جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

التحليل النفسي من خلال الفن الأسطوري-منى غريب

 مقالي الأسبوعي بجريدة القاهرة الثقافية

التحليل النفسي من خلال الفن الأسطوري
مما لا شك فيه ان أحد أهداف الفن الرئيسية هو البحث الدائم والكشف عن مكنونات النفس البشرية ومحاولة سبر أغوارها ، فالفن رؤية جمالية إنسانية يصوغها الإنسان بعد أن يتفاعل مع ذاته ومع بيئته، فيجسد لنا هذا التفاعل أعمالاً فنية متعددة الرؤى ومتعددة الأحکام الجمالية عبر العصور ، و تعدُّ الأعمال الفنية ذات الطابع الأسطورى هي الأكثر تعبيرًا عن هواجس الإنسان ومشاعره ونظرته النفسيّة إلى العالم من حوله مؤثّرًا ومتأثّرًا بوصفها تقدّم إجابات عن ذلك التناقض بين الممكن والمستحيل والخياليّ والواقعيّ لكونها إرتبطت بالوجود الإنسانيّ، وتعبّر عن معتقداته وأفكاره الدّينيّة والفلسفيّة والروحيّة ومراحل نضجه العقلي والنفسي ، و قد عبر عن ذلك من خلال الفن حيث كشف عن مكنوناته وهواجسه النفسية ، فكانت بذلك الأسطورة لها دور نفسيّ للإنسان إذ ساعدته على إفراز مكبوتاته، وإخراج الضغوطات النفسيّة التي كان يتعرّض لها من جرّاء تجاربه اليوميّة والحياتيّة الصعبة التي كان يعيشها ويتأثّر بها ، و نجد الأسطورة عند علماء النفس هي تعبير إنفعاليّ عن مشكلات غامضة يفسّرها الإنسان ويحاكيها بالتخيّلات والأساطير والملاحم والأحلام الخارقة التي تهدّئ من روعه وقلقه ، ومن هذا المنطلق قام علم النفس الحديث بتفسير الأعمال الفنية التي تتناول الموضوعات الأسطورية خاصة تلك التي تحمل مُسميات بعض العُقد النفسية المشتركة بين عدد كبير من البشر ، وكنموذج علي تلك العُقد النفسية أسطورة ( إيكو ونركسوس ) والتي إتخذها العالم النمساوي ( سيجموند فرويد ) للتعبير عن عُقدة ( النرجسية ) Narcissistic personality disorder ) ( ، و التي تحكي عن الحورية إيكو ( Echo ) - و التي تعني باللغة الأنجليزية ( الصدي ) - وهي أحد الحوريات الجميلات التي تتمتع بطلاقة اللسان والصوت العذب في الغناء والقدرة علي الحكي والتي رأت الأله( زيوس ) - أبو الألهة عند الأغريق - في أحد نزواته مع صديقاتها الحوريات فخشيت عليهن من بطش زوجته الألهة (هيرا) فرأت أن تقوم بإلهائها فخدعتها بصوتها العذب وقصصها التي جعلت هيرا لا تستطيع سوي أن تنصت إليها ، لكن سرعان ما أن وقعت عين هيرا علي زوجها وهو خارجاً من بين الجبال بصحبة الحوريات فغضبت من هذا الفعل وأدركت أن إيكو تخدعها فصبت لعنتها عليها بأن جعلتها عاجزة عن الكلام مرة أخري وان تصبح فقط تكرر صوت من يمر عند الجبال ، وفي أحد الأيام مر مجموعة من الصيادين من بينهم شاب جميل أسمه ( ناركسوس Narcissus ) وهو كان صياداً بارعاً وغاية في الوسامة يعجب بجماله البشر والألهة ، وعندما تفرقت مجموعة الصيادين ظل ناركسوس ينادي عليهم وكانت (إيكو) تردد كلامه ثم نادي يقول (أحتاج إليك ) فظنت إيكو أنه يناديها تلك المرة فذهبت له وتمسكت به مرددة كلامه ( أحتاج إليك ) فردعها ناركسوس وأهانها بأشد الكلمات ثم عاد لمجموعته وهو فخورأ و يشعر بالغرور والإنتصار ، أما إيكو عادت للجبال مرة اخري وهي حزينة ومحطمة نفسياً وظلت تردد ما قاله لها ناركسوس من إهانات حتي تلاشت بجسدها وظل فقط صوتها يردد كلمات الآخرين ، وقد علمت بتلك الحادثة الألهة ( أفروديت ) فحزنت علي حال إيكو ولذلك قامت بعقاب ناركسوس فلعنه بأن يعشق إنعكاس صورته ، وفي أحد المرات كان يجلس بجانب بحيرة فرأي إنعكاسه علي الماء فظل هائماً في عشق صورته لا ينام ولا يأكل ولا يتحرك من أمام البحيرة حتي ذبل جسده ومات فخرجت من نفس المكان الذي ظل فيه جسده زهرة النرجس ( Daffodil ) والتي أصبحت رمزاً لحب الذات بعد ذلك ، ومن خلال تلك القصة الأسطورية تتضح الأسباب التي جعلت ( فرويد ) يتخذها لوصف عُقدة النرجسية حيث أنه في تلك الحالة النفسية نجد أن الشخص يبالغ في تقدير ذاته وإحساسه بأهميتها وولعه بنفسه وإعتقاده بإستحقاقه للإهتمام والإعجاب من الآخرين ، كما يبالغ في منجزاته (يسمى ذلك هَوَس العظمة) ، ويعتقد أنّه أفضل من غيره، وأنَّه متفرّد أو مميّز فيبالغ في تقدير قيمته ومنجزاته،كما أنه غالبًا ما يقلّل من قيمة إنجزات الآخرين أيضًا ، وهو شخص لا يراعي الآخرين ، ولا تظهر منه أي مشاعر تعاطف معهم بل إنه يشعر بالمتعة من أذي الآخرين من أجل إرضاء غروره، ولقد ربط اليونانين زهرة النرجس بطبيعة الشخصية النرجسية فهي شخصية سامة رغم أن الشخص النرجسي يبدوا في البداية جذاب تماماً كما هو الحال في تلك الزهرة الجميلة فهي سامة للحشرات والنباتات الأخري كشخصية ناركسوس عندما إقتربت منه إيكو فماتت حزناً، وفي النهاية يمكن القول بأن هذا النموذج الأسطوري يدل علي أن الأسطورة برغم قدمها إلا إنها كانت سابقة لعلم النفس الحديث في تفسير حالات نفسية وعُقد نفسية بشكل يعكس الرغبات الكامنة والصراعات النفسية والمخاوف ، ومن ذلك نجد ان الأسطورة والفن سابقين لعلم النفس في رصد الحالات النفسية ولكن كان ذلك قبل أي التنظيرات العلمية الحديثة .
أ.د/ منى غريب



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *