الاستيراد من اليسار الحزبي بين الدواعي و الآفاق الأستاذ عبد السلام شاوش
الاستيراد من اليسار الحزبي
بين الدواعي و الآفاق
الأستاذ عبد السلام شاوش
1) نقصد بالموضوع الهجمة القوية التي تستهدف إضعاف القوى اليسارية المناضلة بالمغرب التي تتبنى الأهداف الصادقة لتحقيق مطامح جماهير الشعب الكادح في تحريره من الاستغلال الطبقي و قيام الدولة الديمقراطية الوطنية بتحريرها من هيمنة المخزنة و الإكراه و بناء و تحقيق مشروع المجتمع الاشتراكي الذي قوامه الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والتبادل، وهي معادلة لجميع المغاربة عربا وأمازيغ ومنحدري مختلف التشكلات الاجتماعية المكونة للكيان المغربي الديمقراطي مستقبلا، في إطار ديمقراطية حقيقية عامة وشاملة.
2) إثر سقوط دول جربت نمط الإنتاج الاشتراكي المرحلي، بسبب رفع العلاقات الاجتماعية للإنتاج إلى مستوى العلاقات السياسية للإنتاج القاهرة لسلطة الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين المنظمين.
وبتفوق مباغت، في إطار التعايش السلمي مع الرأسمالية العالمية، بغض النظر عن جوانب التآمر والأخطاء الداخلية للمنظومة الاشتراكية، فقد تجرأت العديد من الجهات لاستضعاف قوى التحرر ذات الأهداف الاشتراكية.
3) إن عملية الاستيراد هاته التي تستهدف أعضاء اليسار ( وليس أطره ) تندرج ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لكونها تتلمس البشر اليساري في وضعيات خاصة داخل إطاراتهم ولا سيما على مستوى قناعاتهم المبدئية وليس الموقفية، أو التي تندرج ضمن التحرك التكتيكي للمستقطبين ( بكسر الباء ) .
4) عند بروز يسار الاشتراكية العلمية بالمغرب مع الرئيس المهدي بنبركة وخاصة مع القائد عمر بنجلون ورفاق لاحقين بغض النظر عن تنظيماتهم السياسية والنقابية والجمعوية، فقد هيمن معهم الوقار النضالي والاحترام للضوابط الأخلاقية والسلوكية في إطار القوانين التنظيمية والمنهجية الرابطة بين التنظيم والنضال والأداء والانضباط أساسا ثم التضحية كمركز لموقع المناضل لفائدة جماهير الشعب الكادح.
5) من أخطاء المحسوبين على قوى اليسار باختلاف درجات اقتناعهم بالنضال من أجل البناء الاشتراكي أنهم تلقوا تعويضات مالية من الدولة المخزنية عن معاناة تضحياتهم دون أن يحققوا هم ومن معهم مطامح وآمال جماهير الشعب الكادح، ومن هنا كان ضعفهم وكان كذلك استغلال هذا الضعف الشخصي وغيره لغايات أخرى.
6) سبق للطبقة الحاكمة بالمغرب منذ التصريح بالاستقلال الشكلي سنة 1955 أن كرست خطة احتواء عناصر الحركة الوطنية على مرجعية جزء من موقعي وثيقة الاستقلال 11 يناير 1944 وجزء آخر من جيش التحرير وكل من لم يقبل بمرغوب الطبقة الحاكمة تمت تصفيته قتلا من طرفها كما يذكر التاريخ بالنسبة لكل من محمد حمو الفاخري وعباس المساعدي وغيرهما.
7) و خلال الستينات استوردت الطبقة الحاكمة عناصر من حزب اليسار الاتحاد الوطني من أعضاء الكتابة العامة على الخصوص.
وتكررت العملية مع سنة 1967 و1972 وخاصة مع 1975 إثر التوظيف لهيمنة الوطني المؤجل على الديمقراطي المعجل لصالح جماهير الشعب الكادح، فكانت دائما عملية استيراد الدولة لأعضاء اليسار مستمرة من بينها عناصر تورطت في نهب المال العام كما هو معروض الآن على القضاء، أحدهم كان دائما يحاضر الشباب بموضوع الحزب الثوري والذي زعم أن حزبه سيستمر في الحكومة لمدة لا تقل عن 40 سنة بدءا من 1998 فكان إقصاؤه من الحكومة نتيجة تصريحه الصحفي هذا.
يجب الإقرار بوجود حزبين فقط من اليسار أو ثلاثة يتبنون مرجعية الاشتراكية العلمية وغيرهم من خانة المجموعة الحزبية المتفرعة إما تتبنى الاجتماعية الديمقراطية بغطاء الاشتراكية غير محددة المعالم، وإما (أنها أو غيرها ) تحن للماضي النضالي الاشتراكي لكنها تمارس برغماتية المقاعد النيابية والحكومية كالانخراط في المجموعة الثمانية الليبرالية الممغربة من مجموعة الثمانية الكبار في الاقتصاد العالمي.
وبذلك فإن الحكم إنما يستقوي نتيجة مثل هذه الدعايات اليسارية المتكررة باستمرار بل يحتقر من يكون وراء تحييثها بمبررات الاسترزاق، وليتخيل المهتم بهذا الشأن ما يروج في كواليس الطبقة الحاكمة عندما يروج نقاش حول تقييم الأحزاب وأطرها وكيفية التعامل معها كل على حدا في جو من الاستهتار المخزني وتقليب المسؤولين المشرفين على توزيع الأدوار في المشهد الحزبي الشيء الذي يتم من خلاله صنع محور الأحزاب الكبرى المخزنية ومحور الأحزاب الصغرى لكونها مقاطعة للدستور أو للانتخابات أو يراد تهميشها.
فلقد استبشر خيرا قائد البيجيدي لما أخبره رسميا المستشار المعتصم بمقولة:" و لسوف يعطيك ربك فترضى" فقبل الصفقة بالتصويت بنعم على الدستور فأعطاه الله 107 مقعد بمجلس النواب.
9) هكذا التقت اليمينية المتحكمة في السلطة السياسية والاقتصادية كطبقة حاكمة مكلفة بالتنسيق بين الإمبريالية والطبقة المسيطرة على خيرات البلاد داخليا، كما التقت من جهة أخرى مع يمينية رجعية متخلفة تعتمد الإسلام الحزبي للمتاجرة بالدين الحنيف التحرري والمشرق لخدمة النصارى والصهيونية العنصرية كأولياء لها غير مسلمين، وقد التقى الجمعان مع اليمين الليبرالي التبعي الذي لا يؤتمر إلا بإمرة مقرري عولمة الرأسمالية المتوحشة التي فشلت وهي في عقر دارها بعاصمة الاقتصاد المالي ثم تابعاتها بالمجموعة الأسيوية لتعم الاتحاد المالي الأوربي، ومن المحتمل أن يعيش العالم العربي والإفريقي لاحقا عام الجوع مرة ثانية كما كان إثر أزمة 1929 بأمريكا ومشروع مارشال لإعادة بناء أرويا بعد الحرب العالمية.
والأزمة المالية تلك إنما هي انعكاس تمظهري للأزمة الهيكلية لنمط الإنتاج الرأسمالي الكولونيالي
10) لقد نجحت جزئيا الطبقة الحاكمة بالمغرب إيديولوجيا بمحاربة التوجهات اليسارية من خلال إسقاط دروس الفلسفة النقدية لصالح نشر الفكر الإسلامي الذي يتجاوز أحيانا قواعد الإسلام لصالح السلطان والتسلط
كذلك و من خلال زرع الفردانية ليتمحور كل شخص حول انتهازيته لتحقيق مآرب آنية على حساب أمثاله في المهنة والوظيفة والمجتمع سواء عند مرحلة الإنتاج أو مرحلة الاستهلاك وكذا عند فترة التداول، بما ينعكس كل ذلك على المبادئ السياسية المركزية التي من الطبيعي أن تكون الموجــه والمحدد لمختلف المواقف السياسية التي ليس لها إلا التحرك السياسي لتفعيلها.
11) ولعل استقدام الإسلام الحزبي لتدبير الشأن العام الحكومي إذ يستهدف تهميش اليسار، فإنه يعمل على امتصاص راديكالية باقي مكونات الإسلام الحزبي.
إن هذه القاعدة الممنهجة المركبة تذكر باستقدام الرأسمالية خلال الحرب الباردة لأحزاب الاجتماعية الديمقراطية لتدبير الاقتصاد الليبرالي لإضعاف القوى الاشتراكية المناهضة للرأسمالية الاستغلالية، وقد فشلت في مهمتها مجموع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية فكانت وبالا على اليسار ككل.
لا يسعنا في عصارة ما قيل قبله ّإلا التـأكيد على أن المقولة الشهيرة بأوروبا الغربية خلال السبعينات والتي مفادها:
" أشهر رجال السياسة في اليمين هم القادمون من اليسار"، لا تنطبق على واقعها لا بالمغرب و لا بغيره من الدول الشبيهة ببلادنـــــــــا.
الرباط في 15/03/2012

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق