جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الطبقة العاملة المغربية وخصوصيتها بقلم : احمد بنجلون 1978

 الطبقة العاملة المغربية وخصوصيتها

بقلم : احمد بنجلون
أيها الإخوة ،
أود قبل كل شيء إبداء ملاحظة أولية وهي :
أن هذه الندوة ، حول الطبقة العاملة، علينا ألا نعتبرها كباقي الندوات السابقة أو اللٱحقة، ذلك أنه حينما نتحدث عن الطبقة العاملة والمشاكل التي تعاني منها، علينا أن نفعل ذلك ليس وكأننا نتحدث عن مشاكل تقنية أو عن قضية من القضايا الإجتماعية.
وحينما نعقد هذه الندوة حول الطبقة العاملة فلا نفعل ذلك وكأن الطبقة العاملة "موضوع" للتشريح والبحث والمعالجة أو كأنها تطرح مجرد مشكل كمشاكل الصحة والسكن والتعليم يجب إيجاد حلول لها ، أو كأنها مفعول يمارس عليه الفعل .
إن حزبنا، الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، قد تبنى بوضوح الإشتراكية العلمية، أي أنه قد تبنى ايديولوجية الطبقة العاملة.
وأن الطبقة العاملة في حزب تبنى الإشتراكية العلمية تشكل محور الوعي والتنظيم ومحور العمل والصراع : فإنها الفاعل والمفاعل الذي يحرك الحزب، هذا لأن الطبقة العاملة هي طليعة الكادحين و رأس حربتهم في النضال ضد الإستغلال.
إن الحديث عن "طبيعة الطبقة العاملة المغربية وخصوصيتها " يقتضي وبإلحاح وخاصة في المرحلة التي يمر منها حزبنا، الإنطلاق في أبجدية قد تبدو للبعض جد بسيطة لكنها ضرورية لتركيز عدد من المفاهيم الأساسية التي اعتبرنا التذكير بها ضروريا أشد الضرورة لإدراك مفهوم الطبقة العاملة نفسه، وللوصول الى هذا المفهوم كان لا بد من تحديد مفهوم الطبقات الإجتماعية بصفة عامة، كما سنستعرض بعض اللمحات التاريخية عن نشأة وتطور الطبقة العاملة في العالم وفي المغرب، لنخلص إلى الوضعية التي توجد عليها الٱن. غير أن الطبقة العاملة التي برزت للوجود مع ظهور الرأسمالية الصناعية سواء في أروبا أو في المغرب لا تعيش وحدها في المجتمع.
إنها طبقة من الطبقات التي يضمها المجتمع، وقبل الحديث عن دور الطبقة العامة في هذا المجتمع سنرى أن مفهوم الطبقة العاملة إذا كان واحدا وواضحا وغير قابل لأية مغالطة أو تزييف، فسيتضح لنا أيضا أن هذا المفهوم صحيح كذلك بالنسبة للطبقة العاملة المغربية ذلك أن "خصوصيتها" لا تأتي من خاصيات في طبيعتها بل من مسارها التاريخي فقط.
وهنا لا بد من الحديث عن دور الطبقة العاملة في الصراع الذي يعرفه المجتمع الرأسمالي سواء الإمبريالي أو المتخلف، وعن دور حزبنا في العمل على بث الوعي الطبقي في صفوف العمال و تعبئتهم و تنظيمهم حتى يتمكنوا من خوض صراعهم ونضالهم كطبقة واعية بأن مصالحها ومستقبلها البعيد يتنافيان في النهاية مع مصالح الطبقات المستغلة.
إذا سينقسم هذا المدخل للنقاش إلى ثلاثة أقسام :
1 – تعريف بمفهوم الطبقة العاملة
أ‌ - الطبقات الإجتماعية
ب‌ - الطبقة العاملة
2 – نظرة تاريخية حول الطبقة العاملة ووضعيتها الراهنة
أ‌ - الطبقة العاملة في النظام الرأسمالي في أروبا
ب‌ - الطبقة العاملة المغربية
3 – موقع الطبقة العاملة بكل تحالفاتها
أ‌ - الأسس النظرية لطلائعية الطبقة العاملة
ب‌ - دور الطبقة العاملة النضالي
1 تعريف بمفهوم الطبقة العاملة :
قبل التطرق لمفهوم الطبقة العاملة بالذات، لابد من محاولة التعريف ولو بإيجاز لمفهوم الطبقات الإجتماعية بصفة عامة.
أ‌- الطبقات الإجتماعية :
إن هذا المفهوم كما جاء في تحليل مؤسسي الإشتراكية العلمية يعني : "جماعات واسعة من الأشخاص تتميز عن بعضها البعض بالموقع الذي تحتله في نظام تاريخي معين للإنتاج الإجتماعي ، كما أنها تتميز بعلاقتها بوسائل الإنتاج وبالدور الذي تلعبه في التنظيم الإجتماعي للعمل أو بعبارة أخرى بالوسائل التي تمكنها من نصيب الخيرات الإجتماعية ومقدار هذا النصيب : والطبقات الإجتماعية هي جماعات من الأشخاص يمكن لإحداها أن تستولي على عمل الأخرى بسبب المواقع المختلفة التي تحتلها في نظام معين للإنتاج الإجتماعي".
وهذا التعريف يتضمن ثلاث مقاييس لتحديد الطبقة الإجتماعية :
1- الموقع في الإنتاج : إن الأشخاص الذين يحتلون نفس الموقع في الإنتاج ينتمون إلى نفس الطبقة .
2- العلاقة بالنسبة لوسائل الإنتاج : أي علاقة الملكية، فهناك من يمتلك وسائل الإنتاج ومن لايمتلك شيئا منها.
3- وأخيرا هناك الدور في التنظيم الإجتماعي للعمل الذي يقتضي إمكانية الحصول على نصيب معين من المنتوج الإجتماعي .
ولابد من التذكير هنا بأن وجود الطبقة الإجتماعية بهذا المفهوم و بناء على المقاييس الثلاثة التي ذكرنا، يقتضي أن تكون علاقة الإنتاج السائدة في المجتمع هي علاقات منتجين بملاك وسائل الإنتاج، وهذا يعني أن تكون العلاقات الإجتماعية هي علاقات استغلال : والمجتمع الطبقي هو بالأساس مجتمع استغلال الإنسان للإنسان .
وانقسام المجتمع الإنساني الى طبقات يشكل ظاهرة تاريخية أساسية لكنها مؤقتة في ذات الوقت، ذلك أن الطبقات لم توجد دائما في التاريخ ، فالمجتمعات البدائية لم تعرف الطبقية بسبب بدائية قواها الإنتاجية، وتطور هذه الأخيرة هو الذي أدى الى إنتاج فائض. وباستيلاء خواص أو قبائل أو مجموعات على هذا الفائض بدأ انقسام المجتمع الإنساني الى طبقات .
وكما أن الطبقات لم توجد دائما في تاريخ المجتمع الإنساني، فإنها لن توجد الى الأبد .
فالتحليل العلمي بالمادية التاريخية قد توصل الى النتيجة التالية :
الإشتراكية ستسود حتما المجتمع الإنساني الذي سيصبح مجتمعا بدون طبقات .
ومن الضروري استعمال مفهوم الطبقات المبني على المقاييس التي ذكرنا انفا إذا اردنا فعلا تحليل واقع البنيات الإجتماعية والتناقضات الطبقية داخل المجتمع الطبقي وبالتالي معرفة طبيعة الصراع الذي نخوضه طبقات ضد طبقات أخرى .
وكل من يحاول تجنب هذا المفهوم الطبقي الدقيق واللجوء الى مفاهيم او مصطلحات أخرى مثل فئات أو مجموعات أو فقراء أو اغنياء....الخ، لا يفعل شيئا في الحقيقة سوى طمس البنيات الإجتماعية وانقسام المجتمع الى طبقات محددة. وطمس وجود الطبقات ومزجها ببعضها البعض بالمصطلحات التي ذكرنا، وذلك يشكل في الواقع نفيا ملتويا للصراع الطبقي ومحاولة للبحث عن الوفاق بين الطبقات لإخماد ذلك الصراع .
وبناءا على مفهوم الطبقات الإجتماعية سنحاول تحديد مفهوم الطبقة العاملة، وهذا الأخير قد يمكننا من تعميق مفهوم الطبقات الإجتماعية بصفة عامة .
ب - الطبقة العاملة
اذا ألقينا نظرة خاطفة على قواميس الإشتراكية العلمية، سنجد أن الطبقة العاملة تعني طبقة العمال المأجورين الذين يضطرون من أجل كسب عيشهم إلى بيع قوة عملهم وإنتاج فائض القيمة والرأسمال لفائدة الرأسماليين، وذلك لأنهم لا يملكون وسائل الإنتاج.
وهنا لابد من فتح قوس ولو قصير حتى نتفق على معنى ومضمون بعض المفاهيم التي كثيرا ما تعرضت للإبتذال والتزييف في النهاية، والتحكم في مفاهيم مثل "فائض القيمة" بالذات ووسائل الإنتاج والقوى الإنتاجية ...الخ، ضروري أشدالضرورة لإدراك مفهوم الطبقة العاملة نفسه والخروج من التعاريف العائمة والفضفاضة التي تترك في المجال للتحريف أكثر من التوضيح، ولكن المجال هنا ضيق ، ولربما سنتمكن من إلقاء بعض الأضواء على تلك المفاهيم خلال دراسة مفهوم الطبقة العاملة .
فإذا انطلقنا من المقاييس الثلاثة المتعلقة بتحديد الإنتماء الطبقي بصفة علمية (الموقع في الإنتاج، العلاقة بوسائل الإنتاج ، الدور في التنظيم الإجتماعي للعمل أي إمكانية الحصول على نصيب معين من المنتوج الإجتماعي). فبناء على هذه المقاييس إذن سيكون الإنتماء الى الطبقة العاملة ناتجا بالأساس على عوامل ثلاثة :
1- عدم امتلاك أية وسيلة للإنتاج :
ووسائل الإنتاج هي مجموع الأشياء المادية التي تندرج بشكل مباشر وغير مباشر في مسلسل الإنتاج. وتنقسم وسائل الإنتاج إلى :
- وسائل العمل : أي أدوات العمل مثل الآلات أو «المطرقة والمنجل».
الأشياء التي يوثر عليها العمل : مثل المواد الخام أو المواد التى يجب استعمال الآلات والعمل الإنساني لتحويلها إلى بضائع قابلة للعرض في السوق وقابلة للإستهلاك.
2 - إنتاج البضائع :
وينتمي إلى الطبقة العاملة من يعملون في إنتاج البضائع. والبضائع تستمد قيمتها التبادلية من العمل الإنساني وحده وتزداد قيمتها بازدياد كمية العمل الإجتماعي التي صرفت لإنتاجها. فالهواء الذي نتنفسه لا يباع ولا يشترى . فلا قيمة له ( له قيمة استهلاكية وليس تبادلية)، هذا إذا استثنينا طبعا الميزانية المخصصة للحفاظ على البيئة».
أما الأوكسجين الذي يتنفسه رجال الضفادع أو من يصطاد تحت البحار أو في الماء العكر، فله قيمة تبادلية يستمدها من عمل الإنسان الذي صنع الحديد والمطاط والزجاج الصالح لصنع قنينة الأوكسجين
لذا فإن الإشتراكية العلمية تعتبر أن أساس القيمة هو العمل الإنساني، و وسائل الإنتاج نفسها هي نتيجة لعمل إنساني. عمل سابق «میت» مجسد ومبلور في الآلات والمواد الخام والمحروقات... إلخ.
3 - عدم المساهمة في استخلاص فائض القيمة :
وليس كافيا أن يساهم المرء في الإنتاج بعمله وأن لا يمتلك وسائل الإنتاج لينتمي إلى الطبقة العاملة وإن كان هذان المقياسان أساسيين في تحديد هذا الإنتماء، بل يجب أن لا يساهم في استخلاص فائض القيمة التي تذهب إلى جيوب الرأسمال. وهذا معناه أن هناك مأجورين ينظمون الإستغلال لفائدة الرأسمال ويسيرون مسلسل الإنتاج ويسهرون على استخراج فائض القيمة من عمل العمال. ونجد من بين هؤلاء مديري المؤسسات الصناعية وكل أصناف التقنوقراطيين المرتبطين بالراسمال والمنتمين إليه في نهاية التحليل، وقد أطلق عليهم بحق مصطلح البورجوازية التقنوقراطية.
وهذه نقطة مهمة ومركزية لأن أساس النظام الرأسمالي ككل المجتمعات الطبقية هو الإستغلال الذي يتجلى في استحواذ الرأسمالي على فائض القيمة دون مقابل، وفائض القيمة هو القيمة الإضافية التي يمنحها العامل زيادة على ما يكفي لعيشه هو وأسرته.
العمال لا يملكون وسائل الإنتاج كما قلنا بل الرأسماليون هم الذين يملكونها. والعمال مضطرون بذلك إلى بيع قوة عملهم إلى الرأسمال لكسب قوتهم. وقوة العمل هي القدرة وكل المؤهلات الجسدية والذهنية التي يتمتع بها العامل ويوظفها في العمل،
فالرأسمالي يشتري قوة العمل هذه مثلما يشتري البصانع الأخرى كالٱلات والصوف والقطن والخشب والحديد ،،. والثمن الذي يؤديه الرأسمالي للعمال مقابل قوة عملهم هو ما يسمى بالأجور، وهذه الأجور هي ما ينفقه العمال في عيشهم لتجديد قوة عملهم وإنجاب أولاد ليكونوا بدورهم عمالا وأحيانا في نفس المؤسسات، وتلك تطبيقا لذلك المثل العامي والرجعي في نفس الوقت : «صنعة بوك لا يغلبوك
ولكن العمال حينما يجهدون أنفسهم، أي حينما ينفقون قوة عملهم في العمل للتأثير على الأشياء وتحويلها وجعلها تكتسب قيمة تبادلية أو تتضاعف قيمتها الأصلية، فإنهم ينتجون أكثر مما هو ضروري لعيشهم أي التجديد قوة عملهم : وهذا يعني أن قيمة ما ينتجون بعملهم تفوق الأمور التي يتقاضونها مقابل عملهم. فالفرق بين إنتاج العامل والأجر الذي يتقاضاه هو ما يسمى بفائض القيمة وهذا الفائض هو الذي يستولي عليه الرأسمالي.
فالعمال الذين يحولون من طنا واحدا من الصوف
قيمته 5000 درهم بواسطة وسائل أخرى للإنتاج في معمل للغزل والنسيج ،صوف، كهرباء، محروقات، ٱلات. مواد مختلفة ... بالإضافة إلى مختلف المصاريف) قيمتها 3000 درهم قد أضافوا الى قيمة وسائل الإنتاج التي أتى بها الرأسمالي قيمة جديدة (أو مضافة) قدرها :
30000 – 8000 = 22000 درهم و لكن العمال لم يتقاضوا سوى 10000 درهم كأجور اجمالية ، ففائض القيمة سيكون : 22000 – 10000 = 12000 درهم و حجم فائض القيمة بالنسبة لل‏5:13 مهو الذي يمارسه الرأسمال على الطبقة العاملة، ونسبة الإستغلال في المثال الذي ذكرنا هي :100 * 120000 = 120 ‰ 10000
وفائض القيمة هو الشكل الذي يتخده فائض الإنتاج في النظام الرأسمالي، وبذلك فإنه يشكل القاعدة الإقتصادية الأساسية للرأسمالية، وبدونه لايمكن للراسمالية أن تستمر في الوجود.
ومفهوم فائض القيمة هو الذي يكشف عن دواليب مسلسل الإستغلال في النظام الرأسمالي، ولو أن فائض القيمة لا يتخذ الشكل المباشر والإجمالي الذي أبرزناه في المثال أعلاه، بل إنه يتخد أشكالا مختلفة ويتوزع الى ربح وريع وفائدة الخ....
وخلاصة القول أن أهمية هذه المفاهيم كلها التي جاءت بها الإشتراكية العلمية تكمن في كونها أداة للتحليل .
ومفهوم الطبقة العاملة والطبقات الإجتماعية بصفة عامة هو مفهوم نظري وليس نفعيا (براغماتيا) . ولكن لا يجب أن نقف عند هذا الحد (عند "ويل للمصلين...") ونقول كما زعم بعضهم أن الطبقة العاملة لا وجود لها إلا في اذهاننا ومخيلتنا.
صحيح أن مفهوم الطبقة العاملة مفهوم نظري، ومفاهيم الإشتراكية العلمية هي مجرد أدوات للتحليل وليس الا، والنظرية العلمية لا يمكن استخدامها كقوالب جامدة وجاهزة .
لكن مفهوم الطبقة العاملة والطبقات الإجتماعية بصفة عامة بعد أن كان نتيجة تحليل لواقع طبقي معين، يجب أن يطبق من جديد على واقع لتحديد الطبقات والإنتماء الطبقي في مجتمع ما. وفي تحديد هذا الإنتماء تكمن كل الصعوبة .
فالطبقات موجودة فعلا ولها طابع موضوعي يفرض نفسه على كل تفكير ذاتي مهما كان بارعا في طمس الواقع وبالتالي الصراع الطبقي.
لذا فإن المقاييس التي تعتمدها النظرية العلمية في تحديد الطبقات، هي تلك المقاييس الموضوعية الٱنفة الذكر : الموقع في الإنتاج ، العلاقة بوسائل الإنتاج ، الدور الإجتماعي في تنظيم العمل.
أما مقياس الوعي في الإنتماء الى هذه الطبقة أو تلك، فلا يغير شيئا من واقع هذه الطبقات.
مثلا، العامل الذي ليس له وعي بانتمائه إلى الطبقة العاملة لأنه يعتقد ربما أن له مصالح ومصيرا مشتركين مع الرأسمال (تحت تأثیر الدعاية والإيديولوجية البورجوازية : تكافؤ الفرص... الخ)، سیبقی عاملا مهما اعتقد. والبورجوازي الذي ليس له وعي بأنه بورجوازي، سيبقی بورجوازيا مهما كان ادعاءه أنه عماليا(وهذه الظاهرة متفشية وسط البورجوازية الصغيرة بالخصوص).
هذا وأن الطبقة العاملة كمجموعة تاريخية تمر من مراحل مختلفة، فتتطور من طبقة بدون وعي طبقي إلى طبقة لها وعي طبقي (أو كما يقول الفلاسفة من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها). وفي هذه المرحلة ستنطبق الوضعية الموضوعية مع الوعي بهذه الوضعية.
غير أن الوصول إلى هذا التطابق (بین الوضعية الموضوعية والوعي بها) صعب جدا وسيكون الكمال بعينه ويتطلب حقبا من الزمن و جهودا طويلة. ذلك أن الطبقة العاملة لازالت حديثة العهد سواء في مجتمعنا أو المجتمعات الأخرى، سيما إذا قيس عمرها بتاريخالإنسانية.
وهذا ما سنحاول إبرازه من خلال استعراض الظروف التي نشأت فيها الطبقة العاملة وأهم المراحل التي مرت منها في المجتمع الرأسمالي عامة وفي المجتمع المغربي على وجه الخصوص، من أجل تحسين وضعية العمال وفي نفس الوقت من أجل الإطاحة بالرأسمالية نفسها وإقامة مجتمع إشتراكي. وفي خضم هذا الصراع الطبقي نشأت الحركات العمالية والسياسية الثورية وبدأت تخوض المعارك تلو المعارك لتحرير الطبقة العاملة من نير الرأسمال واستطاعت أن ترفع من مستوى عيش العمال وتحسين ظروف عملهم.
لكن هذا «التحسن» لم يتحقق نتيجة لنضال العمال فقط، بل كذلك لان الرأسمالية أصبحت في نهاية القرن 19 قادرة على قبول بعض التنازلات لأن المكتسبات التي بدأت تنتزعها الطبقة العاملة لم تكن تمس بكيان الرأسمال وإنما فرضت شروطا جديدة ومتقدمة لبيع قوة العمل واستخراج فائض القيمة، أي شروط جديدة ومتطورة لاستغلال الطبقة العاملة. بل أكثر من ذلك فقد كان في رفع المستوى المعاشي للعمال وتحسين ظروف عملهم ربح كبير للرأسمال لأن هذا الأخير قطع مراحل في تطوره وتقدمه وأصبح يستعمل ٱلات أتوماتيكية وأساليب إنتاجية مدروسة مكنته من رفع إنتاجية العمل واستخراج قدر أكبر من فائض القيمة ولو بتخفيض ساعات العمل ورفع الأجور نسبيا.
وكان الرأسمال في حاجة كذلك إلى عمال متعلمين للتحكم في وسائل الإنتاج الجديدة (بعد اكتشاف التلغراف، والكهرباء، والمحروقات... الخ)، لذا فإن عددا من الدول الأوروبية سنت التعليم الإجباري والمجاني في المدارس الإبتدائية.
وقد تطورت المكاسب العمالية بشكل ملحوظ في القرن العشرين وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وذلك مع تطور الرأسمالية نفسها على مراحل. إلا أن تلك المكاسب تبقى نسبية كما لاحظنا ما دامت الرأسمالية هي الأخرى تتطور وتتخذ حجما أكبر وما لم ينته النظام الرأسمالي الإستغلالي نفسه ويصبح المجتمع بدون طبقات أي خال من الإستغلال : وهو المجتمع الإشتراكي. .
وسنعود إلى الحديث حول «المكاسب» و «الحقوق العمالية حينما سنتطرق للعمل النقابي.
وفي المرحلة الثالثة من التطور الرأسمالي إلى رأسمالية احتكارية عرفت الطبقة العاملة تطورا كميا مهما، لا من ناحية الوعي فقط بل حتی من ناحية تركيبها.
فمن الناحية الإيديولوجية انتشر الوعي في صفوف العمال بشكل واسع ولم تعد الإشتراكية العلمية شيئا «غريبا» أو «معقدا» بالنسبة للطبقة العاملة. بل إنها أصبحت نظريا وعمليا ايديولوجية البروليتاريا إذ أصبح للطبقة العاملة منظرون أكفاء ينشرون وسطها الوعي الإشتراكي لتصبح قادرة على النهوض بمسؤوليتها التاريخية كطبقة.
وذلك يعود إلى تركيب الطبقة العاملة نفسه الذي تطور مع تطور الرأسمال الحديث. فربع الطبقة العاملة في أوروبا وأمريكا مثلا يساهم في الإنتاج بالعمل الفكري والعمل اليدوي معا. وهذا العمل المزدرج يتطلب قدرا كبيرا من التعليم والثقافة. الشيء الذي ساعد على استيعاب النظرية العلمية ونشرها وسط العمال. وقد ظهرت للوجود أصناف أخرى من العمال المأجورين يعملون في قطاعات لا تنتنج إنتاجا ماديا ولكنها تنتج فائض القيمة (مثلا القطاعات العمومية والتوزيع والمواصلات... الخ التي تتمم مسلسل الانتاج). فالطبقة العاملة بمعناها النظري لازالت تشكل في المجتمعات الغربية نفسها أكثر من 45% من العاملين وتوجد فئات أخرى من المأجورين يساهمون في العمل الجماعي، مثل الباحثين والأطر لكن وضعيتهم تختلف عن وضعية الطبقة العاملة لا من حيث الأجور و لا من - حيث الحاجيات والدور في مسلسل الإنتاج (المقياس الثالث للانتماء الطبقي المذكور أعلاه).
لذا يجب أن نميز دائما بين المأجور والعامل إذ أن الأجر لا يكفي لتحديد الانتماء إلى الطبقة العاملة. فهناك مثلا نقابات للمأجورين ليست بالضرورة نقابات عمالية. .
قد يبدو لكم أننا أطلنا كثيرا في الحديث عن الطبقة العاملة في المجتمعات الغربية، ولكن ذلك ضروري أشد الضرورة للتعرف على المحيط الأيديولوجي والتاريخي الذي أحاط بالطبقة العاملة المغربية ونشأتها وتطورها. إذ أن الطبقة العاملة واحدة في كل أقطار العالم
فلا ننسى الأممية البروليتارية) وايديولوجيتها واحدة (الاشتراكية العلمية)، و لا تختلف من مجتمع إلى آخر سوى من حيث ظروفها ومسارها التاريخي
ب‌ - الطبقة العاملة المغربية :
وإذا كانت الطبقة العاملة حديثة العهد في الغرب إذا قيس وجودها بتاريخ المجتمعات الأوروبية، فإن الطبقة العاملة المغربية أكثر فتوة لأنها لم تظهر للوجود إلا سنوات بعد دخول الحماية للمغرب في بداية هذا القرن.
فقبل دخول الحماية، لم تكن التشكيلة الإجتماعية المغربية تعرف نمط الإنتاج الرأسمالي لتكون هناك طبقة عاملة. لأن الطبقة العاملة هي وليدة نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه.
وكان المجتمع المغربي مجتمعا متخلفا لم تعرف قواه الإنتاجية ذلك التطور الذي أدى إلى الصناعة الرأسمالية. بأوروبا. ولحد عقد الخزيرات لم يزل المجتمع المغربي مجتمعا زراعيا يسوده نمط إنتاج شبه إقطاعي مع وجود نظام جماعي في بعض المناطق. وكانت هناك بورجوازية تجارية حضرية وبورجوازية صغيرة حرفية، ولكن البورجوازية المغربية لم تكن أنذاك قد وصلت إلى التراكم المالي والرأسمالي الكافي للنهوض بصناعة حديثة. ونقول هذا مع التساؤل : هل وصلت إلى هذا المستوى حتى اليوم؟ لكن هذه مسألة أخرى.
وكان هناك كادحون في المدن والبوادي يعملون كخماسية أو رباعة أو «متعلمين»... الخ، ولكن يجب أن لا نعتبرهم عمالا بالمعنی الطبقي. الٱنف الذكر، لأن علاقات الإنتاج السائدة في التشكيلة المغربية لم تكن رأسمالية ونظام الأجر لم يكن مطبقا كما هو في مسلسل الإنتاج الرأسمالي لذا فالحديث عن وجود طبقة عاملة مغربية قبل دخول الإستعمار للمغرب، سيكون من باب الوهم والمغالطة الخطيرة التي تؤثر سلبا على أية إمكانية لتحليل المجتمع المغربي وإدراك ميكانيزمات تطوره وتركيبه وبالتالي على إمكانية العمل على تغييره.
نشأة الطبقة العاملة المغربية :
الإستعمار هو الذي أدخل النظام الرأسمالي الحديث للتشكيلة الإقتصادية والإجتماعية المغربية. وقد بدأ بإقامة البنيات التحتية والتجهيزات (قناطر، طرقات، سكك حديدية، سدود، خطوط هاتفية... الخ) الضرورية لاستغلال الخيرات الطبيعية وإقامة قطاع زراعي عصري استعمل فيه الٱليات والتقنيات العصرية واستغل بالطرق الرأسمالية. فالطبقة العاملة المغربية تولدت عن زرع هذا القطاع الرأسمالي الإستعماري في جسم التشكيلة الإجتماعية المغربية التي كانت نسيجا لأنماط إنتاج غير (قبل) رأسمالية. ولكن ظهور الطبقة العاملة المغربية لم يكن ذلك المد الجارف للبروليتاريا الذي اكتسح أوروبا في القرن التاسع عشر، حيث أصبح نمط الإنتاج الرأسمالي هو سيد المجتمعات الأوروبية. بل إن الطبقة العاملة المغربية بقيت محصورة عدديا لأن النظام الرأسمالي لم يتعمم على كافة مرافق الحياة الإقتصادية، وإن كان هو الذي أصبح يسودها.
فقد اقتصر النظام الإستعماري على استغلال الخيرات الطبيعية كما ذكرنا، مثل المناجم والصيد البحري وبعض الزراعات التصديرية وصناعات تحويلية أولية وضرورية لهذا الإستغلال... لذا بقيت الطبقة العاملة المغربية محدودة عدديا. وتلك هي خاصية المجتمعات الزراعية المتخلفة، كما أنها كانت ضعيفة من حيث الكيف إذ أن الأمية كانت متفشية وسط المجتمع المغربي وخاصة وسط الفلاحين الذين أصبحوا عمالا في المناجم أو الصناعات التي لا تتطلب معرفة أو خبرة أو تكوينا تقنيا ومهنيا. فالوظائف في القطاعات المتقدمة كالكهرباء والسكك الحديدية كان معظمها بيد الأوروبيين. ويمكن القول باختصار أن الإقتصاد المغربي كان منقسما إلى قسمين : القسم العصري الرأسمالي الذي أدخله الإستعمار، والقسم التقليدي» أو الأصولي الذي بقي محدودا في مستوى إنتاجية ما قبل الإستعمار وما كان يصاحبها من علاقات اجتماعية. ولكن هذا لا يعني أن هذين القطاعين لم تكن تربطهما أية علاقة. ومن يقول ذلك هم الإقتصاديون البورجوازيون الإمبرياليون الذين يريدون إخفاء ٱلية الإستغلال التي يستنزف الرأسمال الإستعماري بواسطتها الإقتصاد المحلي. وأحد الجوانب الأساسية بالضبط في هذا الإستغلال هو التشغيل واستعمال الرأسمال الإستعماري لقوة العمل الموجودة بغزارة في القطاع التقليدي» الزراعي منه والصناعي الذي دخل مرحلة الإفلاس أمام منافسة الصناعات الرأسمالية). إذ يمكن القول أن الصناعات التي أقيمت في المغرب لم تشيد إلا لأنها كانت تتوفر على يد عاملة شاغرة وضئيلة التكاليف وتمكن الرأسمال من تحقيق أرباح هائلة لم تستطع تحقيقها في البلاد المركزية نفسها.
البنيات الإقتصادية الإستعمارية والطبقة العاملة :
والحقيقة أن هذا الإتجاه لم يتغير كثيرا بعد الإستقلال. فالسياسة الليبرالية التي نهجها الحكام بعد الإستقلال والتي ألقت باقتصادنا في فلك الرأسمال والسوق العالميين، قد كرست وضعية التبعية والبنيات الإقتصادية الإستعمارية. ولكن ما يهمنا هنا في هذه الندوة هو أنها كرست الوضعية المزرية التي كانت تعيشها الطبقة العاملة وعمقتها.
ونجد أن أغلب الصناعات التي أقيمت بعد الإستقلال هي إما تحويلية موجهة للصادرات نحو السوق الرأسمالية أو لأن البلاد المركزية سمحت بها للبلدان المتخلفة لأن تلك الصناعات ستكون لها مردودية أكبر نظرا لتوفر هذه البلدان على يد عاملة ذات تكاليف هزيلة إذا قيست بأجور العمال الأوروبيين أو الأمريكيين أو حتى اليابانيين (والصناعات من هذا النوع : معامل الفوسفور مثلا، وحتى هذه المعامل ليست مكتملة، إذ أنها تنتج مواد نصف مصنعة مشتقة من الفوسفاط).
أما الصناعات الأساسية والثقيلة التي يعتمد عليها في مسلسل التصنيع العمودي والأفقي وفي التنمية الإقتصادية الحقيقية والمستقلة وفي التشغيل وامتصاص اليد العاملة والبطالة المتفشية، فإنها لم تؤسس بعد. وأبرز مثال هو معمل الناظور للحديد والصلب الذي أصبح سرابا لم نتمكن من الوصول إليه منذ أكثر من ربع قرن من الزمن.
وهذه الوضعية هي التي أثرت بالأساس على مسار الطبقة العاملة المغربية وأوضاعها سواء من حيث الأجور أو مستوى العيش والبطالة وحتى من حيث مستوى الوعي والتنظيم النقابي..
والبنيات الإقتصادية لا زالت ترتكز على الإزدواجية : «قطاع عصري/قطاع تقليدي»، التي خلقها الإستعمار. والهدف من هذا الأسلوب هو بالأساس التراكم السريع للرأسمال بتقليص تكاليف الإنتاج. ولكن بماذا؟ أليس بتطوير أساليب الإنتاج وإدخال تقنيات جديدة وبما يقتضيه ذلك من استثمارات هائلة، بل بالطرق الإستغلالية البشعة التي استعملتها " الرأسمالية في بدايتها، أي باستخراج فائض القيمة المطلقة عن طريق الزيادة في ساعات العمل بنفس الأجور أو بأجور أقل مع نفس ساعات العمل، وهذه الأساليب الإستغلالية البدائية لا زالت ممكنة الإستعمال لأن القطاع «التقليدي» لا زال يتوفر على خزان من اليد العاملة التي تنزح من البادية إلى المدن بحثا عن العمل وتتراكم في مدن القصدير. وإن أبسط تقدير في الاحصائيات يتحدث عن نسبة 35 % من العاطلين أو شبه العاطلين من السكان القادرين على العمل في بلادنا.
وفرة هذا الجيش من العاطلين لا يجبر الرأسمال المحلي والخارجي كما حدث ذلك في أوروبا. على الرفع من المستوى المعاشي للعمال حتى لا تتحطم و«تتفسخ» تلك اليد العاملة التي هي ضرورية لإستمرار ونمو الرأسمال، تحت وطأة البؤس والمرض والجوع الناتج عن الإستغلال الرأسمالي نفسه،. والشروط الصحية للعمل وحوادث الشغل الخ...
أما جلب التكنولوجيا والتجهيزات الصناعية الحديثة من البلاد المركزية، فإنه لا يساهم البتة في التخفيف من وطأة الإستغلال والبؤس نتيجة رفع مستوى الإنتاجية كما حدث ذلك من خلال تطور الصناعات الغربية. بل عكس ذلك، فإنه مكن الرأسمال المحلي من الإستغناء عن أعداد كبيرة من العمال مما ساهم في توسيع البطالة وفتح الباب أمام ممارسة استغلالية مضاعفة برفع الإنتاجية من جهة وبسقوط الأجور إلى حدودها الدنيا وفي أحسن الأحوال بجمودها بسبب وفرة الجيش الإحتياطي من العاطلين أما الصناعات أو المقاولات (مثل البناء) التي لا يمكن تحويلها إلى البلدان المتخلفة، فإنها تعتمد على جزء من هذا الخزان نفسه من اليد العاملة للحفاظ على مستوى مرتفع من الأرباح. لذا نرى الملايين من العمال المهاجرين من البلاد النامية يعملون بأوروبا في الصناعات الرأسمالية المتقدمة، ومنهم مٱت الٱلاف من المغاربة.
إذن كل ما يهم الرأسمال المغربي أو الأجنبي هو استخراج أكبر قدر ممكن من فائض القيمة وذلك بتحديد التكاليف وأساسا بالحد من الأجور لرفع الأرباح. وإذا اقتضى ذلك إقامة صناعات محلية فالرأسمالية تقيمها محليا. وإذا اقتضى الأمر هجرة العمال إلى عين المكان بأوروبا، فإنها تهجرهم.
والحقيقة أن القوانين الرأسمالية للعرض والطلب التي تتدخل عادة في تحديد الأجور في سوق الشغل» بالبلدان الرأسمالية المتقدمة، هي سوق «مغشوشة» بالأساس في المغرب. هذا حتى إذا سلمنا بمنطق الليبرالية. لأن نمط الإنتاج الرأسمالي في التشكيلة المغربية لم يشمل بعد كامل الإقتصاد المغربي كما سبق، فالقطاع الرأسمالي لا زال محدودا وليس في حاجة إلى جزء كبير من اليد العاملة المتوفرة وهذه الوضعية تترك المجال واسعا للرأسمالية كي تتحكم كما تشاء في تحديد الأجور لأنها في وضعية احتكارية في استخدام اليد العاملة، مثلما نجد الإحتكارات تحدد كما تشاء أثمان البضائع التي تنتجها هي وحدها.
الإستغلال الرأسمالي والأوضاع الإجتماعية للطبقة العاملة :
وإذا أضفنا إلى هذه العوامل الموضوعية ضعف الحركة النقابية الناتج جزئيا عن تلك العوامل ذاتها، فلا نستغرب أن تكون الأجور قد جمدت طيلة عشر سنوات أو أكثر، أي من سنة 1960 إلى 1971 وذلك رغم صدور ظهیر حول السلم المتحرك للأسعار والأجور. وقد أدى ذلك إلى تدهور مستمر للمستوى المعيشي للطبقة العاملة والمأجورين بصفة عامة، نظرا للإرتفاع المستمر الذي عرفته بالمقابل أسعارالمواد الأساسية، والأكرية الخ... صحيح أن الأجور القانونية قد عرفت ثلاث زيادات من سنة 1971 إلى 1977. لكن كلما حصلت زيادة في الأجور إلا وواكبتها زيادة أكثر ارتفاعا في الأسعار، مما يساهم في تدهور المستوى المعيشي للطبقة العاملة والكادحين وفي تكديس المزيد من الثروات بيد الرأسماليين. والرفع من مستوى الأجور القانونية بنسبة أقل بكثير من نسبة التضخم المالي لم يفعل شيئا سوى التخفيف إلى حد ما من درجة تدهور المستوى المعاشي الفعلي للعمال، وليس توقيف هذا التدهور و بالأحرى الرفع من القدرة الشرائية والمستوى المعيشي. فإذا نظرنا إلى الفترة المذكورة 1971. 1977، سنجد أن الأجر الأدنى في القطاع الصناعي، ارتفع بنسبة 47 % وفي القطاع الفلاحي بنسبة 44 %. ولكن ارتفاع تكاليف المعيشة في نفس الفترة بلغ متوسط 6,60 %. وهذا معناه أن المستوى المعيشي للكادحين لا زال مستمرا في التدهور .
هذا بالنسبة للأجور القانونية المعترف بها في المؤسسات العمومية والشبه العمومية والخاصة. وقد تطبق أو لا تطبق خاصة في القطاع الخاص، ولكن هناك عمال، رجالا ونساء وأطفالا، يعملون في المصانع الصغيرة أو المتوسطة مثل (معامل الميكانيك أو النسيج أو الزرابي أو النجارة أوالحدادة الخ...)، ويمثلون نسبة كبيرة من اليد العاملة.
فهؤلاء يتعرضون لأبشع استغلال من طرف أرباب العمل. ولا يتقاضون حتى الحد الأدنى من الأجور المعترف بها، ولا يتمتعون بأي حق من الحقوق الإجتماعية ولا بأية حماية المنصوص عليها في قانون الشغل. فتجدهم عرضة لكافة أنواع الإستبداد والإستغلال. ويمكن مقارنة وضعيتهم بوضعية عمال أوروبا في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
هناك إذن - ونظرا لتركيب الطبقة العاملة نفسه - تفاوت في مستوى الأجور والمعيشة من قطاع إلى قطاع ومن مؤسسة إلى مؤسسة. ولا يعود هذا التفاوت إلى المستوى التقني أو المهني فحسب، بل إلى حجم المؤسسات وعدد العمال العاملين بها كذلك. فإذا أخذنا عمال مصنع سوماكا لتركيب السيارات مثلا، سنجدهم يتقاضون أجورا مرتفعة نسبيا، بالمقارنة مع - الخمسة أو الستة عمال الذين يعملون في ورشة لإصلاح السيارات، وقد يتمتعون بخبرة أرقى من تلك التي يتوفر عليها عمال سوماكا ويعملون إلى حدود 14 ساعة يوميا، فيتقاضون أجرا هزيلا ولا يتمتعون بأي حق من الحقوق، إذ أن هذا النوع من المؤسسات لا زال في طور الانتقال وربما لن ينتقل أبدا من أساليب الصناعة التقليدية والعلاقات الإجتماعية السائدة فيها، إلى أساليب الصناعة الرأسمالية الحديثة
ودون الإطالة في الحديث في هذا الباب، يمكن القول - ودون أن نخشى منازعة أحد - أن العمال في المغرب يعيشون أوضاع مأساوية ناتجة طبعا عن الإستغلال الرأسمالي من جهة. وأن الأرقام المذكورة تمتد إلى سنة 1977، إذ أن هذا العرض القي في 1978. وبعد هذا التاريخ عرفت الأسعار ارتفاعا مطردا ومهولا خاصة بعد القضاء التدريجي على صندوق المقاصة ونهج «التقشف، وتطبيق تعليمات المؤسسات المالية الدولية، مما جعل القدرة الشرائية للجماهير الكادحة تنهار بحوالي 60 %. وكما تبين من خلال تقرير البنك الدولي لسنة 1981، أن 60 % من المؤسسات الصناعية في المغرب. لا تؤدي للعمال الحد الأدنى للأجور المقرر قانونيا.
وعن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعتها الطبقات المهيمنة والحاكمة منذ الإستقلال من جهة أخرى، وتلك الطبقات هي طبقات الرأسمال نفسها وبقايا الإقطاع التي لا يمكن أن تنهج سوى تلك السياسات اللاشعبية الناتجة عن اختياراتها الليبرالية والتابعة للدوائر الإمبريالية والمؤسسات المالية الدولية والشركات المتعددة الجنسية. هذا وإن قواعد اللعبة الليبرالية نفسها لا تحترم من طرف أرباب العمل الذين يستغلون الطبقة العاملة بالأساليب الرأسمالية ولكن بعقلية إقطاعية في نفس الوقت وهكذا فإن الرأسمال لا يطبق حتى التشريعات الإجتماعية التي وضعت في أواخر الخمسينات ولو على علتها، وذلك بمباركة جهاز الدولة نفسها التي كما تعلمون ما هي إلا بنية فوقية للطبقات السائدة في تشكيلة اجتماعية معينة.
ومن جهة أخرى، فإن الطبقة العاملة والكادحين بصفة عامة، هم الذين يؤدون ثمن الأزمات الإقتصادية والمالية التي تتسبب فيها اختيارات وسياسات الطبقات السائدة والحاكمة وذلك بواسطة الإجراءات المالية والجبائية والضرائب غير المباشرة التي تمس بالأساس مواد الإستهلاك الأساسية التي تمتص أكبر نسبة من أجور الكادحين، والحد من الخدمات الإجتماعية وتقليص الإستثمارات أو القضاء عليها. ما يؤدي إلى توسيع البطالة وتدهور أكثر لشروط استغلال قوة العمل وبالتالي للظروف المعيشية للطبقة العاملة (...).
هذه مجرد أمثلة أدرجناها، وأظنها كافية، لإبراز بعض الخصائص التي تتميز بها الطبقة العاملة المغربية، إذ أن مجال الندوة لا يتسع للمزيد من الإطالة في هذا الباب. ويمكن تلخيص تلك المميزات فيما يلي :
* الطبقة العاملة المغربية فتية ومحدودة كميا نظرا لكون نمط الإنتاج الرأسمالي زرع متأخرا في التشكيلة الإقتصادية والإجتماعية المغربية ولم يشمل كل الحياة الإقتصادية وإن كان مد سيطرته عليها، ولم تتبع سياسة تنمية وتصنيع حقيقية بعد الإستقلال.
* ضعف المستوى من الناحية الثقافية والتكوينية الناتج عن الأصل الزراعي للطبقة العاملة والأمية التي كانت متفشية في البادية والمجتمع المغربي بصفة عامة عند ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي في المغرب.
* منع الأفكار الثورية البروليتارية من التسرب والإنتشار في المجتمع المغربي إلى وقت قريب أي قبيل الإستقلال.
* تشتت وتبعثر العمال في العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نظرا لما سبق عرضه عن طبيعة الرأسمال المحلي.
ونتيجة لهذه العوامل وأخرى متظافرة. وضعف الحركة النقابية ومكتسبات الطبقة العاملة والأخ المنوني سيتحدث بتفصيل عن تطور الحركة العمالية).
* مستوى معيشي للطبقة العاملة منحط وما فتىء يتدهور يوما بعد يوم بسبب هزالة الأجور وتكاليف المعيشة المتصاعدة والتضخم المالي المستمر، وعدم احترام قوانين الشغل والحقوق النقابية والمكتسبات العمالية وحتى قواعد الاستغلال الرأسمالي الليبرالي المعروفة في البلاد المصنعة...
* بطالة واسعة وزاحفة ناتجة عن اختيارات سياسية اقتصادية تابعة لمراكز الهيمنة الرأسمالية الإمبريالية إذ أنها تعمل على تصدير الفائض القومي الذي ينتجه العمال بعرق جبينهم عوض استثماره في مشاريع تمكن من مناصب للتشغيل إضافية تساعد على الحد من البطالة في إطار سياسة تنموية وطنية تحررية.
كما أن هذه السياسة والاختيارات التي أدت إلى توسيع البطالة، جعلت العرض يفوق بكثير وباستمرار الطلب في سوق الشغل، مما يمارس ضغطا مستمرا على مستوى الأجور ويمنعها من الإرتفاع بل ويساعد على تخفيضها في كثير من الأحيان بسبب صعوبة العمل النقابي الناتج جزئيا عن هذه العوامل الموضوعية المثبطة...
ولكن هل يعني هذا الضعف الكمي والكيفي وهذه «الخصوصيات» كلها، أن الطبقة العاملة المغربية غير مؤهلة للقيام بالدور الطلائعي المنوط بها في نضال الشعب الكادح، والبحث عن طبقات أو فئات بديلة لها.للقيام بهذا الدور، كما أصبح البعض يوحي لجماهير حزبنا بذلك ؟ كلا!! وهذا ما سوف يتبين لنا من خلال استعراض الجوانب النظرية والعملية للموقع والدور الطلائعي التاريخي للطبقة العاملة على العموم، والطبقة العاملة المغربية على الخصوص في نضال الجماهير الكادحة في مجتمع طبقي، من أجل القضاء على الإستغلال وبناء مجتمع متحرر واشتراكي.
1- الأسس النظرية لطلائعية الطبقة العاملة :
حينما نقول إن الطبقة العاملة هي الطبقة الطلائعية في أي مجتمع طبقي، وهي التي يجب أن تلعب الدور الطلائعي في النضال من أجل القضاء على الإستغلال وبناء المجتمع الإشتراكي، حينما نقول ذلك. فهذا ليس مجاملة أو تحميسا ديماغوجيا للطبقة العاملة، أو لأن هذه الندوة (**) مخصصة للطبقة العاملة، فلو كان الأمر كذلك، فسنقول لرجال التعليم إنهم هم الطليعة، وللفلاحين إنهم طليعة، وللأطباء إنهم هم الطليعة. وللمهندسين الزراعيين أو المعماريين إنهم طليعة الطلائع (*)، وذلك حسب المناسبات.
الأمر ليس كذلك بتاتا، فحينما نقول إن الطبقة العاملة في طليعة المجتمع فذلك لأن الإشتراكية العلمية بتحليلها المادي التاريخي هي التي أثبتت علميا هذه الحقيقة.. والمجتمعات الإنسانية منذ أن وجدت وهي في حركة دائمة متواصلة، ولكن يجب أن لا نفهم هذه الحركة بمعناها الميكانيكي ولكن كتحول كيفي مستمر. ويعود ذلك إلى الحركة الجدلية التي تحرك المجتمعات الطبقية كما تحرك الكون بأسره بكل مكوناته.
والمجتمعات الطبقية كما يدل إسمها على ذلك هي مجتمعات تتركب من عدة طبقات. ونجد في كل مجتمع وفي كل فترة من فترات تطوره التاريخي، طبقتين رئيسيتين هما اللتان يشكلان تلك الوحدة الجدلية التي اصطلح عليها بوحدة المتناقضات».. والتطور الجدلي للكون يؤدي حتما إلى حل تلك التناقضات بين عنصرين متناقضين وإلى ظهور عنصر ثالث مغاير للتناقضين الأولين معا وناتج عنهما في ذات الوقت. ولكن بمجرد ظهور هذا العنصر الثالث، يبرز عنصر جديد يدخل معه في تناقض تم في صراع إلى أن يتم حل هذا التناقض الجديد وهكذا... وهذه الحركة الجدلية نفسها هي التي تحرك المجتمعات مثلا، حينما كان الإقطاع مسيطرا في أوروبا، كانت هناك أفكار وفلسفات وايديولوجية مساندة تترل بخلود سيطرة تلك الطبقة على المجتمع الأوروبي بأتوقراطيتها وكنانسها ولكن الإقطاع كان لا بد له من طبقة أخرى من التجار مثلا يجلبون له البضائع النفيسة وما لذ وطاب من الطعام والأقمشة الناعمة والحرير والمجوهرات من كافة أركان المعمور، لأن الأسياد لم يرضوا تعاطي تلك المهام - المذلة - وما فتنت تلك البورجوزية التجارية أن راكمت رأسمالا تجاريا ضخما وبدأت تخلق صناعات يدوية (مانوفاكتورات) كانت في حاجة إلى يد عاملة كثيفة كما أشرنا في الجزء الثاني من هذا العرض. ومصدر هذه اليد العاملة كان موجودا في أراضي الإقطاع إذ كان يعمل بها الإثنان رغم انهم مقيدون بتلك الأرض بمقتضى العلاقات الإجتماعية الإقطاعية السائدة آنذاك، ولا حرية لهم في العمل خارجها أي في أراضي أسياد آخرين أو على الخصوص في المصانع التي بدأت تؤسسها البورجوازية...
هكذا بدأ يبرز التناقض بين الطبقة السائدة (الاقطاع) وطبقة أخرى (البورجوازية الصناعية الناشئة). وحينما بلغ هذا التناقض ذروته خاصة على إثر الإكتشافات العلمية والتكنولوجية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فإنه تحول إلى صراع، وهذا الصراع المتفاوت الحدة والضراوة من مجتمع إلى آخر، أدى إلى حل هذا التناقض بعنف أو تدريجيا لفاندة البورجوازية حيث أصبح نمط الإنتاج الرأسمالي سائدا.
ولكن بمجرد حل هذا التناقض بين نمط الإنتاج الإقطاعي ونمط الإنتاج الرأسمالي لفائدة هذا الأخير، برز نقيض جديد كان النمط الرأسمالي نفسه يحمله في طياته، والنقيض الجديد للرأسمالية هو البروليتاريا أو الطبقة العاملة، إذ كان لا بد للبورجوازية من عمال يعملون في مصانعها.
وهكذا تأسست طبقة جديدة يستحيل على الرأسمال الإستغناء عنها وهي الطبقة العاملة، والتناقض بين البورجوازية والطبقة العاملة تناقض تاريخي ناتج عن الطبيعة الإستغلالية للنظام الرأسمالي، وسرعان ما تحول هذا التناقض إلى صراع طبقي، حينما بدأ النظام الرأسمالي نفسه يتطور وينظم الإنتاج بشكل اجتماعي يسمح للعمال بتنظيم أنفسهم وتنسيق وعيهم بأنهم طبقة ذات مصالح تتنافي كليا مع مصالح الطبقة الرأسمالية، ومرة أخرى برز منظرون ومفكرون يحاولون الإتيان بالدليل والبرهان على خلود النظام الرأسمالي كما كان الكهنة ومنظرو الإقطاع يحاولون قبلهم أن يبرروا أن النظام الإقطاعي سيبقى خالدا فيها أبدا. ولكن نمط الإنتاج الإقطاعي نفسه هو الذي أفرز قوی إنتاجية متقدمة كان لا بد لنموها وتطورنا من زوال المؤسسات الإقطاعية، فتقضي على الإقطاع وهذا التطور المادي والتاريخي الجدلي هو الذي أدى إلى نشأة طبقة جديدة وفي النهاية إلى النظام الرأسمالي،
والنظام الرأسمالي بدوره خلق طبقة جديدة والقوى الإنتاجية في ظله تطورت بشكل سريع، مما أدى إلى توسيع نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه في حقبة قصيرة من الزمن وانتشاره أو سيطرته سيطرة تامة على أنماط الإنتاج الأخرى. ولكن النظام الرأسمالي باكتساحه للتشكيلة الإقتصادية والإجتماعية الأوروبية وفي إطار تلك الجدلية التاريخية التي تحدثنا عنها، كان يخلق هو نفسه ويوسع الطبقة النقيض له والتي ستؤدي به إلى الزوال، كان يخلق من سيحفر قبره» كما قال المنظرون الإشتراكيون العلميون الأولون الذين لا حاجة لذكر اسمائهم خوفا من استفزاز بعض المسامع المرهفة منا.
فمرکزة الإنتاج في مؤسسات ضخمة تضم عشرات وأحيانا مئات الٱلاف من العمال، في تنظيم جماعي واجتماعي للإنتاج وتطور الإنتاج الرأسمالي يشكل في حد ذاته قاعة انتظار للإشتراكية كما يقول مؤسسو الإشتراكية العلمية. فالمرور من الرأسمالية إلى الإشتراكية هو حتمية تاريخية. والرأسمالية بجميع أشكالها مهما فعلت وأطالت أحتضارها فإنها محكوم عليها بالإختفاء. والقانون الجدلي التطوري للكون والمجتع الإنساني يحكم عليها بالزوال. والطبقة التي ستخلف الطبقة الرأسمالية بعد القضاء على نمط الإنتاج الرأسمالي، لتشييد المجتمع الإشتراكي المجتمع الخالي من أي نوع من أنواع الإستغلال، أي مجتمع بدون طبقات (لأن الإستغلال مرتبط بوجود الطبقات). الطبقة التي ستشيد المجتمع الإشتراكي هي الطبقة العاملة. وعنه أيضا حتمية تاريخية دياليكتيكية. إذن في كل مرحلة من مراحل التطور التاريخي في المجتمع، نجد أن هناك طبقة تتصدر موضوعيا حركة التجديد لأن موقعها في الإنتاج يؤهلها لذلك. وقد بينا أن الطبقة المؤهلة موشرعيا وتاريخيا لقيادة التجديد في المجتمع الرأسمالي هي الطبقة العاملة.
وكان لا بد لنا أن نمر أولا عبر عرض تلك الخطوط العامة للتحليل العلمي للتطور التاريخي للمجتمعات الانسانية، ليكون بوسعنا أن نقول ونؤكد أن الطبقة العاملة هي الطبقة الطلائعية. هي طبقة المستقبل في المجتمع الرأسمالي المعاصر، ونقول ذلك ونؤكده ونحن ندري ما تقول، أي أننا مقتنعون بما نقول، وأننا لا نردد مجرد شعار
ربما لم نكن ندرك مغزاه العميق أو لم نكن مقتنعين به کامل الإقتناع ولكن اقتناعنا بالدور الطلانعي للطبقة العاملة في النضال للقضاء على الإستغلال الرأسمالي وتشييد المجتمع الإشتراكي، لا يكفي، بل علينا أن ندرك أبعاد هذا الدور وكيفية الإضطلاع به.
2. دور الطبقة العاملة النضالي :
أيها الإخوة، إن تاريخ الإنسانية كله ما هو إلا تاريخ صراع الطبقات. وهذه مقولة أخرى لمنظري الإشتراكية العلمية. مقولة تنبني على أساس تاریخي جدلي صحيح. لأنه كما رأينا فإن المجتمع الطبقي يقوم على التناقض والتناقض لا بد أن يؤدي في مرحلة تاريخية معينة إلى الإحتداد والإنفجار، وبالتالي يصبح الصراع الطبقي هو الٱخر حتمية لا مناص منها ويفرض نفسه في المجتمع الطبقي موضوعيا مهما حاولت الطبقات المستغلة السائدة والمتحالفون معها طمسه أو إنكاره.
ولكن إذا كان إنتصار الإشتراكية في نهاية المطاف حتمية تاريخية، فلا بد من التذكير بمقولة أخرى. للاشتراكية العلمية وهي : «إن صراع الطبقات هو محرك التاريخ». وهذا معناه أنه رغم حتمية انتصار الإشتراكية على الرأسمالية في نهاية المطاف. فإن الصراع الذي تخوضه الطبقة العاملة ضد الرأسمال هو الذي سيعجل بتلك الحتمية التاريخية لذا كان لا بد للطبقة العاملة أن تنظم نفسها وأن تخوض هذا الصراع بجميع أوجهه الإقتصادية والسياسية والإيديولوجية. وقد خاضته فعلا منذ أن وجد النظام الرأسمالي، وعرفت نشأتها مدا وجزرا حسب كل مرحلة تاريخية بل انتصرت جزئيا في بعض الأقطار وتمكنت من القضاء لا نقول على الرأسمالية ووجود الطبقات بل على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج كمرحلة نحو بناء المجتمع الإشتراكي. وهذه معضلة أخرى يجب البحث فيها، فإشكالية الميدان المعروفة بالإشتراكية لا زالت مطروحة : فهل هناك اشتراكية أم رأسمالية للدولة، دولة پروليتارية.!؟.. فالمجال هنا لا يتسع لمناقشة هذه المواضيع التي تعالج مراحل تشييد الاشتراكية ونوعية الصراع الطبقي الذي يتخذ أشكالا أخرى وأقل حدة بعد القضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج أي على الرأسمالية. إذن لنختم هذا القوس. والطبقة العاملة بالإضافة إلى انتصاراتها السياسية الحاسمة في بعض الأقطار، قد حققت انتصارات عديدة في مجالاتها النقابية من أجل تحسين وضعيتها المعاشية في المجتمعات الأخرى التي لا زالت الرأسمالية الإستغلالية مسيطرة عليها.
ومن الناحية الإدديولوجية اليوم، يمكن القول وبصفة إجمالية إن الطبقة العاملة أصبحت لديها إمكانيات كبيرة وذاتية لخوض هذا الصراع ضد الإيديولوجيات الرجعية، وأظن أن ما سبق عرضه يغنينا عن استعراض تاريخي للدور الذي لعبته الطبقة العاملة والموقع الطلانعي الذي تحتته في كفاح الشعب الكادح على مستوى العالم. لذا سنحاول أن نتجه مباشرة بانظارنا إلى دور الطبقة العاملة المغربية.
3. هل للطبقة العاملة المغربية نفس الموقع الطلائعي ؟
لقد سبق لنا التأكيد على أن الطبقة العاملة واحدة في كل أقطار العالم. والشيء الذي يميز طبقة عاملة في بلاد معينة عن أخرى في بلد آخر، هو درجة نموها ووعيها وتنظيمها وقدرتها على خوض صراعاتها ضد الرأسمالية. أما طبيعة الطبقة العاملة فهي واحدة لأن طبيعة الرأسمال الاستغلالية هي واحدة كذلك، وإن اختلفت الأنظمة الرأسمالية من ناحية شكلها من بلاد إلى أخرى.
فالدور الطلائعي المنوط تاريخيا بالطبقة العاملة كما رأينا، يقع أيضا على عاتق الطبقة العاملة المغربية لأنها توجد موضوعيا في طليعة الصراع ذلك لأن نمط الإنتاج الرأسمالي هو السائد في المجتمع المغربي، خاصة وأن الرأسمالية الإمبريالية ما انفكت تحكم قبضتها على اقتصادنا وتهيمن عليه بواسطة أداتها المحلية البورجوازية الكومبرادورية والطفيلية.
صحيح أن هناك طبقات وفنات أخرى من الكادحين والحرفيين والفلاحين الفقراء والبورجوازية الصغيرة بجميع أصنافها وتلارینها وأشكالها، تتعرض جسديها للاستغلال والقهر والظلم إلخ.،.، وكلها لها مصلحة في «تغيير الأوضاع» (و يالها من عبارة جميلة!). وربما قد نجد قطاعات من البورجوازية الوسطى الحانقة على أساليب الحكم والتسلط الإقطاعية التي تكبلها وتكبح جماحها ولا تترك مصالحها ومقاولاتها تتفتق وتزدهر بحرية وليبرالية»
هذا كله صحيح. ولكن الطبقة الوحيدة التي يمكن أن تذهب بالصراع إلى نهايته، هي الطبقة العاملة، وعلى الطبقة العاملة أن تقوم بهذا الدور الطلائعي التاريخي في المجتمع المغربي، رغم ما يقال . وبإلحاح في الأيام الأخيرة من أنها «أقلية» وأن الفلاحين هم الأغلبية ومن أن ماوتسي تونغ أنجح الثورة بالإعتماد على الفلاحين، أنظروا كيف تتدخل حتى الماوية في الوقت المناسب عند بعض الإنتهازيين البورجوازيين، إلى غير تلك المقولات والمغالطات التي لا تستهدف في الحقيقة سوی تحریف وتمييع الأهداف الإستراتيجية للصراع العمالي ضد الرأسمال وبالتالي إجهاض هذا الصراع من الأساس.
وقد تصدى الشهيد عمر بنجلون في مقاله : «الطبقة العاملة المغربية بعد 12 سنة» (على تأسيس الاتحاد المغربي للشغل)، لمن كانوا يحاولون التقليل من أهمية الطبقة العاملة المغربية والتشكيك في طلائعيتها في الكفاح ضد الإمبريالية والرأسمالية والإستغلال في آن واحد. فقد كتب أن الطبقة العاملة المغربية هي التي تعمل في المرافق الحيوية للإقتصاد الوطني، وهي التي تعمل في المؤسسات التابعة لمراكز الهيمنة الإمبريالية، وهي التي تعمل وتتحكم في أنابيب الأوكسجين التي يستنشق منها النظام الإستغلالي السائد في المجتمع المغربي الهواء الضروري الحياة.
وكتب الشهيد عمر بنجلون حول الدور الطلائعي للطبقة العاملة المغربية وبالحرف الواحد ما يلي : «إنها - أي الطبقة العاملة المغربية - تعمل في المرافق التي تهم الإمبريالية أساسا. إنها تعمل في الإنتاج العصري الذي غرسه الرأسمال الإستعماري ووضع بين أيدي وسطاء التبعية الإقتصادية التي نظمت من جديد واتخذت إسم «التخلف». فعمل الطبقة العاملة في المرافق الحيوية يشكل التهديد الأكبر فعالية إزاء المصالح الحيوية للإستعمار الجديد. الدور الطلائعي للطبقة العاملة لا يتعلق بتحويل المجتمع فحسب، بل أيضا وقبل كل شيء بمرحلة التحرير التي هي مرحلة ضرورية لهذا التحول.
إذن يتضح لنا من خلال تحليل الشهيد عمر بنجلون للطبقة العاملة المغربية، أن دورها وموقعها الطلائعي، إذا كان حقيقة ثابتة في التحليل النظري وفي الدول الرأسمالية فإنه يشكل حقيقة أكثر صحة بالنسبة للمجتمع المغربي، إذ على الطبقة العاملة أن تلعب دورا طلائعيا مضاعفا في الكفاح ضد الإمبريالية ومن أجل التحرير من جهة، وفي الكفاح من أجل تحويل المجتمع البورجوازي الشبه الإقطاعي إلى مجتمع اشتراكي من جهة أخرى.
والشيء الذي يجب أن نحاربه بكل قوانا كمناضلين حزبيين اشتراكيين علميين هو الخلط بين الطبقة العاملة وبين الفئات القريبة منها والقابلة للتحالف معها مرحليا وحتى استراتيجيا. وهذا النوع من الخلط هو الذي جعلنا نسقط وقد يجعلنا نستمر في الخلط الإيديولوجي الذي طالما عانى حزبنا منه. فالتمييز الطبقي بالمقاييس العلمية التي ذكرنا في أول هذا العرض هو الذي سيساعدنا على الوضوح الإيديولوجي. وإيديولوجية الطبقة العاملة هي ايديولوجية لا غبار عليها : الإشتراكية العلمية
أما إذا جعلنا من الطبقة العاملة ذلك المستودع أو الإيناء الذي أصبحت تصب فيه فئات لا تمت بصلة إلى الطبقة العاملة من الناحية الموضوعية والعلمية(*) فإيديولوجيتنا كحزب للطبقة العاملة تبنى الإشتراكية العلمية، ستتأثر سلبا لا محالة وستتحول إلى أفكار انتقائية أو إلى مطعم إسباني» كل واحد سيأكل فيه ما أتي به كما يقال.
ويجب التذكير هنا أن مصالح الطبقة العاملة متناقضة في نهاية التحليل مع مصالح كل الطبقات الأخرى. هذا ما قاله لينين. واسمحوا لي إن ذكرت لأول مرة إسما عجميا من أسماء منظري الإشتراكية العلمية، لأن لينين كان يعرف فعلا ما يقول وكان حريصا على الدقة العلمية في استعمال المصطلحات والمفاهيم ولم يكن يسقط بالسهولة التي أصبحنا نشاهدها اليوم في الخلط بين الطبقة العاملة، من جهة، وطبقة «الكادحين» مثلا أو «الفقراء» أو «الطبقات الشعبية» إلى غير ذلك من المصطلحات التي لا ترتكز على أساس علمي من منظور الإشتراكية العلمية في تحليل التركيبة الطبقية في تشكيلة اجتماعية طبقية *)
بعد وضع هذه النقاط على الحروف، علينا أن نؤكد مرة أخرى أن مفهوم طلائعية الطبقة العاملة في الصراع الطبقي في حد ذاته، يقتضي هو نفسه وجود طبقات أو فئات أخرى تتصارع هي أيضا ضد الطبقات الإستغلالية الرأسمالية الإمبريالية والمحلية وضد المستغلين بجميع أشكالهم.
ذلك يعني أن الطبقة العاملة لا تناضل وتصارع وحدها، بل إنها تناضل في طليعة فئات كادحة ومستغلة (بالنصب) أخرى، بل يقع على عاتقها توحيد صفوف تلك الجماهير الكادحة وتعبئتها في الصراع المشترك ومن أجل مصالح مشتركة وأحيانا مصيرية لا يمكن تحقيقها في ظل البنيات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية القائمة والتي يجب تغييرها تغييرا جذريا لتحقيق تلك المصالح.
ولكن يجب أن نقولها مرة أخرى ولا نمل من تكرارها : إن الطبقة العاملة بمفهومها الإشتراكي العلمي، هي الوحيدة التي يمكن أن تذهب بالصراع والنضال إلى نهايته أي أن تعمل في نهاية المطاف على تحويل المجتمع تحولا اشتراكيا.
وهنا يأتي دور الحزب الذي يجب أن يكون بدوره حزبا طلائعيا. أي أنه هو الذي سيقود الطبقة العاملة، إلى هذا الهدف. والدور الأساسي الذي يجب أن يلعبه هذا الحزب هو بث الوعي الإشتراكي وسط العمال وجعلهم يخوضون الصراع الطبقي ضد الرأسمال بشكل جماعي أي كطبقة، بدلا من خوض هذا الصراع بشكل منفرد أو على شكل جماعات. وهذا يعني أن على حزبنا الذي يقول بالاشتراكية العلمية التي هي ايديولوجية الطبقة العاملة، أن يعمل على توعية العمال وتنظيمهم ليتمكنوا من خوض الصراع كطبقة واعية بذاتها ودورها التاريخي، وليس كعمال متفرقين ومشتتين.
ولكن يجب أن نقولها مرة أخرى ولا نمل من تكرارها : إن الطبقة العاملة بمفهومها الإشتراكي العلمي، هي الوحيدة التي يمكن أن تذهب بالصراع والنضال إلى نهايته أي أن تعمل في نهاية المطاف على تحويل المجتمع تحولا اشتراكيا، وهنا يأتي دور الحزب الذي يجب أن يكون بدوره حزبا طلائعيا. أي أنه هو الذي سيقود الطبقة العاملة، إلى هذا الهدف. والدور الأساسي الذي يجب أن يلعبه هذا الحزب هو بث الوعي الإشتراكي وسط العمال وجعلهم يخوضون الصراع الطبقي ضد الرأسمال بشكل جماعي أي كطبقة، بدلا من خوض هذا الصراع بشكل منفرد أو على شكل جماعات.
وهذا يعني أن على حزبنا الذي يقول بالاشتراكية العلمية التي هي ايديولوجية الطبقة العاملة، أن يعمل على توعية العمال وتنظيمهم ليتمكنوا من خوض الصراع كطبقة واعية بذاتها ودورها التاريخي، وليس كعمال متفرقين ومشتتين.
كلمة حول العمل النقابي :
كنت أود أن أقف عند هذا الحد وأن أختتم كلامي بهذه الملاحظة وأترك لإخواني أن يتحدثوا عن العمل النقابي كما هو مقرر في برنامج الندوة. ولكن رغم أنني أطلت في الحديث استسمحكم في إن أضيف كلمة قصيرة أخيرة وليست أخيرة، وهي أن عمل حزبنا الحالي في الميدان النقابي يكتسي أهمية قصوى ولربما تاريخية لأن المغزى العميق لهذا العمل ودون أن ندخل في التفاصيل، هو ربط النضال النقابي للطبقة العاملة بنضالها السياسي أي القضاء على تحريف النضال العمالي وتضييق آفاقه بالتخبط في سياسة ما أسماه بعضهم ب «الخبز»، والخروج بهذا النضال الى ديناميكية جديدة في إطار الصراع الطبقي الواعي والشمولي الذي سبق الحديث عنه.
وعمل التوعية والتنظيم النقابي في صفوف الطبقة العاملة من مهام الحزب الطلائعي التي ذكرنا وجدوا أن لا أول من ذلك واسم یا ہسدی به «استقلالية الحركة النقابية، بل علينا أن نعتز بذلك كوزن
كحزب، و يجب القول أن الحركة العمالية الثورية حينما برزت للوجود لأول مرة، لم تكن تفصل أبدا بين النضال النقابي للطبقة العاملة ونطالها السياسي (*)، لأن الاشتراكية العلمية تعتبر العمل النقابي وسيلة نضالية في يد العمال من أجل انتزاع أكبر قدر من القيمة التي ينتجونها، والتي يستحود الرأسمال على جزء كبير منها أو بعبارة أخرى فإن العمل النقابي يهدف الى تحسين شروط استقلال قوة العمل
ولكن هذا العمل، إذا كان ضيق الأفق ، لا يمس بكيان النظام الرأسمالي الذي استطاع لحد الآن أن يحافظ على نسبة الربح وفائض القيمة الذي يستخرجه من استغلال العمال. بل استطاع أن يرفعه بواسطة تنمية القوى الإنتاجية وتطوير أساليب الإنتاج.
ونحن كحزب، علينا أن لا نعتبر النقابة مدرسة» للطبقة العاملة كما يقال، هذا مع التأكيد على أن النقابات لها وعليها أن تلعب دورها في توعية العمال، لأن العمل النقابي إذا كان منفصلا عن العمل السياسي فسيكون في النهاية مدرسة، لترويض الطبقة العاملة لقبول النظام الرأسمالي الإستغلالي والخضوع له، وهذا ما سقط فيه جهاز الاتحاد المغربي للشغل.
لذا نقول إن مدرسة الطبقة العاملة هو حزب الطبقة العاملة الطلائعي. أي الحزب الذي يقوم نظريا وسياسيا وتنظيميا على ايديولوجية الطبقة العاملة : الاشتراكية العلمية. وهذا الإطار وحده هو الذي يمكن الطبقة العاملة من النضال النقابي الهادف من أجل تحسين أوضاعها المعاشية في إطار الصراع العام والشمولي من أجل القضاء على الإستغلال الرأسمالي، والربط الجدلي بين هذين النضالين في إطار النظرة الشمولية للصراع.
* المسار» (30 أبريل 1986. العدد 27
الطبقة العاملة وإشكالية تحالفها مع الفئات الشعبية الأخرى.
** يتعلق الأمر بالندوة العمالية الوطنية المنعقدة في اکتوبر 1978 والتي مهدت للمؤتمر التأسيسي ل ك.د.ش، وقد ألقي هذا العرض في الندوة المذكورة التي شارك فيها عدد كبير من الأطر النقابيين المنتمين للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *