الرفيق عمر الفحلي .. في ذكرى رحيلك .. وحضورك ... الرفيق عبد الغني القباج
الرفيق عمر الفحلي .. في ذكرى رحيلك .. وحضورك ... الرفيق عبد الغني القباج
****************************************
في ذكرى رحيلك الثالثة، افتقدت وافتقد النضال اليساري جزء من ثروة معرفية ممانعة، صهرت أفكارك من تجارب ملموس لا ينضب معينه. فقدنا إنسانا مناضلاً شيوعياً كرس حياته ووقته لتغيير الواقع المأساوي الذي يعيشه الفقـراء والكادحين في سيد الزوين و في الوطن. وطن لم يَـبْـقَ لنا منه سوى مناهضة الاستبداد والسلطوية والتبعية والامبريالية. كنت مناضلا فذا منذ التحاقك بتجربة إعادة بناء "يسار 23 مارس" الذي وضع أسسه الجديدة جبيهة رحال، وحفيظ لحبابي، ومحمد العيساوي، وأحمد راكيز وآخرين، وعبد الغني القباج، عبد الإله بنعبد السلام، والفقيد حسن البوطي العلمي، وفتاح بوقورو، والاخوين مصطفى وحسن وهبي ومحمد غاندي وع.الله العمراني وآخرين سنة 1979... وأول مهمة اشـتغـلت عليها، ياعمر، إنجاز تحقيق على أوضاع عمال مناجم قطارة، نشرناه في نشرة "يسار 23 مارس" الماركسية اللينينية.. كما ساهم في عدد نشرة "23 مارس" خُصِّصَ لانتفاضة يونيه 1981، بنص حول وأخبار عن الانتفاضة.
بدءً من ثالث أسبوع من يناير إلى منتصف ماي 1984، شن النظام السياسي حملة اعتقال طالت مناضلين ماركسيين لينينيين من منظمتي "23 مارس" و"إلى الأمام"، ويساريين راديكاليين .. وطال الاعتقال الرفيق عمر الفحلي.. في مراكش، ليتعرض لتعذيب همجي في فيلا "الـدي.س.تي، بـ"گيليز" مراكش.. ليُنـْقَـلَ عمر، هو و4 رفاق، يوم 27 أبريل 1984، إلى درب م. الشريف، ليتواصل التعذيب الوحشي..
في 7 ماي كان يوم بئيس في التعذيب، حيث خضع الرفيق عمر لمختلف أساليبه .. ولما أعاده الجلادون لزنزانتنا كان فاقدا للوعي، مسنودا على حارسين من حراس المعتقل السري الدرب. بالكاد كان يتنفس، وهو مُمَدَّدُ فوق مهد، (Lit de camp).. نسمع نفسه المخنوق .. يملؤنا الخوف والغضب، نتحدى .. نحاول إنعاشه. في اليوم التالي، عندما أفقنا صباحا من آلام التعذيب.. فرحنا بعـودة عمر للحياة والابتسام والاستهزاء من التعذيب الذي لم ينل من صمودنا .. في ذلك اليوم ونحن مبتهجين في قلب آلام التعذيب.. كان ليله هادئاً ، وَجَّهَ الرفيق فـتاح كلمة مازحة لعمر كي نكـسر كآبة المكان .. سمعه أحد الحراس .. كان حارسا خسيسا وغدا نذلا سافلا .. دخل زنزانتنا وأمر الرفيق فتاح أن ينهض .. اخذه لردهة الدرب .. وبدأ في جلده بزنار دراجة نارية (courroie de motocyclette) على الظهر.. و فتاح يحتج ويصرخ ..
في ليلة اليوم الموالي، وكان يوم أحد، كبار الجلادين في عطلة.. وحارسنا متعاطف معنا .. كنا نطلق اسم "الجبلي" .. وتلك حكاية أخرى.. في ليلة ذلك اليوم غَنّى لنا الرفيق عمر أغنية "خربوشة" :
والأيام الأيام أيام القهرة والظلام
فينك يا عويسة وفين الشان والمرشان
شحالْ غيرتِ من اعباد
شحال صفيتي من اسْياد
...
حْرَگْتِ الغلة وسْبِيتِي لـَكْسِيبَة
وسَگـْـتِي النّْسَا كِيفْ لَنْعَامْ
أوُ يَـتَّـمْتِ الصَّبْـيَـانْ بَالـْـعَـرَّامْ
سِيرْ أعِيسَى بَنْ عُـمَـرْ أَ وَكَّـالْ الجذـِـيفَة
يَا قَـتـَّالْ خّـُــوتُـو أوُمْحَـلـَّـلْ لَـحْرَامْ
في واقع "سيد الزوين" نشأ الرفيق عمر .. ومن واقع الإقصاء والفقر اصبح عمر مناضلا ماركسيا، وهو الحافظ للقرآن في مدرسة سيد الزوين القرآنية.. وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية، انتقل إلى مراكش، ليتابع دراسته في ثانوية "دار البارود".. كان يسكن غرفة فقيرة مع بعض التلاميذ الفقراء. شارك التلميذ عمر في مظاهرات تلاميذ مراكش، مظاهرة بدأها طلاب ثانوية "دار البارود" للتنديد بحكام هزيمة 5 يونيوه 1967.. واكتسب وعيه النضالي اليساري مع طلبة كانوا ينتمون للاتحاد الوطني للقوات الشعبية. واكب نشأة تنظيمات "الحركة الماركسية اللينينية المغربية" لتجاوز انتظارية الأحزاب اليسارية الوطنية... كما ساهم، بعد تخرجه وممارسته كأستاذا لمادة التاريخ والجغرافية، في عدة جمعيات ثقافية ومسرحية.. آخرها "جمعية الهدف الثقافية"، بمراكش، التي كانت مشتلا للثقافة التقدمية الثورية.
بعد خروجه من السجن في منتصف غشت 1991، بعد اعتقال دام 7 سنوات وأربعة أشهر، ساهم في صيرورة توحيد اليسارين الراديكالين وانتمى إلى "الحركة من أجل الديمقراطية".. كما ساهم في صيرورة وحدة مكونات اليسار التي أسست "اليسار الاشتراكي الموحد"، ولم يفارقه وعيه النقدي لأوضاع اليسار الراديكالي. ألف قبل رحيله عالم آخر مجموعة قصص ، ورواية ،
رفيقي عمر الفحلي ...
نلتقي في زيارتي المقبلة.
زيارة أرَدْتَهَا في مقبرة "لهراويين"...
نلتقي ما دمنا... نلتقي في معاناة الكادحين وأفكار رفاق ورفيقات راديكاليين...
والذاكرة تفيض بفضاءات... أشجار وطرق وجدران وأبواب الزنازين وفرقعات المفاتيح الغليظة في ثقوب أقفال أبوابها...
هل تتذكر؟... أراك اليوم كجبل يختزن معاناة الحياة منذ صباك
معاناة تُخْـفِيها في ملامحك بفرح الأطفال..
تُخفي آلامك النفسية أو غضبك من ممارسة تضايقك.
لا تهمك معاناتك .. لأنك تحمل هموم الآخرين...
قرأت نص "العبادلة...
رغم غرابة عنوان قصة "العبادلة"، التي اصبحت رواية.. كأنك تتوسل إلى ماضيك في قرية سيد الزوين لمقاومة بقايا فظاعات فيلا "الدي إست تي" بمراكش و "الدرب" والسجون...
لم يفارقك الحنين إلى الماضي، ليس السكن فيه، بل لإعادة صياغته صياغط جديدة، كي يتوافق مع حلم ثورة الكادحين و"الدراويش الذين يبحثون عن الحقيقة"، مسرحية مصطفى العقاد التي كنت تساهم في مسرحتها مع رفيقنا الكاتي ...
وبالعودة إلى قرية "العبادلة"، التي ترمز إلى قرية سيد الزوين... تستعيد حياة القرية البسيطة والعنيفة. حياة القرية .. شجر الزيتون .. وشخوص واقعية متخيلة .. وقرية تعيش وتتجسس على علاقة حب بين أحمد ورابحة وتراقب فقرها.
****
ياعمر .. أنت تعرف أننا نحمل معنا أحلاما مراقبة .. موقوفة التنفيذ ..
لا يمكن أن يفهمها من لم تعرف حياته الاختطاف والسجن حيث حرية الأفكار التي تتفجر في وعي السجين... أفكار ترهب الحاكم والجلاد ...
والحاكم والجلاد لم يستطيعا اختطاف وسجن هذه الأفكار...
الأفكار لا تُسْجَن...
الأفكار تغادر السجن كأشباح تُـفـْـلِـتُ من بين قضبان وشقوق جدران الزنازين. لترهب أعداء الكادحين والفقراء ...
هل تذكر الزنزانة رقم 7؟ .. زنزانة طلاؤها أبيض .. فضاء للحوار.
اللون الأبيض لجدران الزنزانة يعطي الوهم بأن فضاءها كبير...
نعيش في وهم لحظات صغيرة من الحرية...
كان زمن السجن لحظات ألم تتحول إلى فرح لإغاظة الحكام والسجان ..
لحظات إغلاق السجن .. و فرقعة المفاتيح في الأقفال.
تذكرنا جلبة السجن بوطن سجين ..
صياح السجناء
أوامر الحراس
فرقعة وطقطقة المفاتيح الكبيرة في أقفال أبواب الزنازين...
تذكرنا بسلاسل الاعتقال
سكنت رؤوسنا و وعي الفقراء رغم أن لا شيء يخسروه إن ثاروا سوى أغلالهم...
يا عمر رفيقي الغالي المناضل الفذ، في زمن التفاهة واستقالة أغلب ما اعتبرناهم مفكرين وقادة ديمقراطيين او "يساريين"، وآخرين التحاقوا بجوقة المخزن لتحسين صورة نظام الاستبداد...
لكننا يا رفيقي عمر صممنا على السير في درب اليسار الراديكالي كما حدده ماركس لتحقيق ما كنت تحلم به وتعمل لأجله .. سيأتي اليوم، عشنا أم رحلنا، يثور كادحي وكادحات بلادنا من أجل مجتمع وعالم بلا طبقات...
لك الخلود والوفاء ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق