الحزبية بالمغرب: أية فعالية سياسية بين السلطة والجماهير ؟ عبد السلام شاوش
الحزبية بالمغرب: أية فعالية سياسية
بين السلطة والجماهير ؟عبد السلام شاوش
تحرص هذه القراءة النقدية الهادئة على إثارة أسئلة أكثر من إحاطة الموضوع بأجوبة جاهزة عن الوضع العام لما تعيشه الأحزاب السياسية المغربية من مآلات غير واضحة المعالم بشأن الأدوار التي من المفروض القيام بها لتتجاوز عبئها على الجماهير أو لترفع عن هذه الأخيرة معاناة مركبة بفعل السلطة وإكراهات الحياة العامة.
I) المواصفات الواقعية للمشهد الحزبي:
1/ بمقتضى الدستور وقانون الأحزاب وواقع الممارسة السياسية، يمارس نظام الحكم قوة متحكمة في المشهد الحزبي المغربي أفقد هذا الأخير استقلالية القرار والتوجهات والاختيارات الاستراتيجية منها أو المرحلية سواء خلال مقررات المؤتمرات الوطنية لكل حزب أو عند إعلان المواقف بصدد أحداث كبرى وطنية دولية أو داخلية، من ذلك مثلا: كيفية معالجة قضية الصحراء وتحرير الثغور المستعمرة أو القضاء على التبعية للاستعمار اقتصاديا وثقافيا ولغويا وإداريا، أو تحديد الاختيارات الكبرى بين الليبرالية ونمط الإنتاج الاشتراكي أو هوية دولة المجتمع بين الدينية والتيوقراطية والمدنية الديموقراطية. والأدهى من ذلك لم يثبت لأي حزب بلغ الحكومة أن انفرد بتنفيذ برنامجه الحزبي.
2/ كما أنه بإعمال التشريعات المنظمة لنمط الاقتراع وما يرتبط بها يتم تشكيل المشهد الحزبي المؤسساتي بتأثيرات تتحكم في نتائجه الموزعة على مقاس الظرفية السياسية التي تمر بها البلاد أو التي يشهدها العالم وذوي نفوذه، فكان من الأنسب استقدام حزب اليوسفي آنذاك لمهام محددة سنة 1998 إلى 2002، وفي 2011 انصب التفضيل على أخلاقية البيجدي نظرا للظرفية الإقليمية والغربية، وغدا قد يأتي الدور على تكتل يساري معتدل بعد إنقضاء تجربة من مروا على الحكومات ثم لمتطلبات مستجدات الاتحاد الأوروبي الديمقراطي الحداثي، والأقرب إلى العلمانية الدولية والمجتمعية.
3/ يذكر أن المغرب يعرف تعددية حزبية بل تضخم حزبي إلى درجة التخمة بأربعة وثلاثين حزبا خارج معيارية التمثيلية الطبقية والفئوية الاجتماعية أو المرجعية النظرية الإيديولوجية أو التوجهات السياسية الثابتة لكل حزب إلا ما ندر.
على مستوى التكتلات والتحالفات سواء إراديا أو بتدخل السلطة أو تحت إكراه اقتراع انتخابي معين فلم تنجح هذه، سواء خلال الستينات والسبعينات (الفديك + الكتلة الوطنية التي سرعان ما انقضت بمجرد دخول الاستقلال حكومة أحمد عصمان)، أو تحالف العهد والتقدم والاشتراكية على مستوى النواب البرلمانيين أو تحالف الفروع المشتقة سابقا عن الحركة الشعبية وأخيرا تحالف المجموعة الثمانية سنة 2011، وما نجح من هذه التحالفات أو الاندماج عبر التاريخ الحزبي هو: اندماج حزب الإصلاح لعبد الله الصنهاجي والحزب الوطني لعبد الخالق الطريس في حزب الاستقلال خلال الحركة الوطنية، واندماج الحزب الاشتراكي الديموقراطي في الاتحاد الاشتراكي عند بداية هذه الألفية كما هو الشأن بالنسبة للاندماج الثلاثي في الحزب الاشتراكي الموحد.
غير أن الانشقاقات ولتعددها فهي تلازم الأحزاب السياسية المغربية بين المهم فيها وأقلها أهمية وعددها 09 انشقاقات يتوزع كل منها بين المبدئي والشخصي لتنازع المصالح الشخصية للقيادات أو بفعل السلطة وخاصة الداخلية والمخابرات.
II) ضعف الدور الحزبي السياسي من فعل إرادة السلطة
1/ هناك خلفية تلازم الممارسة السياسية بالمغرب على محورين:
أ- أن سلطة الحكم المركزية.
ب- كل فاعل سياسي عليه القبول بالاحتواء المخزني أو التهميش.
ج- العمل تحت غطاء ثوابت نظام الحكم والكل في نطاق المؤسسات وليس خارجها بما يفسر موقف السلطة من الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات فبالأحرى تأسيس حزب جمهوري ولو أن هناك سكوت بهذا الشأن سواء في الدستور أو قانون الأحزاب إلا ما أوردته الفقرة الخامسة من الفصل 7.
2/ رغم التقدم المحدود الوارد في دستور 2011 فلم يضف مؤهلات وأدوارا جوهرية للحزب السياسي المغربي، فالفصل السابع منه يحصر مهام الأحزاب في التأطير لفئة المواطنين والتمثيل لفئة الناخبين وهي مهام احتياطية لما قد تعجز عنها السلطة وهي تكليفات موجهة أساسا لأحزاب المعارضة خاصة بعد التنصيص في الدستور على دور محدد للعارضة البرلمانية، ثم إن تكليف الأحزاب بتعزيز انخراط الجمهور في الحياة السياسية أملته النسب الحادة للعزوف في الاستشارات الشعبية، وهو ليس دليل على الحرية السياسية أو ضمان الحقوق التي تبقى مقيدة بالعديد من الكوابح السلطوية.
ومن جهة ثالثة أوكل نفس الفصل السابع من الدستور للأحزاب المشاركة في ممارسة السلطة لكن في حدود التناوب بما يفسر أن هذه المشاركة هي مع الأحزاب وفيما بينها وليس مشاركة تجاه سلطة الحكم المركزية للدولة فبالأحرى انتزاع هذه السلطة من الطبقة الحاكمة في نطاق النظام النيابي، فالفصل السابع إذن ليس إلا ترويضا للأحزاب وليس تحفيزا حقوقيا لها.
3/ وفي نفس الاتجاه ذهب المشرع السياسي في قانون الأحزاب رقم 36.04 بتضخيم القيود على هوية وممارسة الأحزاب السياسية بالرغم من أن هذا القانون يتطلب تحيينه للمطابقة مع الدستور والمواثيق الدولية ذات نفس الغايات.
ومن حيث الواقع فالسلطة تعتمد التدجين بالمال أو المناصب وفي المقابل التهميش أو القمع والمحاصرة.
III) "الانفصام" السوسيوطبقي للأحزاب المغربية
1/ هي ليست نظرة قدحية بل دعوة للأحزاب لإعادة الهيكلة الاجتماعية لها بإيضاح التطابق الشعبي مع البرامج النظرية والسياسية لكل حزب على حدى بما يسهل التحالفات والاندماجات الممكنة، بدل حزب يدعي تبني الاشتراكية وأعضاءه رأسماليون أو حزب ليبرالي وقواعده إقطاعيون وكومبرادوريون.
2/ يجب التذكير أكاديميا أنه عادة ما تصنف الأحزاب إلى مايلي:
أ- أحزاب الأطر تعتمد في منخرطيها على الكفاءات وذوي الرساميل وهي غالبا ما تكون مرجعيتها أطروحات الليبرالية الرأسمالية كأحزاب أمريكا الشمالية، أما التجمهرات الكبرى التي تعقد ها بمناسبة الانتخابات فمردها لوسائل الدعاية واللوجستيك التقني والتمويلات من طرف الشركات الكبرى.
ب- الأحزاب الجماهيرية: تنفتح على قاعدة جماهيرية واسعة، غالبا ما تشكل حزاما لها من المركزيات النقابية والجمعيات، ويغلب على منخرطيها الطبقات الوسطى والجماهير المستضعفة وتختار مرجعيتها النظرية من الاشتراكية الديمقراطية والاجتماعية الديمقراطية وتوظف الإضراب الاحتجاجي لبلوغ طاولة الحوار مع السلطة أو التوفق في الانتخابات.
ت- أحزاب النمط المختلط (اطر وجماهيرية): تجمع بين مواصفات أوب أعلاه، تكون مرجعيتها مزيجا من المطارحات الوطنية والدينية كأحزاب المسيحية الديمقراطية بألمانيا وإيطاليا بعد القضاء على الفاشية والنازية واليونان واليمين الاسباني. وبالمغرب نجد نماذج لذلك من خلال أحزاب: الاستقلال والبيجيدي (مع العدل والإحسان إلى حد ما) والحركة الشعبية ولو أن هذا الأخير ناقص الضوابط التنظيمية مع ترجيح العرقية الأمازيغية.
ث- الأحزاب الطليعية: التي تطمح لتكريس الثورية ضد نظام الحكم الطبقي، تعكس آمال ومطامح التحالف التاريخي للبروليتاريا والعمال الزراعيين والمثقفين العضويين بلغة التحليل المادي التاريخي والجدلي والهادف إلى بناء المجتمع الاشتراكي الخالي من الطبقات.
فالحزب الطليعي محكم التنظيم هو بمثابة كومندو مقدمة ثورة جماهير الشعب الكادح، في أفق تحقيق إستراتيجيته ينوع الحزب الطليعي مرحليا مواقفه السياسية بين المقاطعة أو المشاركة في القضايا التي يطرحها الحكم كالانتخابات أو الاستفتاءات دون المشاركة في الحكومات إلا إذا كانت المشاركة حاسمة للدفع بعجلة الثورة وفق ميزان القوى.
ج- أحزاب غير قابلة للاستمرار: تؤسس خارج الضرورة الموضوعية للفعل السياسي ولا بناء على تحليل ملموس، فتكون أوراقا في يد فعاليات الدولة والسلطة لابتزاز الأحزاب الأخرى في مواقفها، هذا ونجد بالمغرب أمثلة متعددة منها، كما في لبنان من خلال حزب الكتائب الذي أسسه بيير جميل.
IV) راهنية المشهد الحزبي المغربي واحتمالات المآل:
1/ الباب الخامس بفصوله التسعة من القانون المنظم للأحزاب المزمع مراجعته كليا أو جزئيا، يمارس على الأحزاب ترغيبا لتشكيل اتحادات فيما بين الأحزاب إلى درجة إمكانية الاندماج، فاتحا الباب في ذلك لإرادة قادة الأحزاب من خلال أجهزتها التقريرية وذلك دون قيد التقارب في الرؤى أو التوجهات النظرية والسياسية وغيرها من محددات التحالفات.
ومن الناحية العملية فعند تجميع نتائج الانتخابات الأخيرة 2007 و2011 فمنوالها يشير إلى أن الدولة تعتمد عشرة أحزاب وبدرجة أقوى خمسة أحزاب تشكل السند المالئ للمشهد الحزبي انطلاقا من المقاعد المحصل عليها في البرلمان والوحدات الترابية المحلية وهي معايير غير دقيقة ولا مقبولة في دواعيها.
2/ فالديناميكية الجماهيرية إنما تحسب لفائدة الأحزاب المناضلة بالمفهوم العلمي لكلمة النضال بحمولتها الاجتماعية، بما في ذلك أحزاب منخرطة في أجهزة الدولة رغم توفرها على قدرة التحريك المناسباتي للجمهور.
يمكن تصنف الأحزاب المغربية عبر مجموعات وفق معايير أهمها:
أ- تقارب في المرجعية والهوية النظرية.
ب- تقارب المواقف السياسية.
ت- تشارك في نوعية الجمهور المستهدف في الخطاب الحزبي.
ث- طبيعة النظرة للواقع بين الحفاظ على ما هو عليه أو العمل على تغييره وذلك بالنسبة للأحزاب التي تتطابق في المحددات الثلاث الأولى إلا في الرابعة مثل الأحزاب المتبنية أساسا للبيئة فهناك فرق بين حزب الخضر وحزب البيئة والتنمية المستدامة مثلا.
* المجموعة الحزبية الأكثر وضوحا وانسجاما هي المكونة لتجمع اليسار الديمقراطي الذي يضم: أحزاب تحالف اليسار الديمقراطي وهي: حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والحزب الاشتراكي الموحد والمؤتمر الوطني الاتحادي بالإضافة إلى حزب النهج الديمقراطي:
جل هذه الأحزاب تتبنى الاشتراكية العلمية مع التركيز على النضال وسط جماهير الشعب الكادح، وفي الأغلب الأعم تتخذ هذه المجموعة اليسارية مواقف سياسية منسجمة بمقاطعة التصويت على الدستور أو الانتخابات وفي أحيان أخرى تقدم لوائح مترشحين مشتركة كان نموذجها اقتراع 2009، وقد توفقت هذه الأحزاب في التظاهر ضد غلاء المعيشة ومناهضة خوصصة القطاعات العمومة كما دأبت على تنظيم أنشطة جماهيرية مشتركة وأخرى داخلية مما يؤهلها إلى تطوير عملها الحزبي المشترك لمستوى أرقى بشكل مدروس وواضح معالم المستقبل خاصة وأنها تنشط في إطار نفس الحزام الجماهيري النقابي والحقوقي والجمعوي.
* المجموعة الثانية التي راكمت العمل المشترك رغم نواقص تهم المرشح المشترك فتضم كل من أحزاب: الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال ويمكنها أن تتوسع لتضم الحزب العمالي والحزب الاشتراكي لأسباب عضوية وأخرى تتعلق بالمواقف السياسية كأحزاب ذات طبيعة الحس الوطني والبورجوازية أطرها المؤثرة في تلك القرارات ثم لعلاقتها بالسلطة المركزية للدولة.
وإذا كان لبعض مكونات أجنحة بهذا الحزب أو ذاك تشهر بتقاربها لأحزاب المجموعة الأولى اليسارية، خاصة في الاتحاد والتقدم والاشتراكية فإن ذلك غير معلن ولا يشكل قوة دافعة لتحقيق هذا التقارب نظرا لإكراهات إحساس الماضي التليد لكل حزب على حدى.
وفي نفس الوقت فإن حزب الاستقلال مذهبيا هو أقرب إلى البيجدي من الاتحاد الاشتراكي، وطبقيا فهو (الاستقلال) أقرب إلى التجمع الوطني للأحرار خاصة أمام غياب ليبرالية وطنية تناهض التغول الرأسمالي العالمي تتحكم في الثروة وتتميز هذه المجموعة بكونها الأكثر إخلاصا للحكم والأكثر انتفاعا من ذلك.
* المجموعة الثالثة ذات المشرب الليبرالي على الطريقة المغربية فأغلب أطرها رجال الإدارة المدنية أو ذات الارتباط بالداخلية وهي حسب التحقيب الزمني نفذت سياسة التقويم الهيكلي وأولى الأحزاب التي طبقت سياسة التدبير المفوض والخوصصة رفقة المجموعة الحزبية الثانية.
وهذه المجموعة هي خليط من المكونات العضوية لكل حزب بين ذوي الرساميل ومالكي العقارات الفلاحية الكبرى والعقارات الصناعية، وهي أولى الأحزاب التي أدخلت المال الانتخابي للمشهد الحزبي (التجمع والاتحاد الدستوري، الحركة الشعبية، الوطني الديموقراطي ...) كما يندرج ضمن هذه المجموعة المسماة ليبرالية وتتبى الحداثة نجد البام والأحزاب المتفرعة عن نفس أحزاب هذه المجموعة وهي متعددة بيئية أو تنموية أو حركية.
* المجموعة الرابعة وهي المصنفة ضمن الإسلام الحزبي (تمييزا عن إسلام الدولة والمجتمع) يتعلق الأمر بأحزاب البيجيدي الذي كرس خدماته للحكم ببلوغه موقع الأغلبية في الحكومة وهو الذي لم يبرئ ساحته من جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون إلى جانب الفرع المتبقي من الشبيبة الإسلامية ولازالا يلتقيان في الدفاع عن عبد الكريم مطيع، كما يجدد البيجيدي ولاءه لعبد الكريم الخطيب أكثر من ولاءه للحكم.
وضمن خانة هذه المجموعة هناك جماعة العدل والإحسان التي تختلف عن سابقها في كون الأول تنطبق عليه "يبيعون بآيات الله ثمنا قليلا" نظرا لحجم الاستفادات المالية، باسم الإسلام الحزبي من مؤسسات دولة المغاربة المسلمين، على أن الجماعة في بعدها الاستراتيجي تتجاوز ما هو وطني داخلي إلى أممية الخلافة والإمامة كما تشير إليه ندوات نقباء الجماعة، وهي مؤهلة للعسكرة المدنية.
وإلى جانب من ذكر نجد حزب الأمة وحزب البديل الحضاري بتميز حداثي معصرن أقرب إلى ليبرالية بعض فروع الشيعة.
إن مكونات هذه المجموعة رغم عناصر التباين فيما بينها، فإنها تبقى أسرة واحدة في المنشأ والمذهب وتجاه من تتنافس في استهدافها للاستقطاب من الجمهور، وحتى عندما يحتد الصراع حول قضايا منها: إلغاء عقوبة الإعدام، الأبناك الإسلامية، استغلال المساجد، الحدود والعلمانية كأمثلة فإنها تلتقي مباشرة في الموقف.
* صحيح لم تذكر هذه المداخلة كافة الأحزاب، فغير المشار إليها لن تخرج عن هذه المجموعات الأربع، كما أن هذه المجموعات شأنها شأن الأحزاب التي تكون كل واحدة منها بالضرورة ستشهد خلخلة عاجلا أو آجلا.
فإذا كانت الدولة نفسها عرفت تطورا غير عادي بفعل عامل الاستعمار بتأثير أقوى على عوامل التكوين والتطور الداخلي الطبيعي للدولة المغربية، فإن نفس الملابسات تنطبق بشكل كبير على الأحزاب السياسية المغربية دون تجاهل التناقضات الداخلية لكل حزب على حدى خاصة في ظرفية حاسمة كسنة 1958 و1972 و1983 وهي تواريخ لقفزات نوعية وموضوعية ولو تعلقت بحركة حزبية معينة جسد استمراريتها حزب الطليعة، كما أنه من الطبيعي أن يشهد هذا الحزب أو ذاك تصدعا داخليا بمناسبة مؤتمر أو بغيرها.
V) حتمية خلخلة المشهد الحزبي واحتمال المتعين لتغير المجتمع
1/ عوامل الخلخلة: عند تحليل ظاهرة الحزب السياسي يؤخذ بعين الاعتبار عناصر المكان والزمان ومعادلة الثوابت والمتغيرات وتداخل الكم والكيف وتفاعل النظرية والواقع مع وحدة المتناقضات، هذه المحددات هي التي توفر شروط الارتقاء والتجاوز.
أ- وعليه فإنه من الأكيد أن يصدر قانون جديد ينظم الأحزاب السياسية وهو ما سيكون له تأثير على وجود أحزاب مؤهلة للاندثار ماديا أو بالتحاق الأعضاء بأحزاب أخرى تحت نفس الاسم أو بالاتفاق على تغيير الاسم لما هو جديد خاصة بالنسبة لمن لا يعير أية قيمة لرصيد اسم حزبه التاريخي.
ب- نتيجة لما يشهده المغرب من إحداثات على مستوى المنظومة الاقتصادية وقطاع الخدمات خاصة مراكز الاتصال ذات الارتباط بالشركات متعددة الاستيطان بما يبعث على العصرنة والتحديث وتغلغل اللغات الأجنبية المعبرة عن ثقافتها فإن هذه العوامل الاقتصادية والتواصلية تؤثر بالضرورة على النسيج الاجتماعي والسياسي المغربي.
كما أن التشكلات الاجتماعية والطبقية ستشهد تغيرا لفائدة الطبقات الوسطى، وهي التي يغذي أفرادها الأحزاب الديمقراطية بشقيها اليسارية والاجتماعية الديمقراطية.
ت- إذا ما التزمت الدولة بشكل حازم بمحاربة شراء الذمم والمال الانتخابي فإن الأحزاب التي بنت استراتيجيتها على ذلك ستعرف اندثارا تدريجيا خاصة بالنسبة للتي يعتمد أعضاءها على اقتصاد الريع وتستظل بظل الطبقة الحاكمة.
ث- وأمام انحسار قدرة أحزاب هذه الحكومة في معالجة الأوضاع العامة المأزومة فإن الكتلة الناخبة لها من المستضعفين ستغير وجهتها إلى المخزن مباشرة أو إلى أحزاب اليسار التي عليها تطوير أساليب التواصل والتعبئة التحريضية.
ج- لقد كشف واقع الرأسمالية المتوحشة فشل مرحلة عولمتها كنمط إنتاج فريد، وأصبح معه الرجوع للدولة المتدخلة أو التأميم للقطاعات الانتخابية الاستراتيجية ضروري وحتمي وهو ما يرجح كفة قوى اليسار الديمقراطي، كما ثبت بأوربا الجنوبية وحالات التراجع بالمغرب عن التدبير المفوض المخوصص، أو من خلال قرارات الحكومة الاشتراكية الفرنسية باسترجاع مراكز الاتصال الاستثمارية إلى الموطن الفرنسي بدل الاستثمار خارج التراب الفرنسي لمعالجة العطالة المثقفة والعادية على السواء، الشيء الذي سيضاعف من معامل البطالة بالمغرب وهو خزان لليسار وللإسلام الحزبي ولكل محتمل آخر خارج ما هو منظم.
ح- إذا رفعت فعلا الطبقة الحاكمة غطاءها للانتهازية المالية والسياسية فلن تتقوى بالسلطة الأحزاب المهيكلة خارج الضرورة الديمقراطية.
يذكر بالمناسبة أنها هي أحزاب قليلة بالمغرب لها امتدادات الدبلوماسية الحزبية كالمجموعة الأولى والثانية المشار إليهما أعلاه، فباستثناء أحزاب الحركة الوطنية وحركة التحرير الشعبية، فلا علم لنا على الأقل بمن يدافع في المنتديات الدولية عن القضايا الوطنية (الصحراء – الثغور – تحرير الاقتصاد – قضايا حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية من الشغل إلى الحق في الحياة بكرامة وسلامة.
خلاصة أولية:
مع اعتبار محو الأمية والتواصل الإعلامي، فإن كل هذه العوامل وغيرها ستغير واقع الحزبية المغربية لتصبح منطقية الوجود والفعل السياسي، وإن مختلف المؤشرات تفتح المآل لفائدة اليسار لبلوغ السلطة الحقيقية أو على الأقل التداول عليها بدل التناوب على المرتبة الأولى لعدد مقاعد مجلس النواب عند متم كل خمس سنوات.
انتهى العرائش 27/8/2012

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق