غازي الصوراني _ كلمة في الذكرى الثانية والخمسون لاستشهاد الرفيق الاديب الروائي المبدع والقائد الوطني والقومي والاممي غسان كنفاني................
غازي الصوراني _ كلمة في الذكرى الثانية والخمسون لاستشهاد الرفيق الاديب الروائي المبدع والقائد الوطني والقومي والاممي غسان كنفاني................
على الرغم من استشهاد رفيقنا غسان عن عمر لم يتجاوز الستة والثلاثين ومشوار طويل ومرير مع المرض، فقد ترك لرفاقه وأبناء شعبه وأمته العربية عموماً والفقراء والكادحين خصوصاً، أضعاف ما تستوعبه تلك السنين القليلة، عبر مشاعل مضيئة ما زالت تغوص في معانيها مشاعر المناضلين، وعقول وأقلام المثقفين الذين كتبوا آلاف الصفحات عن زخم إنتاج شهيدنا المثقف العضوي المناضل والروائي المبدع والكاتب السياسي والإعلامي والفنان غسان كنفاني الذي استطاع ان يصنع معجزته الفريدة، وترك لنا تاريخاً حافلاً بالإبداع والشموخ والتحريض على التغيير والثورة، يعتز به ويسير على هداه كل رفاقه في الجب....هة الشع.....بية الموزعين على مساحة الوطن في الأرض المحتلة 48، كما في مدن وقرى ومخيمات الضفة وقطاع غزة، كما في الشتات والمنافي في كل أرجاء هذا الكوكب ، يناضلون اليوم على أمل استعادة دورهم الطليعي كما كان في حياة غسان ، دون القفز عن المتغيرات التي اصابت القضية والمنطقة منذ استشهاده إلى اليوم .
- فمنذ اقتلاعه من أرضه عام 1948، ظل غسان¨ –كما يقول د. صالح أبو إصبع- يمتلك ما هو أكثر من الذاكرة، لقد كبر غسان اللاجئ الفلسطيني ليكبر معه الوطن وقضية الوطن، ولم يستطع أن يتجاوز ذلك الحلم والهاجس الدائم، فأسهم بإبداعه في صنع حياة الفلسطينيين من حوله، وخاصة رفاقه في حركة القوميين العرب والج.....بهة الشع......بية، لتكون حياة محكومة بالاشتباك الدائم مع العدو الصهيوني ومع واقع المعاناة والفقر والتشرد ، ومع الأنظمة العربية التي قهرت وما زالت تقهر الفلسطيني وتحوله إلى مجرد رقم أو بطاقة تموين أو موظف نفطي يكدس الأموال أو مطارداً للشرطة والمخبرين، هذا هو غسان الذي لم يكن مبدعاً أو روائياً فحسب بل كان مناضلاً وكاتباً سياسياً ملتزماً بأهداف ورسالة الحزب والجب.....هة واستشهد في سبيلها.
- الهدف (المجلة) كانت، الى جانب الإبداع الشخصي، هي من جعل من كنفاني هدفاً للاغتيال، لقد جمع رفيقنا غسان بين عمق المبدع، وجموح الثائر ، وعمق المفكر القومي التقدمي، وحنكة السياسي المناضل، لهذا مجتمعاً كان لا بد من اغتياله.
- ربما نسأل أنفسنا ، ترى لماذا لا زال يُكتَب حتى اليوم عن غسان كنفاني وكأنه اغتيل أمس او كان أدبه كتب قبل لحظة، والجواب بسيط ، غسان كنفاني مبدع متعدد الأوجه والدلالات والأفكار وعمق الرؤية، مع كل مرة تقرؤه تكتشف جديداً، كلما رأيته اكتشفت في وجهه ملامح جديدة، المؤسف اننا نستطيع الزعم بان العدو اكتشف مواهب الرجل قبل ان يكتشفها كثير من الفلسطينيين والعرب، فحسم أمره في حين لا زال البعض في الساحة الثقافية الفلسطينية والعربية غير منتبه إلى ذلك الكائن السري الساكن بين حروف كنفاني.
اذن فالحديث عن المثقف الماركسي الثوري الشهيد غسان كنفاني ، وهو حديث يحملُنا إلى رؤية ِالجبهة منذ تأسيسها للثقافة والمثقف، التي ترى أن الثقافةَ َهي بالمعنى العام إنتاجٌ اجتماعي ، وهي بالمعنى الخاص ذلك القدر من المعرفةِ الذي يتسلح به الإنسان عموماً – وعضوُ الحزب الثوري خصوصاً- في مواجهةِ كلٍ من الطبيعةِ والمجتمع من أجلِ تطوير قواهُ المنتجةُ وعلاقاتُه الإنتاجيةُ و تطويرِ وعيُه هو نفسه، وفي ضوء هذا التعريف ، فإن الثقافةَ بالنسبة لرفاقِنا في الجب...هةِ هي : جملةُ ما يستوعبُه ويراكمُه ويبدعُه هذا الرفيقُ او ذاك على صعيدِ الفلسفةِ الماركسية ومنهجِها ، وعلى صعيد الوعي العميق بالاوضاع الاجتماعية الطبقية وتطورها ، إلى جانب وعي التاريخِ الوطني والقومي من ناحية ، وعلى صعيدِ العلم ِوالأدبِ والفنِ بالارتباط ِالوثيقِ بمجالاتِ الحياةِ السياسيةِ والاجتماعيةِ والاقتصادية ِوكافةِ مجالاتِ الحياةِ المادية والروحية من ناحيةٍ ثانية ، من اجل استخدامِها للإجابةِ على أسئلةِ الجماهير الشعبية المطروحة على الجبهة في كل مرحلة ٍمن مراحل مسيرتِها الثوريةِ من أجل التحررِ والديمقراطيةِ والتقدم في إطار العلاقة الجدليةِ بين الأهدافِ الوطنيةِ والقومية ، وهنا تتجلى خصوصيةُ الواقعِ العربي وتخلفِه التاريخي ، كما تتجلى أيضا في دروسِ وعبرِ ألمثقف الثوري الرفيق القائد الشهيد غسان كنفاني الذي أدرك وناضل من أجلِ تغيير هذا الواقع من خلال استلهامِه الخلاّقِ للثقافة الثورية التقدمية بكل أبعادِها ومكوناتِها العلمية، الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية وأهميةِ تكريسِها في صفوف رفاقِه الجبهاويين .
- ففي البلدان المتخلفة والتابعة ، وخاصة التي لم تتبلور فيها الطبقات ، فإن للمثقف وظيفته الرئيسية في رأينا تقوم على إسهامه في تطوير واستنهاض أو توليد الأحزاب السياسية الطليعية التي تناضل من أجل تغيير الواقع المهزوم وتجاوزه صوب أهدافها الوطنية والقومية المعبرة عن طموحات شعوبها.
- ولكن كيف يفسر هذا الكلام سلوك غالبية المثقفين الذين يؤثرون السير مع السلطة الحاكمة ؟ تأتي الإجابة عبر إقرارنا بوجود –واستمرار- الأزمة الشمولية الراهنة (السياسية- الاجتماعية- الاقتصادية والثقافية)، ذلك ان تشخيص أزمة الثقافة الفلسطينية ( دون عزلها مطلقاً عن إطار الثقافة العربية) لا يعدو أن يكون توصيفاً أو تحديداً لوجه من وجوه تلك الأزمة، وهو وجه لم يكن طوال التاريخ الحديث والمعاصر قادراً على تفعيل أدواته الثقافية أو المعرفية، تفعيلاً رائدا أو رئيساً في السياق النهضوي العام... فالفجوة تزداد اتساعا بين المثقف والواقع، بحيث يتبدى أن المثقف في واد، والواقع في واد آخر، إن هذه الصورة القاتمة دفعت الكاتب الفلسطيني "إحسان عباس" إلى التأكيد على أن غياب المثقف في أدب غسان كنفاني، يعود إلى اطمئنان غسان إلى قدرته على تصوير هذا العالم الواقعي الذي يعج بالكادحين البؤساء، بحيث جعله يشيح النظر عن عالم المثقفين أو النظر إليه في ريبة.
- والسؤال هنا لماذا اتخذ المثقف الشهيد غسان هذا المنحى؟ وهل يعود موقفه هذا إلى الممارسة الذاتية النخبوية للمثقف وغربته عن الواقع؟ أم إلى دور النظام أو المؤسسة الحاكمة (العربية أو الفلسطينية) التي صاغت مثقفاً لا تراه لأنها لا تريد أن ترى دوره الثقافي –السياسي المستقل- كما يقول فيصل دراج بحق، فالثقافة الناتجة عن السيطرة والخضوع لا يمكن أن تكون ثقافة جماهيرية ولا تنتج سوى مزيداً من أشكال الثقافة المأزومة، كما هو الحال في الثقافة التوفيقية أو التلفيقية التي تحتل في هذه المرحلة الهابطة، مساحة واسعة من إطار الثقافة العربية بسبب رئيسي يعود إلى جهود أولئك "المثقفين" المحترفين في إطار مؤسسة السلطة والحكم، او في إطار المنظمات غير الحكومية، وبالتالي فان أهم سمات أزمة ثقافتنا الحالية تكمن في تبرير الوضع القائم وإضفاء الشرعية على الممارسات السالبة - في النظام العربي والسلطة الفلسطينية- عبر أولئك المحترفين الذين لا هم لهم سوى قبض ثمن التكيف او التواطؤ عبر شعارات ديماغوجية قد ينخدع بها البعض في لحظة معينة ، لكنها لن تمتلك مقومات الثبات والديمومة ، إذ سرعان ما ستكشف حركة الواقع زيفها وغياب مصداقيتها .
- إن مهمة المثقف هي ممارسة النقد الجذري لما هو كائن التزاماً بما ينبغي ان يكون عبر وظيفته النقدية بالمعنى الموضوعي، وهي تتناقض كلياً مع وظيفة التبرير، هنا يتداخل عضويا مفهوم المثقف مع مفهوم الطليعة بالمعنى المعرفي والسياسي التي ترى الالتزام تجسيداً لرؤيتها.
- ولعل ذلك ما دفع "جرامشي" إلى التأكيد على دور "المثقف المتمرد" ، أو المثقف العضوي الملتزم ، فالمثقف بالمعنى الحقيقي هو الذي لا يرتضي بالأفكار السائدة أو المألوفة، هذا هو المبدأ الذي جسده غسان حتى لحظة استشهاده.
- فالثقافة بالمعنى الحقيقي، هي الثقافة النابعة من المثقفين الذين لا يرتضون بالأفكار المألوفة، وبأفكار الأنظمة التابعة التطبيعية الخاضعة والمستبدة.
- فما قيمة الثقافة التي لا تتعاطى وتتفاعل مع الهموم الوطنية والطبقية للجماهير الشعبية، وما قيمة المثقف الذي لا ينخرط في العملية التغييرية؟ فجبهة الثقافة هي الجبهة الأخيرة في الواقع العربي المهزوم حسب المثقف التقدمي السوري الراحل "سعد الله ونوس" .
- والسؤال؟ كيف تتحول امة عريقة كأمتنا إلى نعاج تنتظر الذبح... أليس هذا ما آلت إليه هذه الأمة من وجهة نظر مثقف الانظمة الكومبرادورية وقوى اليمين أو السياسات الواقعية؟ إن رفضنا في أحزاب وفصائل اليسار الماركسي في مغرب ومشرق الوطن العربي لهذا الاستنتاج، لا يعني إغفال هذا الواقع المهزوم، بل يعني التمسك – وبوعي عميق- بمبادئنا ودور أحزابنا الطليعي في هذه المرحلة تأسيساً للمستقبل، شرط أن نعمل بعزيمة وثبات على الخروج من حالة الأزمة التي تعيشها مجمل فصائل وأحزاب اليسار اليوم صوب النهوض الذي يتطلع إليه كل رفاقنا، فبالرغم من التجربة الطويلة والغنية، وما جسدته تلك الأحزاب والفصائل من تضحيات غالية ونهج ثوري مميز، إلا أنها تعرضت للعديد من الاهتزازات الداخلية التي لا يتسع المجال هنا للاستفاضة بها، ولكن أهم هذه الاهتزازات هو حالة التراجع الفكري والسياسي والتنظيمي الذي تشهده معظم أحزاب وفصائل اليسار في بلادنا في المرحلة الراهنة.
- ولذلك نحن مع غسان – كما يصف فيصل دراج- لن يكون الكفاح الفلسطيني مجدياً، إلا إذا كان كفاح مواطنين حررت إرادتهم وعقولهم، ولن يكون القائد الوطني جديراً باسمه إلا إذا كان واجبه التحريض على هذه الإرادة وخلق أشكال سياسية بلا مراتب وبلا رعية وأعيان أو محاسيب أو شلل داخل الحزب ، إذ أن استمرار هذا الوضع لن ينتج سوى قيادة عاجزة وغير متجانسة ستدفع بالحزب إلى مزيد من التفكك والخراب .
إن رؤية رفيقنا الشهيد غسان هذه للثقافة ، تبلورت في إطار التزام الجبهة بالثقافة العضوية وبالمثقف العضوي دون تجاوزِ الإبداعِ الأدبي أو الفكري أو الفني لدى هذا المثقفِ الحزبي أو ذاك، وهنا بالضبط ترسخت العلاقةُ الجدليةُ التبادلية بين شهيدِنا غسان وجبهتِه الشعبية على قاعدة الفهم المشترك لدور المثقف العضوي الذي يمكننا تعريفَه وتحديد َمعالمِه وفقَ رؤية الجبهة ، بأنه : العضوُ المنتمي للحزب الماركسي الثوري ، صاحب القناعة والوعي العميق بالنظرية الماركسية اللينينية ، هو الحامل ُلرسالةٍ، لموقفٍ، لرؤيةٍ نظرية مستقبلية من ناحية وهو أيضاً ، "الداعيةُ" "الاختصاصيُ" "المٌحَرِّضُ" "صاحبُ الايدولوجيا" أو حاملُها، المدافعُ عن قضايا وتطلعاتِ الجماهير الشعبية ، الملتزمُ بالدفاعِ عن قضيةٍ سياسية تتجلى في ممارسة مفهوم التحرر الوطني ضد الوجود الصهيوني والامبريالي من منظور طبقي ماركسي ثوري ، كما تتجلى في نشر القيم الثقافية والمجتمعية أو الكونية برؤية اشتراكية ثورية واضحة، بأفكاره أو بكتاباته ومواقفه تجاه الرأي العام، هذه صفتُه ومنهجيتُه، بل هذه مشروعيتُه ومسئوليتُه تجاه عملية تحقيق اهداف النضال الوطني الفلسطيني التحرري والنضال القومي التقدمي الديمقراطي في الوطن العربي .
أدرك الرفيق الشهيد غسان مهمة المثقف العضوي التي جسدها في انتماءه للجبهة والتزامه الخلاق بهويتها ومبادئها ومواقفها الوطنية والقومية والأممية ، مدركاً أن مهمة المثقف هي ممارسة النقد الجذري لما هو كائن التزاماً بما ينبغي أن يكون عبر وظيفته النقدية بالمعنى الموضوعي ، وهي تتناقض كلياً مع وظيفة التبرير ، أو الاعتراف بالأمر الواقع ، هنا يتداخل عضويا مفهوم المثقف مع مفهوم الطليعة بالمعنى المعرفي والسياسي التي ترى الالتزام بأهداف النضال الوطني ضمن الإطار القومي تجسيداً لرؤيتها .
ولعل ذلك ما دفع "جرامشي" إلى التأكيد على دور "المثقف المتمرد" ، أو المثقف العضوي الملتزم، فالمثقف بالمعنى الحقيقي هو الذي لا يرتضي بالأفكار السائدة أو المألوفة، هذا هو المبدأ الذي جسده غسان حتى لحظة استشهاده .
لذلك كله ، ينبغي علينا في الجبهة الشعبية، التمييز بين من يمارسون الفكر من أجل تغيير الواقع والثورة عليه، وبين من يمارسون تحطيم الفكر والوعي حفاظاً على مصالحهم وتبريراً للنظام أو السلطة أو الواقع البائس الذي يحتضنهم .
- شعبنا الفلسطيني هو اليوم ، في ضو نتائج العدوان الهمجي النازي التدميري لقطاع غزة وعدوانه اليومي في الضفة الغربية ، امام امتحان نهاية مرحلة كاملة من تاريخه، أي انه امام امتحان بداية جديدة، لكن البداية "هذه المرة لن تكون في فراغ، فلقد سال دم كثير وحبر كثير، ومن مزيج الدم والحبر ولدت حكاية رسمت صورة وتشكلت هوية" ، هي الهوية الوطنية في وحدتها مع هويتها القومية العربية التقدمية الديمقراطية.. ذلك هو المستقبل ولا شيء سواه .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق