جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غازي الصوراني - باختصار ...عن الحالة الثقافية في فلسطين :-

 غازي الصوراني - باختصار ...عن الحالة الثقافية في فلسطين :-

مع اقرارنا باستمرار تراكم عوامل الأزمة الشمولية أو البنيوية بأبعادها التاريخية ، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في بلادنا ، فإن تشخيص أزمة الثقافة الفلسطينية –كجزء عضوي من الثقافة العربية- لا يعدو أن يكون توصيفا لوجه من وجوه تلك الأزمة ، وهو وجه لم يكن قادرا ، طوال التاريخ الحديث والمعاصر –عبر هياكله وشخوصه- على تفعيل أدواته الثقافية أو المعرفية تفعيلا رائدا رئيسا في السياق التحرري والنهضوي إن على الصعيد القطري أو على الصعيد القومي العام . فالفجوة تزداد اتساعا بين المثقف والواقع ، بحيث يتبدى أن المثقف في واد والواقع في واد آخر .
وقد نتفق على أن هذا المشهد الثقافي المأزوم يعود الى عوامل موضوعية ترتبط بعملية التطور الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي الأبوية المشوهة لمجتمعاتنا العربية ، التي رسخت –عبر الأنظمة أو المؤسسة الحاكمة- مفاهيم وأدوات السيطرة والاستبداد والخضوع في سياق إعادة إنتاج التخلف والتبعية التي دفعت بدورها الى مزيد من التهميش والفقر والحرمان لجماهيرنا ، ومزيد من التفتت والنزعات المدمرة ذات الطابع العصبوي العشائري والحمائلي والفئوي والطائفي وغير ذلك من العصبيات الموروثة والمستحدثة بمختلف أشكالها وأجهزتها .
هذه العوامل الموضوعية ، لم تكن معزولة عن أدواتها أو روافعها الذاتية المتمثلة في أولئك المثقفين الذين صاغتهم الأنظمة أو المؤسسة الحاكمة أو بلدان المراكز الرأسمالية ، لتبرير الوضع القائم وإضفاء شكلا باهتا من الشرعية السياسية أو الأيديولوجية عليه ، في سياق ثقافة السيطرة والخضوع والتطبيع ، التي أصبحت تبرر ثقافة السلطة بديلا لسلطة الثقافة ، انسجاما مع مفهوم دولة السلطة الذي ترسخ في بلادنا خلال السبع سنوات العجاف الماضية بديلا لمفهوم سلطة الدولة.
وبالرغم من هذا المشهد المأزوم ، فإننا لا يمكن أن نتجاهل رؤية جماهيرنا الشعبية - في الوطن والشتات-عبر وعيها العفوي وهمومها اليومية ، لجوانب هذا المشهد وضغوطاته وتأثيراته السلبية والايجابية عليها ، فهذه الجماهير –أولا واخيرا- هي التي دفعت وتدفع الثمن الباهظ جدا لكل نتائج هذا المشهد أو المسار الراهن للسلطة في بلادنا –كما للنظام العربي برمته- سواء على صعيد المقاومة والمجابهة أو على صعيد التفكك والإحباط الاجتماعي والسياسي الداخلي ، هذه الثنائية المتناقضة أو المفارقة هي ولا شك ، ناتجه عن الظروف التي عايشتها جماهيرنا الشعبية –منذ بداية القرن العشرين الى يومنا هذا ، في صراعها ومجابهتها الشجاعة للعدو الصهيوني والقوى الاستعمارية والإمبريالية من جهة وفي خضوعها لنظام القهر الطبقي والاستبداد والتخلف الداخلي من جهة أخرى .
فالظروف التي سادت طوال السنوات الماضية ، وفي ظل سيطرة أجهزة أو دولة السلطة –بديلا لسلطة الدولة- لاحظنا وعايشنا كثيرا من مظاهر الهبوط والتراجع السياسي والثقافي والمجتمعي حيث بات ممكنا ، تفكك الكل الى أجزاء ، فاصبح الانتماء الجهوي بديلا عن المواطنة ، في مناخ عام تسوده روح الإحباط والنفاق والثقافة الهابطة بديلا لروح المقاومة والشجاعة وثقافة المقاومة والتغيير ، فقد استطاعت هذه السلطة الفردية المحكومة بمصالح وآليات البيروقراطية المتحالفة مع الشرائح الرأسمالية الطفيلية والكمومبرادورية وكبار الملاك من أصحاب الثروات القديمة والمستحدثة ، أن ترد المجتمع الفلسطيني –في معظمه- الى وضع الرعية المستسلمة أو الخاضعة أو المستفيدة ، وهو وضع لا ينتج سوى مجتمعا مسكونا بالذل أو الإحباط أو القلق ، لا سياسة ولا ثقافة فيه سوى سياسة التطبيع وثقافة الأجهزة ورموز التخلف العائلي والحمائلي والجهوي والمناطقي التي مهدت لبدايات انقسام مجتمعي عميق وكريه بتفريعاته أو عناوينه المتباينة –الخافتة أو المستترة حتى اللحظة- تتوزع بين لاجئ ومواطن وعائد ومقيم في إطار الانقسام الاجتماعي الداخلي الخطير الذي يتناول الحديث عن مجتمع في الضفة وآخر في قطاع غزة.
في هذه الأحوال السياسية والمجتمعية والثقافية الهابطة وبسبب ضغوطاتها ، أصبح مجتمعنا خلال سنوات الانقسام في حالة كاد الحلم فيها أن يغيب ، حينما اختلط فيها المعلوم بالمجهول بسبب عمق ضبابية الحاضر وغياب الرؤية والوضوح لمعالم المستقبل وهي حالة لا نعتقد أن شعبنا سبق له أن عاش مثلها في كل تاريخه الحديث والمعاصر .
أيضا وفي ظل هذه الأحوال ، أصبحت مفاهيم الانفتاح والليبرالية –لدى النخبة- مقبولة وجائزة ومرحبا بها في عالم ثقافة السلام التي تروج لها بعض المنظمات غير الحكومية ، كما في عالم الاقتصاد والسوق .
ولكن رغم كل ضغوطات هذا المسار أو الرسم البياني الهابط طوال السنوات المنصرمة ، ورغم اتساع الهوة بين شعبنا من جهة وقيادته في السلطة من جهة أخرى ، لم يفقد هذا الشعب وعيه الوطني العفوي ، ولم يستسلم رغم كل مظاهر الإحباط واليأس من حوله ، واستطاع التعبير عن كوامنه الداخلية بصور ووسائل مختلفة ، تراوحت بين النكتة السياسية والحديث عن رموز الفساد وتداول المنشور السري ، وكان كل ذلك مظهرا من مظاهر الثقافة الشعبية في قاع المجتمع في مواجهة ثقافة السلطة وممارساتها .
ومع تفاقم أزمة التسوية السياسية ووصولها الى المأزق الذي تفجر عبر انتفاضة أيلول 2000 ، برز دور جماهيرنا الشعبية الكادحة في التصدي للعدوان الصهيوني وفي التمسك والثبات والتضحية دفاعا عن المشروع الوطني الفلسطيني ، هذه الجماهير التي أكدت من جديد على وحدة الأرض والشعب والقضية كقاعدة مادية للفكرة التوحيدية لثقافة المقاومة المرتبطة حاضرا ومستقبلا بالثقافة القومية وركائزها الفكرية التوحيدية ، كمناخ عام ، أو صحوة ، أو وعي جديد بضرورة خلق المسار النقيض لمسار ما قبل الانتفاضة ، ليس في الإطار السياسي-الاجتماعي الفلسطيني فحسب ، وإنما في الإطار السياسي-الاجتماعي العربي المحيط ، فاعتمادا على هذا المناخ الذي ولدته انتفاضة جماهيرنا الشعبية الفلسطينية ، يجب التوقف أمام منعطفاته ومدياته المستقبلية بهدف المزيد من الفعل المقاوم في مواجهة العدو الصهيوني من جهة ، وباتجاه تغيير الأوضاع الداخلية الهابطة من جهة أخرى ، وكذلك المزيد من إعمال العقل السياسي في المتابعة المثابرة لكافة التفاصيل والمعطيات والعوامل الداخلية والخارجية ، للتوقف الواعي واعادة النظر فيما يجري لمحاولة الوصول الى المعادلات الجديدة التي يجب أن نقوم بصياغتها وفق المتغيرات المتسارعة والبطيئة من حولنا ، لكي نحول دون الجمود أو التسيب ، ولكي نحدد الصيغ والعلاقات بين ما هو خاص أو قطري ، وبين ما هو عام أو قومي ، حيث نمتلك الوضوح في كيفية التصرف تجاه الواقع المتغير ، فالانتفاضة بما هي عليه ، خلقت مناخا وجسرا لنا نحو تفعيل وترسيخ أهدافنا الوطنية الديمقراطية ، بمثل ما خلقت مناخا وجسرا للسلطة الفلسطينية نحو أهداف أو غايات لا تتطابق مع أهدافنا بأي صورة من الصور ، رغم تقاطعها في هذا الجانب أو ذاك ، وهنا تتبدى أهمية دورنا ، وعبء مسئوليتنا في استمرار ثقافة المقاومة والفكرة التوحيدية التي طرحتها الانتفاضة ، ببعديها الفلسطيني والعربي حقا ، بما يحول دون ان تتحول الانتفاضة الى حلقة مغلقة من حلقات نضال شعبنا لا يمكنها ان تتصل أو تتواصل مع ما بعدها من حلقات وذلك يحتم علينا إدراك حجم هذه المسئولية ، وادراك طبيعة ذلك الدور المستند الى رفض الاستسلام لهذا الواقع ، والبحث عن عوامل النهوض للقوة الجماهيرية الفلسطينية والعربية ، واعادة الاعتبار للعمل السياسي المنظم الذي يحفز الجماهير الشعبية للاهتمام والتفاعل بالقضايا الوطنية والمجتمعية العامة في إطار متداخل وموحد ، وكذلك العمل على اعادة الاعتبار للفكر القومي العربي في صيغته المتجددة المتوافقة مع متطلبات العصر الجديد الراهن ، وذلك كله مرهون بدور جبهتنا في إعادة وصل ما انقطع في علاقة السياسة بالثقافة ، بمعنى التفاعل بين الوعي الطليعي والوعي العفوي بما يتيح إنتاج عمل معرفي سياسي ثقافي مرتبط بصورة مباشرة بالواقع المعاش ، يملك القدرة على فهم واستيعاب وتغيير هذا الواقع دون الرضوخ لسوداويته أو تعقيداته التي تعمقت خلال السبع سنوات الماضية ، بحيث بات أحد أهم اوجه أزمة ثقافتنا الراهنة يتمثل في غياب الدور الاستراتيجي الفعال لأحزاب التيار الديمقراطي عموما ، وجبهتنا بصورة خاصة في ممارسة الوعي –المتجدد والمعاصر- الثقافي والأيديولوجي ، ومن ثم السياسي والاقتصادي والاجتماعي للجماهير ، عبر دور مركزي ريادي يحدد مسيرة ومسار الحركة الجماهيرية والنقابات والمنظمات الأهلية غير المرتبطة ببرامج حكومات مراكز الرأسمالية العالمية ، هذه الرؤية قد تثير خلافا إشكاليا مع بعض مثقفينا في هذه المرحلة ، ممن يراهنون بشكل أحادى على البعد الثقافي النخبوي المجرد سواء عبر استقلاليه فردية أو دور ذاتي خالص في منظمات أجنبية تستهدف –وفق برامج محدده سلفا- تحجيم العلاقة بين الحزب والمثقف ، خاصة في أوساط اليسار الفلسطيني (والعربي عموما) لحرفها عن منطلقاتها الثقافية و الأيديولوجية لحساب ثقافة الهبوط باسم الليبرالية و الإنفتاح و الديمقراطية الشكلية و حقوق الإنسان أو أي عنوان آخر تحت هذه الأغطية طالما تحقق هدف انسلاخ هذه المنظمات غير الحكومية و عدم ارتباطها المباشر بأي حزب من الأحزاب الديمقراطية و القومية التقدمية المناهضة لثقافة الليبرالية و الانفتاح ، بما يؤكد تقييم المفكر العربي سمير أمين الذي اعتبر أن "الطفرة في المنظمات غير الحكومية تتجاوب إلى حد كبير مع استراتيجية العولمة الهادفة إلى عدم تسييس شعوب العالم ، و هي انسجام أو إعادة تنظيم لإدارة المجتمع من قبل القوى المسيطرة" .
و في هذا السياق فإننا لا يمكن أن نغفل دور بعض المثقفين الذين يحاولون الإسهام بدورهم عبر إبداعهم الثقافي أو المعرفي الخاص ، رغم وعينا بأهمية تواصل و تشابك الإبداع المعرفي الخاص بالبعد العام أو الإطار الجمعي مع إدراكنا الواعي أيضاً أن تطور الأوضاع الثقافية و الاجتماعية باتجاه مصالح الجماهير الشعبية مرهون بدورنا في تفعيل التيار الديمقراطي التقدمي كقطب ثالث ، و قيادته و اتساع سيطرته بصورة منظمة في داخل الوعي الثقافي الشعبي العفوي أو الاعتيادي بما يجعل من هذا التيار قوة جماهيرية مؤثرة قادرة على تحجيم و إضعاف الشرائح الطبقية الكومبرادورية و البيروقراطية و الطفيلية السائدة اقتصادياً من جهة ، و إلغاء دورها المهيمن على الصعيد السياسي والثقافي من جهة أخرى .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *