عن الراحل أيمن المرزوقي مرة أخرى ..الرفيق محمد بولعيش
عن الراحل أيمن المرزوقي مرة أخرى ..الرفيق محمد بولعيش
أسد ظهر المهراز كان ، وكان أحد أبرز قادة مجموعات القاعديين في الجامعة ، ومناضلا يساريا اوطميا حتى النخاع ، بسبب ذلك وغيره عرف الطريق إلى القمع والاعتقال والتعذيب ، إنه الرفيق الإنساني الشامخ أيمن المرزوقي .
لم أكن أعرفه شخصيا ، لكن صيته سبقه ورسمت عنه صورة حتى قبل لقائه . كان اللقاء الأول بالرباط صدفة بعد إطلاق سراحه ، ورب صدفة خير من ألف ميعاد كما يقال ، كان لقاء عابرا لم أتذكر متى كان ذلك لأن لدي شعورا بأني كنت أعرفه منذ الأزل ، وتواعدنا على اللقاء بطنجة وقد تم اللقاء ذات مساء على كورنيش طنجة ، شبعنا مشيا ثم ارتكنا بزاوية بإحدى المقاهي حتى ساعة متأخرة ، تحدثنا في كل شيء : عن أ.و.ط.م واليسار وتجربة إلى الأمام وتجربة القاعديين والحركة النقابية ..
لم يكن هدفنا تحقيق الاتفاق ، لأن نقط الاختلاف كانت حاضرة ، ولكننا أكدنا إصرارنا على استمرار العلاقة التي ارتقت إلى مستوى الصداقة ، وعلى استمرار النقاش .. توالت بعد ذلك لقاءاتنا ثنائيا أو مع رفاق آخرين ، التقينا مرة - صدفة - بصديق من مراكش محمد شارف (الرحماني) أحد قدماء فاس الجبهويين ، قضى بصحبتنا بعض الوقت وانصرف .
جاءت تجربة التجميع وفشلها مع ما أسفرت عنه من تكتلات ثلاثية (النهج والحركة من أجل الديمقراطية وحركة الديمقراطيين المستقلين) ، في مواعيدنا اللاحقة - وكانت تتم غالبا أثناء العطل المدرسية - صادفت قرب صدور جريدة "حرية تليلي" وأثناءه ، حدثني - وهو ديناموها - عن المشروع وطلب مني المشاركة فيه بالكتابة والتعليق ، الشيء الذي لم يكتب لي تلبيته . كنا نناقش أيضا فكرة التقارب والتنسيق بين حركتينا ، لم يكن يجزم برأي قبل مراجعة رفاقه حوله وهذا دليل ساطع على حسه الديمقراطي وقناعته الراسخة بأهمية العمل الجماعي .
واقترب موعد التأسيس للاندماج الرباعي سنة 2002 وطلبت لقاءه لاستطلاع رأيه في الموضوع ، أخبرته بموقف مجموعتنا الرافض للطريقة المتسرعة واللاديمقراطية والفوقية التي سارت عليها عملية التأسيس ، وأخبرني بأن قرار المشاركة قد تم اتخاذه وأنه ملتزم به ، هنا تبرز قيمة الالتزام السياسي والأخلاقي لديه . لكنه أخبرني بأن عددا من رفاقه يقاسموننا هذا الرفض لنفس الأسباب تقريبا ، سموا أنفسهم حركة خيدق (كان لنا لقاء لاحق معهم حول نفس الموضوع) . ورغم كل شيء تواصلت علاقتنا لكن بشكل متباعد إلى أن انعقد المؤتمر الاندماجي الثاني سنة 2005 مع حركة الوفاء للديمقراطية ، حضرنا المؤتمر كملاحظين بعد أن قررنا الالتحاق فرادى بالحزب (دون مفاوضات ولا مساومات) الذي تغير اسمه من اليسار الموحد إلى الاشتراكي الموحد بضغط من "الوفاء" .
أبدى الرفيق أيمن فرحا كبيرا بالتحاقنا ، لم تتح لنا فرص اللقاء إلا بشكل عابر لضيق الوقت وضغط أشغال المؤتمر بالنسبة لأيمن خاصة . واستأنفنا علاقتنا الإنسانية الرفاقية وكان كلما تأخر في البيضاء وتعذرت عليه العودة لطنجة يقضي ليلته عندي لأوصله في الغد الى محطة القطار او الحافلات (محطة أولاد زيان) .
وحل موعد المؤتمر الوطني الثالث سنة 2011 وحركة 20 فبراير في عنفوانها ، وقد أرخت بظلالها على التهييء للمؤتمر وكذا على أشغاله ، وقد كان الرفيق أيمن من أشد المؤمنين بالحركة في طنجة ومن العناصر الدينامية الأساسية فيها تحضيرا وحضورا وخطابة ومتابعة . خرج المؤتمر بتشكيلة للمجلس الوطني الذي سيعقد لاحقا جلسته الأولى لانتخاب المكتب السياسي ، كان الجميع أو تقريبا الجميع يعلم بأن إسم الرفيق أيمن حاضر ضمن تشكيلة المكتب السياسي ، ومن غيره يستحق هذا التكليف ؟ لما فاتحته في الامر ابتسم ولم يجب ولم يعقب . غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن ، لم يرد اقتراح اسمه ضمن اللائحة ، ولم تكن أخلاقه تسمح له بالاحتجاج أو أقتراح اسمه ، وكان وقع الصدمة قويا على نفسيته وكانت خيبته عميقة ، كأنها طعنة من الخلف كما صرح لي ونحن في طريقنا إلى بيتي ، بعد أن انتشلته من حالة الإحباط التي وجدته عليها في مقهى مجاور للمقر الحزبي . اعتذر أيمن للرفيق المختار العروسي والرفيقة أمل الغنيمي اللذين كان عليه مرافقتهما في طريق العودة إلى طنجة ، لكن حالته لم تكن تسمح له بذلك ، واتفقت مع المختار على أن يصحبني أيمن إلى البيت .
بعد تناول وجبة العشاء خلد إلى النوم طالبا مني أن أوقظه في الخامسة صباحا وأوصله إلى المحطة الطرقية أولاد زيان لأنه يعمل مساء الاثنين ، فالإحساس بالواجب حاضر في كل الأحوال ، وكذلك كان ، ولم أره بعد ذلك إلى أن وصلني خبر نعيه فرحل وفي نفسه شيء من حتى .
عليك الصلاة والسلام رفيقي الإنسان المناضل الممانع الكبير ، وعلى روحك السكينة والأمان ، حاضرا بشموخك ستظل في قلوبنا ، وذكراك في ذاكرتنا موشومة ستبقى ..
(أعيد نشره)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق