*تحالفات اليسار المستقل عن النظام السياسي*الرفيق عبد الغني قباج
*تحالفات اليسار المستقل عن النظام السياسي*الرفيق عبد الغني قباج
-1-
من الضروري أن تشكل أحزاب سياسية يسارية تحالفات لأسباب مختلفة أملا في أن يحدث تطور في واقع وآفاق النضال الديمقراطي اليساري من أجل تغيير ميزان القوى لصالح تحقيق نظام سياسي ديمقراطي بديل.
لكن غالبا ما يحضر الإحساس بضرورة التحالف بدلا من الوعي السياسي و المرتبط ديالكتيكيا بالمصالح الطبقية.
ومن الخَطَئِ أن تسود فكرة ربط أزمة اليسار وضعفه بتشتته .. وهي فكرة خاطئة لأنها لالا تتجاوز الحس السياسي بدل الوعي السياسي الطبقي، وبالتالي يغيب تحليل علمي لقضايا التناقضات الطبقية التي تحرك الصراع السياسي في الواقع السياسي والمجتمعي ..
كما قد يغيب النقد الذاتي ونقد تجارب التحالفات التي عرفها التاريخ السياسي في المغرب وأسباب فشلها واستخلاص دروسها لتفادي تكرار أخطائها السياسية وبلورة البديل الذي يمكن أن يجعل جهود بناء التحالف أكثر نجاحا.
وغالبا، في التحالفات التي حدثت تاريخيا في الواقع السياسي المغربي، لا تنبني على تحليل واقع التشكيلة الاجتماعية وتحديد علمي اقتصادي-سوسيو- ثقافي للطبقات وللفئات الاجتماعية التي من المفروض أن تشكل للتحالف اليساري قاعدة اجتماعية، واعية بضرورة انخراطها في الصراع السياسي والنضال والتضحية لتحقيق تغيير ديمقراطي فعلي للنظام السياسي السائد وصيرورة الانتقال إلى نظام سياسي ديمقراطي بديل.
-2-
تطوير صيرورة الحزب اليساري للدخول في تحالف
من المفترض أن تكون الخطوة الأولى في تشكيل التحالف هي أن يُطوِّر الحزب اليساري رؤيته للتحالف ويحدد سياسيا الأطراف اليسارية التي يقاسم معها نسبيا، لا كليا، الرؤية السياسية الديمقراطية وعناصر البرنامج السياسي المرحلي قبل الشروع في حوار مفاوضات تحقيق التحالف، لتجنب الأخطاء والتناقضات السياسية والفكرية الشائعة المرتبطة بتشكيل التحالفات. وبالتالي، فالتحالف يتطلب من أطرافه تحديد سياسي دقيق للهدف أو الأهداف السياسية للتحالف في برنامج المرحلي لا يتعارض مع المبادئ الأساسية لكل حزب يساري من أحزاب مشروع التحالف.
لذلك من المهم جوهريا أن يشكل كل حزب يساري فريق من هيئته التنفيذية والتقريرية لتتبع مستمر لبرامج ومبادرات ومستجدات رؤية سياسية وبرنامج وتجديد مسئولي ومسئولات هياكل التحالف لتفادي احتكار القرار وخلق زعامات دائمة لا تتغير.
ومن الديمقراطية اليسارية تدبير حق كل حزب في التحالف التوفر على إمكانية بناء علاقة سياسية مع أحزاب تنظيمات يسارية أخرى وأفراد يساريين آخرين شرط أن لا تتعارض هذه العلاقة مع التصور السياسي للتحالف اليساري وبرنامجه وأهدافه.
. نموذج عمل وممارسة تحالف يساري
وفي التحالفات اليسارية ، غالبا، لا يتم تشكيل مركز دراسة وأبحاث سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية لمتابعة تطورات واقع الصراع السياسي والاجتماعي، الثقافي، الاقتصادي. ورصد نقاط قوة النظام السياسي ونقاط ضعفه، لتسطير خطة مقاومة قمع الحريات وحقوق الإنسان وفضح الفساد السياسي والمالي و التبعية العمياء لمراكز رأسمالية امبريالية. وهذه بعض الأمثلة:
* سياسيا :
ا-
- إحداث لجنة دراسات حول إعاقات قانونية وسياسية واقتصادية جوهرية في الدستور تعيق التطور الديمقراطي للدولة وللمجتمع وللمواطن وللمواطنة وتحجز أي تغيير ديمقراطي حقيقي.
- المطالبة بالتنصيص على فصل الدولة والسياسة عن الدين.
- عدم التنصيص فقط على ضمان حق الملكية الخاصة وحرية المبادرة والمقاولة الخاصة ، وإضافة الملكية الجماعية والمقاولة الجماعية.
- السيادة والحكم للشعب، من الشعب، ولأجل المصالح الحيوية للشعب.
- البرلمان هو الذي يقدم مشرع قانون والحكومة تقدم مقترح قانون.
ب- ملف "حراك الريف" و"معتقلي الرأي" ..
ج- ملف مقاومة الاختراق الصهيوني السياسي والثقافي العسكري والمخابراتي والاقتصادي في المغرب...
* اقتصاديا:
- بلورة برنامج اقتصادي منتج متمحور على تنمية الثروات الوطنية بتصنيع الثروة المنجمية والفلاحية وفق سياسة اقتصادية تقدمية تحررية طويلة الأمد وما تتطلبه هذه التنمية من إحداث مراكز البحث العلمي في جميع مجالات الاقتصاد باستقلال عن الهيمنة والتوسع الاقتصادي والصناعي الرأسمالي العالمي، ومفهوم جديد للتحديث والتصنيع مبني على مشاركة الطبقات الشعبية لتحقيق هذا النمو الاقتصادي.
- ملف ما يسمى "المغرب الأخضر"، و الذي رصدت له الدولة ميزانية ضخمة بلغت 150 مليار درهم و باء بالفشل حيث أدى إلى استنزاف الثروات المائية للسدود وللمياه الجوفية، وسبب أزمة الماء بسبب إنتاج فلاحة تصديرية لأوروبا بدلا من سياسية فلاحية وطنية لتحقيق الأمن الغذائي للشعب المغربي..
* الفساد السياسي والمالي:
- ملف السطو على 17 مليار درهم من طرف كارتيل توزيع البترول وقضية مصنع لاسامير،
- تفجير ملفات الفساد السياسي مثل ملف "إسكوبار الصحراء" ومن معه.
- ملف "البرلماني مبدع"..
(وهذين الملفين هما الشجرة التي تخفي غابة الفساد السياسي والمالي)
إنها ملفات تتطلب اصطفاف سياسي اجتماعي واسع بقيادة تحالف يسار مقاوم وفق خط سياسي هجومي في لحظات الصراع السياسي الحاسمة وتحقيق مكتسبات نوعية في صراع تغيير ميزان القوى لصالح النضال الديمقراطي.
ولا يهم ما إذا كان كل طرف يريد المضي قدما بمفرده، طالما أنه يحترم بنود البرنامج السياسي للائتلاف ويفي بالتزاماته تجاهه.
-4-
النوايا والإحساس والأزمة لا يبدعون التحالف
وبعيدا عن النوايا الحسنة، أعلم أن التحالف بين قوى اليسار، حتى لو تم تقديمه على أنه تاريخي، لا يضمن بالضرورة مستقبل مشترك على المدى الطويل.
لنا في تفكك التحالفات السابقة "الكتة الوطنية" عام 1970 ، "الكتلة الدمقراطية" ، "تجمع اليسار الديمقراطي" ، "تحالف اليسار الديمقراطي" ، "فيدرالية اليسار الديمقراطي"، تجارب من المهم مقاربتها بوعي نقدي يكشف الأسباب العميقة، سياسيا ومصالح طبقية، أدت لفشلها، واستجلاء غموض الرؤية السياسية لهذه الأشكال والصيغ التحالفية حتى لا تثار تناقضاتها السياسية والإيديولوجية.
-5-
أخطاء التحالفات
التحالفات تعني تنازلات بشأن البرنامج الذي سيتم تطبيقه. وكلما اتسعت التحالفات، كلما كانت التنازلات أكثر عددا ومؤلمة في بعض الأحيان.
وغالبا ما تؤدي التناقضات السياسية والذاتية الضيقة الحزبية والزعاماتية إلى انفراط التحالف أو إلى القطيعة ..
كما أن المواقف والتعامل مع الأحداث السياسية والاجتماعية ومع ظرفية خارجية بلورها النظام السياسي، أو حدث وطني طارئ (انتفاض جماهير، حراك جماهيري أو قطاعي أو نقابي عفوي، أو قمع حرية الاحتجاج والإضراب أو قمع حرية تعبير وحرية اجتماع أحد أطراف التحالف..)، قد تشكل خلافات بين مكونات التحالف لفترة ، وتظهر تناقضات في المواقف حول هذه الظرفيات والأحداث بين مواقف يسارية ديمقراطية راديكالية وبين مواقف ديمقراطية معتدلة إصلاحية. وقد تظهر خلافات داخل التحالف مع يساريين ويساريات راديكاليين وماركسيين لهم، بشكل عام، مواقف، أكثر راديكالية في الأحداث الاجتماعية والسياسية السالفة الذكر.
ومثال "تجمع اليسار الديمقراطي" الذي تم إقباره بتأسيس تحالف جديد من داخله "تحالف اليسار الديمقراطي" الذي ألغى ميثاق "تجمع اليسار الديمقراطي" و أقصى بالتالي "النهج الديمقراطي" من التحالف بوضع في ثلاثة شروط للانتماء لـ"تحالف اليسار الديمقراطي" تتمثل في :الملكية البرلمانية والمشاركة في الانتخابات و قضية مغربية الصحراء.
كل طرف، أو تكتل أطراف، من اليسار تغلب عليه نزعة الريادة والقيادة وفرض تصوره وموقفه وفق "رؤيته السياسية" الخاصة، وأن يكون له الأسبقية على مواقفه السياسية، وأن يضع مفاهيمه بشكل أفضل في خط توجه التحالف، بدل البحث والجدل الديمقراطي تكون نتيجته ازرع بذور التشتت وإعاقة تقدم التحالف في تحقيق برنامجه النضالي. والسبب الجوهري هو عدم بلورة تقبل الجدل النقدي السياسي والنظري داخل التحالف اليساري وما ينتج عنه من الغموض في مفاهيم "الإصلاحية السياسية" و "الراديكالية السياسية"، مفاهيم لا تجيب بجرأة ووضوح عن سؤال هل يمكن أن يتحول "النظام السياسي" الذي يحكم وييود منذ الاستقلال الشكلي، إلى نظام سياسي ديمقراطي يجسد "السيادة والحكم للشعب، من الشعب، ولأجل المصالح الحيوية للشعب".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق