جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غازي الصوراني _ظاهرة الإقتصاد الخفي او الاقتصاد الاسود

 غازي الصوراني _ظاهرة الإقتصاد الخفي او الاقتصاد الاسود:

الاقتصاد الخفي أو اقتصاد الظل هو اقتصاد متنوع الأشكال، لكنه يعمل وفق مبدأ واحد هو مبدأ (السرية أو اللاعلنية)، متعدد الغايات لكنه ذو نزعة اقتصادية، توجد به كافة أشكال العلاقات الاقتصادية من (بيع وشراء - دائنية ومديونية - ربح وخسارة - تعاملات نقدية ومقايضة - بيع بالآجل وفوري.. إلخ)، وتوجد فيه كل أنواع الفساد والجريمة. وبأغلبه يعتمد على مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) ويتضمن أكثر أشكال التبادل قدماً (المقايضة) وأكثرها حداثة (التجارة الالكترونية)، ومن أبسط السلع (قوة العمل) إلى أكثرها تعقيداً (مخدرات وأسلحة)، إنه مجال خصب للغنى الفاحش والفقر المدقع، يضم شرائح متعددة سواء من حيث (العمر - الوضع الاجتماعي - الحالة التعليمية.. إلخ) يتواجد في كل الأنظمة (اشتراكية) أم (رأسمالية) أو ما بينهما، يعمل بمبدأ (أكبر ربح ممكن أو أقل خسارة ممكنة).
اقتصاد الظل أو الاقتصاد الموازي أو الاقتصاد الأسود، أسماء عديدة لمفهوم واحد ازداد الاهتمام به كثيراً في السنوات الأخيرة، من أمثلته موظف في جهة ما يقود سيارة أجرة بعد العمل الأصلي علي سبيل العمل الإضافي‏,‏ وسباك يقوم بإصلاح ماسورة مياه تالفة لعميل ويحصل علي أتعابه نقداً لكنه لا يقر بهذا الإيراد لجهة الضرائب‏,‏ ومدرس يقوم بإعطاء دروس خصوصية ولا يقر بذلك لجهة تحصيل الضرائب كلها أمثلة للاقتصاد الغير رسمي أو اقتصاد الظل‏( ). ومن الأمثلة على الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة أيضا وغير النظيفة في الوقت ذاته والتي تدخل تحت مسمى الاقتصاد الخفي: تجارة المخدرات وتجارة السلع المسروقة والسلع المهربة ولعب القمار وتهريب البشر بين الدول والرشاوى والاختلاسات وكافة صور الفساد المالي التي تؤدي إلى كسب المال بطرق غير مشروعة واختفائه من القيود المحاسبية في القطاعين العام والخاص، والمقايضات غير الرسمية وغير المشروعة بالسلع والخدمات والمصالح والمنافع التي تقود إلى الفساد الإداري والمالي .
ويشمل اقتصاد الظل أنشطة اقتصادية مشروعة ونظيفة ولا تتعارض مع الأعراف والمبادئ والقيم والعادات الموروثة مثل كافة الأعمال المنزلية التي يقوم بها أفراد الأسرة الواحدة أو بمساعدة جيرانهم وأقربائهم في المناسبات المختلفة وهي التي لا يتم تسويقها بل يتم استهلاكها داخل المنزل مثل طهي الطعام وتنظيف الملابس وتنظيف المنزل والعناية بالحدائق المنزلية وأعمال الصيانة الخفيفة للمنزل أو لبعض الأجهزة والأدوات.
اقتصاد الظل أو الاقتصاد الخفي يندرج تحت سقفه نوعان يرفعان هذا الشعار:
- النوع الأول يتعامل بسلع أو يقدم خدمات مسموحاً بها مثل ورشة غير مسجلة، نجار لا يحمل رخصة من الجهة المختصة، مدرس يعطي دروسا خصوصية دون علم الجهات المسؤولة وهو يسمى الاقتصاد غير الرسمي( ).
- أما النوع الثاني فيقدم خدمات أو يتاجر في سلع غير مشروعة قانوناً مثل تجارة الأسلحة، الرشاوي، تجارة الأعضاء البشرية، التهرب الضريبي ويسمى الاقتصاد الأسود، أو المشين أو اقتصاد الجريمة.
وبغض النظر عن مسماه، هو يشمل كافة الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها الأفراد أو المنشآت ولكن لا يتم إحصاؤها بشكل رسمي ولا تعرف الحكومات قيمتها الفعلية ولا تدخل في حسابات الدخل القومي ولا تخضع للنظام الضريبي ولا للرسوم ولا للنظام الإداري والتنظيمي.
وهنا بالطبع يبرز دور عمليات غسيل الأموال التي تستهدف تعظيم الثروات بشكل غير مشروع عن طريق إخفاء طبيعة وهوية الأموال المحصلة من أنشطة غير مشروعة لإدخالها ضمن الإطار المشروع.
أسباب تنامي ظاهرة الاقتصاد الخفي( ):
- يساهم التفاوت الكبير في الدخول وعدم تغطية أجور الشرائح المتوسطة والدنيا لمتطلبات المعيشة لأصحابها في تشجيعها على البحث عن وظائف إضافية لسد الحاجة أو اتخاذ النهج غير المشروع في تلقي رشاوي أو القيام بأنشطة مخالفة للقانون .
- غياب دور الحكومة فيما يتعلق بمعالجة حاسمة للفساد بكل أشكاله، وضعف تغطيتها لمراقبة حركة الأسعار ونقص السلع في الأسواق مما يشجع بعض الفئات على استغلال ذلك للقيام بدور تكميلي وتحقيق مكاسب طائلة خارج الإطار القانوني الرسمي للدولة.
- ضعف مخرجات التعليم يساهم في توسع هذا النوع من الاقتصاد، حيث إن تزايد أعداد الخريجين غير المؤهلين يعني عدم توافقهم مع متطلبات سوق العمل في وظائف جيدة، ومن ثم يكونون على استعداد للعمل في أنشطة أقل كفاءة لا تتبع أطراً تنظيمية خاضعة لمراقبة الحكومة.
- الأنظمة الضريبية غير العادلة هي التي تدفع الأفراد والمنشآت إلى البحث عن الحيل والطرق الملتوية للتهرب من الضرائب وتزوير الحسابات.
- تعقد الإجراءات الإدارية والتنظيمية وارتفاع الرسوم في أسواق العمل، إضافة لتعقد الإجراءات القضائية والأمنية في مختلف المؤسسات والهيئات الحكومية.
- ظهور الفساد الإداري والمالي لا شك يؤدي إلى ازدياد وتفاقم مشكلات الاقتصاد الخفي بكافة أشكاله .
- وجود البطالة المقنعة يؤدي إلى ظهور الاقتصاد الخفي.
دور التكنولوجيا في توسيع نطاق اقتصاد الظل اوالاقتصاد الاسود:
ساهم التطور المتسارع في مجال التكنولوجيا ووسائل الاتصال وتحويل الأموال عبر الانترنت، في توسيع نطاق الاقتصاد الموازي أو الخفي لا سيما مع تزايد السرقات التي تتم عبر الإنترنت.
وفي الوقت الذي توجد فيه قنوات شرعية معروفة عالمياً لتحويل الأموال، وعقد وإتمام الصفقات، تبقى هناك نوافذ لممارسة الأنشطة بأشكال غير مشروعة مثل النصب الالكتروني، ووجود شركات سمسرة وهمية للتجارة في العملات والعديد من الأصول والتي تستهدف جمع الأموال عن طريق الخداع.
خصائص اقتصاد الظل:
أمكننا طرح عدد من السمات الرئيسية التي تصفه وتُعد بمثابة خصائص له وهي:
- وجود الاقتصاد غير الرسمي بمثابة دليل على أن الاقتصاد الرسمي لم يعد يلبي طلب السكان المعنيين به.
- إن الاقتصاد الخفي ليس ظاهرة جديدة بل إنها توجد في كل العصور تقريباً، ولكنها أخذت تتعاظم في نهاية القرن التاسع عشر مع تجارة التبغ غير المشروعة وصناعة المشروبات الكحولية في أواسط القرن الماضي وتجارة المخدرات في القرن نفسه.
- إن طبيعة الاقتصاد غير الرسمي هلامية وصعوبة ضبط حدوده ووجود عدة عقبات أمام التعرف عليه وفي مقدمتها صعوبة الإعلام والاستعلام عنه وذلك بأنه عالم مغلق إلى حد كبير أمام مختلف وسائل الإعلام.
- إن نصيب الخيال في معالجته يكون في أغلب الأحيان أكبر من نصيب الواقع لأنه عالم عتيم وتنقصه الشفافية خاصة فيما يتعلق بموضوع الحسابات الذي يبقى في المنطقة المظلمة.
إن الاقتصاد الخفي هو أكثر إدراراً للربح من الاقتصاد الرسمي لذلك يلجأ إليه كثير من القوى العاملة.
- العاملون في الاقتصاد الخفي يتصفون بتدني مستوياتهم العلمية ، إذ أنه لا يوجد أي دور للشهادات والى مستويات التعليم أي لا يوجد ما يعيق التوظيف فيه إذ شمل جميع الطبقات من الشباب بغض النظر عن مستوياتهم العلمية.
الآثار الاقتصادية لاقتصاد الظل:
1- اقتصاد الظل يؤدي إلى تزايد معدل التهرب من دفع الضرائب والرسوم والغرامات حيث تفقد الحكومة إيرادات كبيرة تؤثر سلبياً على ميزانيتها العامة.
2- كلما ازداد معدل اقتصاد الظل على حساب الاقتصاد الفعلي ، الظاهر ، كلما أعطى معلومات وإحصائيات مضللة وغير دقيقة عن الإمكانيات الاقتصادية الحقيقية للمجتمع وأدى إلى سوء تخصيص الموارد الاقتصادية وسوء توزيع الناتج المحلي ، وكذلك سوء إعادة توزيعه.
3- كما يؤثر اقتصاد الظل كثيرا ًعلى المجتمعات من الناحية الأخلاقية والاجتماعية التي من المفترض أن يعتمد التعامل بين كافة أفرادها على الوازع الديني والأخلاقي السليم النابع من ضمير الأفراد والرقابة الذاتية أولا.
4- اقتصاد الظل يعتبر مظهرا من مظاهر تخلف المجتمعات ، لأن من أهم سلبياته التي لا بد من التركيز عليها هي عملية هدر الموارد المادية و البشرية وسوء استغلالها . مما يؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة ولجوء الأفراد إلى ممارسة أنشطة اقتصادية خفية غير سوية ، بسبب غياب الأنظمة الاقتصادية العادلة والسليمة التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة وحاجيات المجتمع الأساسية ، لا المصالح الخاصة والربح السريع.
وتقدر قيمة الاقتصاد الموازي بمصر بـ2.6 تريليون جنيه وهو يساوي حوالي خمسة أضعاف جملة الدخل القومي المصري، وأن الضرائب المستحقة على هذا القطاع لو تم إدراجها في الدخل القومي ستقدر بـ150 مليار جنيه، وهو قريب من العجز فى الموازنة العامة المصرية. وفي الجزائر يتراوح الحجم الكلي لأنشطة الاقتصاد الخفي ما بين 20% إلى 30% من الناتج المحلي، أما السعودية وصل حجم الاقتصاد الخفي إلى 549 مليار ريال أي ما يقارب خُمس إجمالي الناتج المحلي للمملكة حسب تقارير البنك الدولي لعام 2014 ( ).
لذلك على الدول وضع خطة استراتجية طويلة المدى لمحاربة ظاهرة الاقتصاد الخفي من خلال تنمية الوعى الجماهيري بخطورة هذه الظاهرة وآثارها السلبية على الاقتصاد والمجتمع وأهمية الحاجة إلى تحجيم هذا الاقتصاد، من خلال معالجة الأسباب الكامنة وراء انتشار هذه الظاهرة من الناحية التشريعية والإجرائية كإدخال قوانين وإجراءات جديدة للتعامل مع الظاهرة مثل تخفيض أو على الأقل تثبيت مستويات الضرائب وتقليل اشتراكات التأمينات الاجتماعية وتغيير بعض قوانين العمل أو إلغائها، والتشدد في تطبيق العقوبات الموجودة أو إدخال إجراءات جديدة للحيلولة دون زيادة معدلات الاقتصاد الخفي، وكذلك زيادة أعداد المراقبين والمفتشين في هذا المجال بما يسمح بتقليل كافة أسباب انتشار هذا النوع من الاقتصاد لتفعيل أنشطة الاقتصاد الرسمي الذي يحقق التنمية والرخاء لكافة المجتمعات.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *