضع الداخلي في المغرب كل يوم وبشكل دائم، هناك من يتحدث بواقعية ومعرفة دقيقة بالأوضاع السياسية والإقتصادية، مثل مصطفى ذو الثقافة الواسعة، وهناك من يتحدث عن بطولاته ومغامراته المهنية مثل محمد ألمينيوم، وهناك من يتحدث عن تصوراته الدينية الإخونجية مثل المهندس مصطفى، وهناك من يتابع في صمت وتأمل مثل عبد العالي الصباغ.
هذه هي ليبيا، بالرغم من أن الزعيم الليبي الراحل كانت له أخطاء سياسية داخلية كثيرة ومتعددة، بما فيها تصفية المعارضة السياسية وقمعها، وتجريم الأحزاب السياسية والتنظيمات، وحل الجيش الليبي بعد إنهزامه في حرب تشاد، واستبداله بكتائب عسكرية خاصة به، يترأسها أبناؤه والمقربين منه، وبالرغم من أن تدخلات أبنائه بشكل غير قانوني ومتهور في بعض المجالات، كان عاملا رئيسيا في توسيع الرقعة المظلمة لنظام أبو منيار، إلا أننا كأجانب نعيش بكرامة لن نشم رائحتها في وطننا الأم، فرص الشغل متوفرة، والإمكانيات المادية والمعنوية متاحة، لكل من له تكوين مهني.
بالرغم من الفوارق الطبقية التي كانت تزداد إتساعا سنة بعد سنة، بين صفوف المواطنين، والتوزيع الغير عادل للثروة كان واضحا، ولاتخطئه العين، إلا أن الفقير في ليبيا كان يعيش حياة كريمة، وهي تعادل حياة الإنسان الأروبي على مستوى الغذاء والدواء والسكن والخدمات، وتعادل حياة البرجوازية الصغيرة في بلدان شمال إفريقيا، وذلك بسبب برنامج سياسي محكم، يتمثل في الجمعيات التموينية، وصندوق الضمان الإجتماعي، الذي لم يخطئ مواطنا فقيرا أو عاجزا أو بدون شغل دون أن يدفع له مرتبا شهريا، يؤمن العيش الكريم، ومع ذلك نعتبر نظام القذافي لم يكن موفقا في سياسته الداخلية إذا إعتبرنا أن الثروة الليبية الرهيبة كانت لتوظف بشكل أفضل في الإستثمار أولا في بناء الإنسان عبر برنامج تعليمي و طبي وإقتصادي مهم وبناء المصانع الإنتاجية والغذائية، وهذا ما لم يحدث بالشكل المطلوب. ولكننا كأجانب لم نكن معنيين بتلك الفوارق الإجتماعية التي لم تكن رقعتها شاسعة إلى حد ما مثل بلادنا، حيث كل حرفي قادر على إستئجار بيت وشراء سيارة، وتوفير بعض الأموال لإستثمارها مستقبلا أثناء عودته النهائية لبلاده.
كان نظام معمر القذافي رغم إشمئزازي منه كمواطن أجنبي، من أهم وأحسن الأنظمة العربية، وأشجعها في مجال السياسة الخارجية، والتعاطي مع الدول الإستكبارية بندية كبيرة، وقد عمد نظامه إلى سياسة المعاملة بالمثل مع دول العالم، وخصوصا مع دول أوروبا والولايات المتحدة، وكانت سياسة فعالة، بحيث أي دولة تفرض الفيزا على الليبيين أو تعتدي على ليبي أو تصدر أي قرار مهما كان نوعه وحجمه، كان يتعامل معها بالمثل، ولذلك لم تفرض بلدان العالم وتحديدا أوروبا والولايات المتحدة قانون التأشيرة على الليبيين أو المقيمين على أراضيها، وهنا لابد من الإشارة إلى أمرين مهمين:
الأمر الأول هو أن النفط والغاز الليبيين، كان يتحكم فيه بشكل عقلاني تطبعه الحكمة ويعتبره جرء من السيادة، حيث كانت الشركات النفطية في ليبيا تشتغل مثلها مثل شركات البناء، مقابل إمكانياتها وخدماتها وبكيفية تفضيلية وتشجيعية.
تلك السياسة الخارجية لنظام معمر القذافي كانت تشعرني بالفخر، رغم أنها لم تستطع أن تمسح إشمئزازي من سياسته الداخلية حيث دبح المعارضة عبر جهاز إستخباراتي دموي كان يسمى (جهاز التصفية). كان جهازا متوحشا قد ينتقم من أي شخص لمجرد الإشتباه به.
الأمر الثاني: وهو إجبار أيطاليا على الإعتذار الرسمي لليبيا في شخص برلسكوني، وهو ينحني لتقبيل يد معمر القذافي، بحضور إبن قائد الكفاح المسلح الشهيد عمر المختار. بسبب الإحتلال الإيطالي، وهو ما لم يفعله أي نظام سياسي عربي، رغم أنه إعتراف شكلي، وغير مرفق بالتعويض، إلا أن ليبيا كبلد غني سعت إلى معانى الإعتذار في رمزيته المعنوية للشعب الليبي، دون النظر إلى التعويض، ما يهمها هو الإعتراف والإعتذار وإنزال الدولة الإستعمارية من برجها، مع الإعفاء من التعويض، وهو ما جف ريق النظام الجزائري من أجله دون جدوى، مع الدولة الإستعمارية الفرنسية، وهو مالم يسعى إليه النظام الملكي في المغرب.
بقدر ماكان موقفي الغير معلن من نظام معمر القذافي، في تطوراته السلبية اتجاه الأجانب، الذين نشطوا الإقتصاد الليبي في مرحلة الحصار الأمريكي على خلفية حادثة طائرة لوكربي، والذي تطور بشكل مخزي بإصدار قوانين مجحفة في حق العمال الأجانب، تلك القوانين التي تشابه القوانين والتشريعات الخليجية، إلا أنني لم أكن مقتنعا بما حدث لنظام معمر القذافي، فسقوطه لم يكن بسبب ثورة شعبية مسلحة، ولكنه كان تصفية لزعيم ضايق أوروبا وتحديدا فرنسا في مصالحها الإفريقية، حيث أن معمر القذافي رصد جزء مهم من أموال ليبيا لتنمية القارة الأفريقية ووحدتها، فرصد لهذا المشروع 92 مليار دولار أمريكي
لكن تلك الأموال وتلك المشاريع إستنهضت الوحش الأمبريالي الإستعماري المستنزف الثروات الإفريقية، وفي مقدمته الديك الفرنسي الذي ينهب 144 مليار أورو كل سنة من إفريقيا.
قررت فرنسا في شخص ساركوزي الحرب على نظام معمر القذافي، وحشدت الأوربيين بمباركة للكيان الصهيوني والعم سام، وتلك كانت الفرصة الذهبية لأوروبا لتحييد عدوها اللدود، وفرصة لأمريكا لظم النفط والغاز الليبي إلى قائمة إفتراسها، وسياستها الإستكبارية التوسعية في السيطرة على مصادر الطاقة العالمية، لقطع الطريق على الكيانات المنافسة كالإتحاد الأوروبي والصين وروسيا...
يتبع
أحمد الغزالي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق