جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غازي الصوراني _الصهيونية الدينية وتطوراتها وأهم رموزها ومبادئها السياسية والأيديولوجية

 غازي الصوراني _الصهيونية الدينية وتطوراتها وأهم رموزها ومبادئها السياسية والأيديولوجية :

الصهيونية بالمعنى الديني: " تشير كلمة "صهيون" في التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس، بل إلى الأرض المقدسة ككل، ويشير اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم "بنت صهيون". كما تستخدم الكلمة للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية. والواقع أن العودة إلى صهيون فكرة محورية في النسق الديني اليهودي، إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بان الماشيح المُخَلِّص سيأتي في آخر الأيام ليقود شعبه إلى صهيون (الأرض – العاصمة) ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء".
تاريخياً، أشير إلى أن الصهيونية الدينية لم تظهر أبداً – بالمعنى السياسي- طوال اكثر من 1800 عام، منذ خروج اليهود من فلسطين على يد "هادريان" عام 136 حتى بداية القرن العشرين عموماً وهزيمة حزيران 1967 خصوصاً ، حيث بدأت "الصحوة" الدينية التوراتية الصهيونية بصورة واضحة على أثر هزيمة العرب في حزيران 1967، وهي بالطبع لم تكن في جوهرها صحوة بالمعنى الديني الأحادي بقدر ما كانت – وما زالت- صحوة سياسية صهيونية توسعية استيطانية اتخذت من الدين ذريعة لممارساتها العنصرية النازية، خاصة بعد هزيمة حزيران 67.
فقد قدمت هزيمة حزيران فرصة للتيارات الدينية الصهيونية من خلال ما يسمى بـ"الصحوة التوراتية" واستغلال تأثيرها السياسي، ومن ثم المبادرة إلى تشكيل الأطر السياسية الصهيونية الدينية، حيث تم تشكيل حركة "غوش ايمونيم" رأس حربة في الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية، وفي قيادة المشروع الاستيطاني الجديد.
في هذا الجانب، يمكن الإشارة إلى ثلاث مراحل أساسية بعد هزيمة حزيران 1967 أدت بالذات إلى بروز أقصى اليمين الجديد :
المرحلة الأولى: مرحلة أوسلو وبداية الحديث عن حل الدولتين، حيث تعمق الصراع حول كيفية مواجهة مشاريع التسوية والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بين اليمين العقائدي والبراغماتي، والتي وصلت ذروتها باغتيال إسحق رابين، وانتهت بإعلان حكومة ايهود باراك بأنه لا يوجد شريك فلسطيني ما شكل لحظة اعتراف أن لا طريق سوى طريق اليمين.
المرحلة الثانية: هي مرحلة انشقاق اليمين في إثر خطة الانفصال في 2005، ما بين يمين براغماتي يخضع الأيديولوجي للأمني، وينظم الاستيطان وفق متطلبات أمنية ونفعية وليس فقط عقائدية، ويمثله حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو واليمين الاستيطاني الديني.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة نجاح أقصى اليمين في الوصول إلى سدة الحكم في 2009 ، وفيها بدأت عملية منظمة لوضع الأساس لحسم الصراع على أساس ضم ما يمكن ضمه من "أرض إسرائيل" وترسيخ الفوقية القومية اليهودية.
تتميز المرحلة الثالثة بتحول الليكود إلى حزب شعبوي، وبتطور طقوس الولاء والطاعة حول بنيامين نتنياهو، كما ينعكس في صعود قوة الصهيونية الدينية الاستيطانية وتحولها نحو مزيد من التطرف بعد هيمنة تيار الحردلية بزعامة بتسلئيل سموتريتش.
هذا التيار يدمج بين التزمت الحريدي الديني والتطرف القومي الاستيطاني، وبتحول الحريدية التي كانت إجمالا خارج المشروع الصهيوني إلى تيار يميني – قومي ، وبعودة الكهانية إلى قلب المشهد السياسي من خلال حزب "عوتسما يهوديت" بزعامة إيتمار بن غفير، في إطار التحالف بين "بن غفير" و "سموتريتش" في حكومة نتنياهو التي تشكلت في أواخر ديسمبر 2022.
إن عملية صعود أقصى اليمين بتياراته وتنويعاته المختلفة تتميز بصيرورتين أساسيتين مترابطتين هما: أولا، تطبيع التطرف والفاشية، وثانيا تكريس الرؤى والأفكار والمواقف والممارسات اليمينية العنصرية في المجتمع الإسرائيلي.
تتميز الأحزاب اليمينية الصهيونية عن غيرها من الحركات اليمينية في العالم، في أنها وليدة لمجتمع استيطاني إحلالي عنصري ومُدجج بأيديولوجيا أسطورية (الصهيونية الدينية) بقيادة "سمويترتش وبن غفير"، هي امتداد لمدرسة "الحاخام مائير كهانا" الذي كان يدعو صراحةً إلى إقامة دولة الشريعة اليهودية وطرد العرب من "أرض إسرائيل" .
انطلقت البداية الحقيقية للصهيونية الدينية في العصر الحديث من أفكار الحاخام يهودا القلعي ( Alkalai) (1878-1798م ). فقد دعا إلى الخلاص بالعودة إلى التلمود وأساطير ( الكبالاه ) والعودة إلى فلسطين تحت قيادة زعامة بشرية ) دون أي انتظار للماشيح المخلص )، وإقامة المستعمرات على أساس تعمير الأرض الخراب وإحياء اللغة العبرية.
ثم الحاخام كاليشر ( Kalicher) ( 1874-1795م) صاحب كتاب " البحث عن صهيون " الذي أكد فيه على أن الاستيطان الصهيوني أهم من وصايا التوراة.
الحاخام موهيليفر ( elever ) ( 1824 - 1898م ) بالتعاون مع العلمانيين لدمج الأرثودكسية الدينية بالقومية اليهودية الحديثة من وحي الكبالاه والتلمود، وقام بتأسيس مستوطنة رحوفوت (Rohovot) جنوب تل أبيب، ويشهد له مساهمته في إقناع روتشيلد ( Rothschild ) بتمويل الاستيطان في فلسطين.
الحاخام مائير بار إيلان ( Mair Bar llan ) والذي سميت باسمه جامعة بار إيلان الدينية في بئر السبع، أحد مؤسسي حركة همزراحي، من أهم منظري الصهيونية الدينية، فقد أسهمت آراؤه في بزوغ منظمة "المزراحي" على يد الحاخام يتسحاق راينس ( Yitzchak Reines ).
أما حاخامهم الأكبر عوفاديا يوسف زعيم الحاخاميين من حزب «شاس» قوله: «العرب أقذرُ الحيوانات على الأرض التوراة تأمر بقتلهم جميعاً… أرض إسرائيل يجب أن تكون نظيفة من غير اليهود».
اليهودي باروخ غولدشتاين الذي نفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، يقول في وصيته: «ليس هناك أيُّ تناقض بين عملي طبيب وعقيدتي اليهودية التي تربيتُ عليها وأدافع عنها هناك وقت للعلاج؟ ووقت لقتل العرب، إن التعايش مع العرب كذبة كبري لا تجيزها التوراة».
بل إن حاخام الصهاينة الأكبر شولومو غورين قال في حفل تأبينه وبحضور نحو ألف من المستوطنين: إن مليون عربي لا يساوون ظفر يهودي واحد… لقد كان غولدشتاين طبيباً ناجحاً عرف الداء فوصف الدواء».
وكتبت الصحيفة الصهيونية المشهورة هآرتس واصفة ظاهرة غولدشتاين: إن غولدشتاين لم يكن مريضاً نفسياً بل كان حارس العقيدة التوراتية التي آمن بها ونذر نفسه من أجلها».
كما يسجل للتيار الديني الصهيوني القومي نجاحه في الدمج بين ( توراة وشعب وأرض إسرائيل )، غير أن الأولوية دائماً لأرض إسرائيل، وهذا يعني التضحية أحياناً بالتوراة والإنسان من أجل الحفاظ على الأرض.
هذا النجاح كان في إيجاد إسرائيل ذاتها على أرض الواقع، ثم تبنى هذا التيار إصدار مجموعة من القوانين التي دعمت تعاليم التوراة، كما شارك في معظم حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ نشأته، ما يعني أن هذا التيار يتفاعل بصورة نشطة مع المؤسسات الكيانية في إسرائيل، وعدم الاستعداد بالمطلق للتنازل عن أي جزء من الأراضي المحتلة.
تاريخ التأسيس التنظيمي لـ"الصهيونية الدينية" :
حركة (الصهيونية الدينية) تأسست عام 1902 في إطار الصهيونية العالمية، وقد جاء مؤسسوها من حركة (احباء صهيون). وتأسس فرعها في فلسطين العام 1918، وانضمت في مؤتمرها الثامن إلى المنظمة الصهيونية العالمية كجسم له استقلاليته الذاتية في بعض القضايا ، وفي عام 1956 اتحدت مع (هبوعيل همزراحي) وشكلاّ (حزب المتدينين الوطنيين) (المفدال).
الحاخام أبراهام يتسحاق هكوهين كوك دعا إلى التعاون الكامل بين المعسكرات الثلاثة التي في رأيه تشكل الأمة المتجددة: الأرثوذكس والقوميين والليبراليين. هذا تقديرا لحيوية كل معسكر لبناء الوطن.
ومن هذه الأسس نمت الصهيونية الدينية الكلاسيكية كحركة رأت في الصهيونية دعوة للتجديد الديني، وفي التدين – تحقيق عميق المعنى للمشروع الصهيوني.
إن الأسس الأيدلوجية والقانونية التي يقوم عليها المجتمع الصهيوني كما يقول المفكر اليهودي المعادي للصهيونية إسرائيل شاحاك تضعه حتماً في خط نازي لا يقل وحشيةً عن نازية هتلر.
ويبين موسى بن ميمون:”فيما يتعلق بغير اليهود الذين لسنا في حربٍ معهم... فلا ينبغي أن يُتَسبَّبَ في قتلهم. لكنه من المحرَّم إنقاذُهم إذا كانوا على وشْك الموت؛ على سبيل المثال، إذا رُئي واحدٌ منهم غارقاً في البحر، فلا ينبغي إنقاذُه.
المفكر اليهودي «آشر جينز بورج» قال في بحثهِ المشهور «ليس هذا هو الطريق»: «إن الوطن القومي اليهودي المضمون المأمون هو وطن فكري وديني بحت.. يتألف من التوراة والتلمود».هذه بعض الشواهد على عنصرية الكيان الصهيوني.
وفي كل الأحوال ، فان الهوية اليهودية على أساس ديني هي من ضمن مكونات دولة العدو الصهيوني ، فليس هناك فصل كبير بين الدين والدولة، فكثير من مظاهر ورموز الدولة هي ذات مصدر ديني، مثل رمز الخطين الأزرقين في العلم الإسرائيلي، اللذين يرمزان إلى "الطاليت" وهو الرداء الذي يضعه اليهودي على رأسه أثناء الصلاة. كما أن الأعياد الوطنية هي بذاتها أعياد دينية، ومن أبرزها عيد السنة اليهودية وعيد الفصح، كما أن تصنيف المواطنين يتم على أساس ديني في الهويات الشخصية.
ولكن مصالح بريطانيا وأوروبا والتوسع الرأسمالي إلى جانب ضعف وتخلف القوى السياسية والمجتمعية العربية، أفسح المجال واسعاً أمام المشروع الصهيوني الاستعماري –لإنشاء مؤسساته العلمية والصناعية والعسكرية- وولادة الكيان الصهيوني 1948 والنكبة .
ومع استمرار الضعف والتراجع العربي والفلسطيني، ظهر مجدداً شعار "الدولة اليهودية" عبر خطاب شارون في العقبة 4/6/2003 الذي طالب فيه بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وأيده في ذلك الرئيس الأمريكي بوش بقوله "ان أمريكا ملتزمة بقوة أمن "إسرائيل" كدولة يهودية مفعمة بالحيوية"، وهكذا أصبحت يهودية "إسرائيل" مسألة دولية منذ ذلك التاريخ، وصولاً إلى ظهور مصطلح " "الصهيونية الدينية" المتطرفة، الذي انتشر على أعتاب انتخابات الكنيست الـ 24 التي جرت في آذار 2021 تم اختيار مصطلح "الصهيونية الدينية" اسماً للقائمة التي تضم ثلاثة أحزاب من التيار الديني- القومي هي: حزب "الصهيونية الدينية" برئاسة بتسلئيل سموتريتش، وحزب "عوتسما يهوديت" ("قوة يهودية") برئاسة إيتمار بن غفير (من أتباع الحاخام مئير كهانا، زعيم حركة "كاخ" المحظورة)، وحزب "نوعام" برئاسة آفي ماعوز.
إلا أن أكثر ما تجدر الإشارة إليه، هو أن الاتجاه السياسي الذي يوجه هذا المعسكر السياسي الأيديولوجي الديني، يضعه حاخاميو المستوطنات وفي مقدمتهم دوف ليئور وشلومو أفنير. فهؤلاء الحاخامون هم من يحددون السياسة الحقيقية ويؤثِّرون في الجمهور اليهودي من وراء الكواليس، وأحياناً بشكل علني، ومواقفهم السياسية واضحة ومنهجية وحاسمة .كما أن هؤلاء الحاخامين غير منغلقين أمام ما يحدث في العالم، لكنهم يؤمنون ”بنظرية المراحل"، وبحسب الوعد الإلهي فإن "أرض إسرائيل" جميعها تابعة إلى "شعب إسرائيل" وحده".
المبادئ السياسية والأيديولوجية لتيار الصهيونية الدينية :
أوّلًا: الإيمان التام بالحق التاريخي لليهود في فلسطين، والإيمان بـ "أرض إسرائيل" الكاملة، والاستيطان في الأراضي الفلسطينية كافة.
ثانيًا: بناء دولة إسرائيل وتقوية وجودها من النواحي الدينية والأمنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، من منطلق الالتصاق بأسس الشريعة اليهودية.
ثالثًا: تدريس الدين في كافة المراحل التعليمية.
رابعًا: تأييد خدمة طلاب المدارس الدينية بالجيش.
خامسًا: دعم المؤسسة القضائية الحاخامية (القضاء الشرعي).
سادسًا: التشدد في الحفاظ على حرمة السبت.
سابعًا: إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، و القدس ستبقى عاصمة أبدية "لإسرائيل" .
ثامنًا: تأييد الترانسفير و"ترحيل الفلسطينيين" بشكل غير مباشر، ويرى هذا التيار أن فلسطينيي 48 بمثابة "خلايا سرطانية في جسم إسرائيل"؛ لابد من استئصالها على الفور
تاسعًا: العمل من أجل إلغاء اتفاقيات أوسلو، وعدم الاعتراف بالسلطة الوطنية الفلسطينية، ورفض حق تقرير المصير للفلسطينيين إلا في حدود الحكم الذاتي على السكان وليس على الأرض.
لقد عكفت الصهيونية على تطوير مشروع استعمار استيطاني في حقبة أفول نجم الاستعمار الاستيطاني. بدايةً في داخل حدودها في الأرض المحتلة في عام 1948 ، وبعد ذلك في فلسطين بأكملها.
كما سعت لإخضاع شعب لديه هوية وطنية متبلورة ومراكز مدينية متطورة ومؤسسات ثقافية وأنظمة اقتصادية وسياسية ومراكز إعلامية؛ لا يختلف كثيرًا عن جيرانه.
الصهيونية والدمج الانتهازي بين الديني والقومي:
على خلاف المسيحية الصهيونية التي تُعتبر توجّهًا سياسيًا، تُعد الصهيونية في نظر الصهاينة فقط، أيديولوجيةً قوميةً تُمثّل إحدى الحالات الأشد تطرّفًا في العصر الحديث التي يلتحم فيها الديني بالقومي (وذلك على النقيض من كافة نظريات علم الاجتماع والدراسات والتجارب الخاصة بالدول القومية الحديثة التي انتشرت في أوروبا والعالم عبر الفصل الكامل بين الدين والقومية أو بين الدين والدولة).
وللمفارقة، فإن الصهيونية العلمانية هي التي استخدمت الادّعاءات الدينية لتأسيس هذا الاستحقاق حيال فلسطين، على الرغم من أن الصهيونية انطلقت أساسًا بوصفها حركة غير دينية، وكان آباؤها المؤسسون إما علمانيين أو ملحدين، فإنها استغلت الرواية التوراتية لشرعنة ادعاءاتها ومطالبها في فلسطين.
لقد استند هذا الادّعاء إلى وجهة النظر التوراتية التي تقول "إن الله قد منح الأرض لليهود في الكتاب المقدس"، وكما قال دافيد بن غوريون ( 1886 – 1973 )، المؤسس العلماني لدولة إسرائيل، للجنة الملكية البريطانية في عام 1937 إن "التوراة هي انتدابنا"، وان أرض إسرائيل التاريخية هي هويتنا وعنوان مقاومة شعبنا".
بالطبع لا يمكن لأحد إنكار ان الصهاينة العلمانيين استخدموا – كذريعة لشرعيتهم الموهومة الكاذبة- أسماء توراتية لإعادة تسمية المواقع والمشهد الفلسطيني خدمة لأهداف الاستعمار الاستيطاني المتمثلة في المحو والاستبدال، كما أظهر العديد من الباحثين كيف تم التعامل مع كتاب التوراة كأنه نصّ تاريخي من الصهيونية السياسية العلمانية.
في هذا الجانب لابد من التذكير أن الحقيقة هي أن البدء في مشروع الاستيطان في الضفة الغربية، بعد احتلالها مباشرةً، قد قاده حزب العمل – زعيم الصهيونية "العلمانية" في حينه، وزعيم ما يسمى باليسار الصهيوني ، وبالتالي فإن كل موقف ينظر الى حزب العمل باعتباره يسارياً يعترف بحقوق شعبنا هو موقف انتهازي أو واهم .
ويظهر ذلك بوضوح أن صعود الخطاب الديني، أو قوة تلك التيارات وخطابها الديني، لم تكن هي التي وجّهت مشروع الاستيطان في بداياته، أو كانت رأس الحربة فيه.
كما أن مشروع الاستيطان اكتسب زخمًا كبيرًا في ظل قيادة علمانية أخرى – أي قيادة حزب الليكود – منذ تولّيها الحكم في عام 1977 . وتواصل دعم المستوطنات في عهد القيادة الصهيونية لحزب العمل إبان ولاية كل من رئيسي الوزراء، إسحاق رابين ( 1974 – 1977 ( وإيهود باراك ( 1999 – 2001 )، لاحقًا.
لذلك تعتبر الصهيونية العلمانية – سواء تمثّلت في حزب العمل أو الليكود أو غيرهما – هي جوهر الحركة الصهيونية ودولتها، وذلك من خلال العلاقة التاريخية الاستراتيجية مع النظام الامبريالي، ما يعني بالنسبة لي ان الصهيونية الدينية قد تتطور وتنتشر ويشارك في الائتلافات الحكومية الصهيونية، إلا ان الحركات الدينية الصهيونية لن تستفرد بحكم الدولة الصهيونية، على الرغم من تناول بعض الباحثين للتراجع الذي أصاب "الصهيونية العلمانية" وأنها تواصل إفساح المجال والتراجع أمام التوجهات الصهيونية الدينية التي ظهرت بعد هزيمة 67 ، وهذا صحيح لكنه لا يعني وصول الصهاينة المتديين للحكم بصورة كلية خلال فترة قصيرة ، وفي كل الأحوال فإن وصولهم معناه بداية الانهيار الاقتصادي والسياسي للكيان الصهيوني.
من ناحية ثانية هناك تحولات داخلية عميقة في مجتمع دولة العدو الإسرائيلي، وسبب هذه التحولات يعود إلى الصراعات الحالية – كما تقول د. هنيدة غانم- بين مشروعين أو قوتين أو إطارين، الأول هو إطار القوى السياسية والعسكرية المؤسِّسة للكيان الصهيوني ودولته، أما الاطار الثاني، فهو يتمثل في القوى الجديدة اليمينية (العلمانية والدينية المتطرفة) ، والسؤال هل سيكون لهذا الصراع بين الفريقين دوراً في تفكيك دولة العدو الإسرائيلي؟ الجواب ليس من السهل تفكيك الدولة الصهيونية طالما ظل الوضع العربي على حالته الراهنة من التخاذل والتبعية والخضوع من جهة، وطالما ظل الوضع الفلسطيني منقسماً على نفسه، وطالما ظل القانون الدولي محكوماً للقوى الامبريالية وغيرها.
لكن حتى لو تم حل الصراع بين الفريقين (العلمانيين والمتدينيين)، ستستمر الأزمة داخل الكيان الصهيوني، وإن كنت مقتنعاً بسيرورة القوى العلمانية (اليمينية بالطبع) حيث أرى أن من المستحيل وصول المتدينين للحكم لأنه سيكون بداية النهاية للكيان الصهيوني حيث ستسارع الرساميل الصهيونية وشركاتها ومؤسساتها (وكلها علمانية) الموجودة معظمها في تل أبيب رفض سيطرة القوى الدينية ، من ثم يمكن ان تقرر الهجرة من إسرائيل إلى الخارج ، علاوة على أن مؤسسات جيش العدو الصهيوني – حتى الان – أقرب إلى التيار العلماني اليميني.
أشير هنا إلى أنني على قناعة تامة – بالمعنى الموضوعي - بأن الصهيونية وعاء للعلمانية والديمقراطية لليهود في إسرائيل، وذلك انطلاقاً من أن "الدولة" يهودية في الجوهر ديمقراطية تعددية في الشكل والمظهر، ولكن، يبدو أنه في المرحلة الحالية، بعد الانتخابات الأخيرة نوفمبر 2022، باتت الدولة الصهيونية وعاءً للعلمانية والدين معاً، وباتت تجسيداً عنصرياً وعدوانياً لإرهاب الدولة في إطار الجمع بين القومية الصهيونية والدين التوراتي.
لكن لابد من التذكير بأننا مهما تحدثنا عن عنصرية المتدينين وجرائمهم الوحشية العنصرية ضد شعبنا، فإن جرائم العلمانيين أكثر توحشاً وعنصريةً ، بقيادة بن جوريون وقيادة حزب العمل، ودورهم في تدمير ومحو أكثر من 500 قرية فلسطينية، ومذابحهم في يافا وحيفا ودير ياسين والطنطورة وكفر قاسم وعشرات المذابح الأخرى الموثقة قبل وبعد نكبة 1948، وخاصة في غزة وخانيونس وبورسعيد أثناء العدوان الثلاثي عام 1956، ثم عدوان حزيران 1967 والاعتداءات الاجرامية البشعة ضد قواعد الفدائيين في الأردن ولبنان وتواصل تلك الجرائم حتى اللحظة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
في كل الأحوال سيظل الكيان الصهيوني يجسد مشروعاً استعمارياً استيطانياً واضحاً -لا فرق بين علماني ومتدين- حيث تدرك دولة العدو الصهيوني انها لن تمتلك الشرعية إلا في حالة واحدة هي استسلام شعبنا واعترافه بحق الصهاينة في فلسطين وهو أمر مستحيل التحقق.
وبناء عليه، فإن الصهيونية هي قومية استعمار استيطاني، تستمد شرعيتها من النظام الامبريالي والاستسلام العربي، وبالتالي لا معنى ولا قيمة لكل المكونات الثلاثة، الأساسية الصهيونية: الاستعمار الاستيطاني والقومية والدين ، الأمر الذي يعني أن استنهاض الحركات الوطنية التقدمية في بلدان الوطني العربي وتحقيق الثورة الوطنية الديمقراطية ، كفيل بانهاء الكيان الصهيوني وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *