جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غازي الصوراني - ماهية العولمة

 غازي الصوراني - ماهية العولمة:

إن العولمة هي تطور نوعي جديد في التاريخ الإنساني، حيث أصبح العالم أكثر ترابطاً وأكثر انكماشاً، وإن الوعي بهذا الترابط والانكماش هو إحدى سمات هذه اللحظة التاريخية، ذلك إن العالم ينكمش على صعيد الزمان والمكان وسيزداد انكماشاً، يوماً بعد يوم، وازداد الإحساس بانكماش العالم، حيث ترافقت فجأة التحولات الفكرية السياسية والعلمية بسرعة هائلة لدرجة أن الإنسان المعاصر بات عاجزاً عن التكيف أو التعامل معها لأنها أصبحت خارج سياق أي تحكم بشري. وهو ما جعل العولمة مثيرة في حقائقها الضخمة، وفي سيرورتها المستقبلية التي قد تحمل مزيداً من الاستتباع والتخلف في أوساط الشعوب الفقيرة.
إن ظاهرة العولمة تتضمن اليوم أو تتمثل في مجموعة التوجهات العالمية ذات البعد المستقبلي، ولكنها ليست بالضرورة متضامنة ومتناسقة، وهو ما يفسر سعي القوى الدولية الكبرى، وخاصة منها الولايات المتحدة الأمريكية إلى التنظير لأيديولوجية جديدة (على المستوى السياسي الاقتصادي على الأقل) تكون قاعدة لظاهرة العولمة تعمل من خلالها على تقديم النموذج الأميركي باعتباره البديل الكوني عن النماذج القائمة والتي تهاوت وهو ما يدفع البعض للمماثلة بين العولمة والأمركة.
فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي 1991، تم إسدال الستار على المشهد الأخير من العلاقات الدولية المحكومة بالثنائية القطبية، حيث تم الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، وولادة المشهد العالمي "الجديد" المحكوم بالرؤى والممارسات الأحادية للنظام الرأسمالي في طوره الأمريكي المعولم، حيث تحولت معظم حكومات وأنظمة هذا العالم إلى أدوات خاضعة أو شريكة من الدرجة الثانية للنظام الإمبريالي الأمريكي في هذه المرحلة التي قد تمتد إلى ما بعد منتصف هذا القرن الحادي والعشرين، خاصة وأنه لايزال أمام الهيمنة الأمريكية أيام عمر مشرقة –كما يقول سمير أمين- حيث أن "الكتل" الإقليمية القادرة على تهديدها، ليست على جدول الأعمال.
وبانهيار المنظومة الاشتراكية – السوفييتية في مطلع التسعينات من القرن المنصرم، انفتح المجال فسيحاً أمام نظام "الرأسمالية – العالمية"، ووحدانية النظام الاقتصادي – الاجتماعي على مستوى الكوكب الأرضي بأكمله، النظام الرأسمالي، المتوغل بالقوة الناعمة والخشنة في شرق أوروبا وأوراسيا وشرق آسيا كلها، وافريقيا وغرب آسيا، والعالم اللاتينى وأمريكا الوسطى وبحر الكاريبى .
وهكذا كان، فأخذت الرأسمالية بالتوسع عمقاً في امتدادات جغرافية لم تشهدها بهذا العمق سابقاً، وكان لا بد من دعاية أو (دعوة) إيديولوجية تواكبها وتنظّر لها، وخاصة مع تكوين منظمة التجارة العالمية WTO عام 1993. حينذاك تخلت الرأسمالية عن دعاواها القديمة، فأرفقت منحاها "الليبرالى – الجديد" Neo-Liberal ونزعتها الهجومية الكاسحة بدثار إيديولوجى ناعم يدعى (العولمة).
ومضى قطار العولمة الزاحف، متوسلاً إلى عالمية الهيمنة بالنزعة العسكرية الملتحفة بغطاء "التدخل الإنساني" في البلقان وحرب البوسنة، فأفغانستان وذريعة نزع السلاح النووي العراقي وأسلحة التدمير الشامل وصولاً إلى الغزو المسلح المباشر واقتحام العاصمة بغداد في التاسع من ابريل – نيسان – من العام 2003، والمزيد من الدعم للكيان الصهيوني إلى جانب المزيد من مظاهر التبعية والتخلف للأنظمة العربية وغيرها من دول العالم في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأسيا .
بناء على ما تقدم، يمكن الاستنتاج بأن الولايات المتحدة سوف توظف قوتها -ووظفتها فعلاً- الاقتصادية والعسكرية الاستثنائية من اجل إخضاع الجميع لمقتضيات ديمومة مشروعها للسيادة العالمية، بمعنى آخر لن تكون هناك "عولمة" دون إمبراطورية عسكرية أمريكية، تقوم على المبادئ الرئيسية التالية وفق د. سمير امين:
1- إحلال الناتو محل الأمم المتحدة من أجل إدارة السياسة العالمية.
2- تكريس التناقضات داخل أوروبا من أجل اخضاعها لمشروع واشنطن.
3- تكريس المنهج العسكري أو عولمة السلاح كأداة رئيسية للسيطرة.
4- توظيف قضايا "الديمقراطية" و"حقوق الشعوب" لصالح الخطة الأمريكية عبر الخطاب الموجه للرأي العام من ناحية، وبما يساهم في تخفيض بشاعة الممارسات الأمريكية من ناحية ثانية.
وفي هذا الإطار، ينبع تفوق العولمة من الاقتصاد القوي والتقدم العلمي والمعلوماتي إلى جانب التطور في الميدان العسكري الذي دفع قادة واشنطن إلى لغة الغطرسة بقولهم لا يوجد مكان على وجه الأرض بمعزل عن القوة التدميرية الصاروخية عولمة السلاح، إنها استمرار للصراع الطبقي بصورة معولمة أكثر توحشاً.
السؤال الذي نطرحه هنا ونحاول الإجابة عليه، هل العولمة نظام جديد ظهر فجأة عبر قطيعة مع السياق التاريخي للرأسمالية أم أنه جاء تعبيراً عن شكل التطور الأخير للإمبريالية منذ نهاية القرن الماضي؟ وهل تملك العولمة كظاهرة إمكانية التفاعل والتطور والاستمرار لتصبح أمراً واقعاً في العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين؟
للإجابة على هذا السؤال، أرى أن من الضروري الاستناد إلى عاملين رئيسيين:
أولاً: المعروف أن الرأسمالية منذ نشأتها الأولى في القرن السادس عشر، ومن ثم في سياق تطورها اللاحق، لم تكن في صيرورة فعلها حركة محدودة بإطار وطني أو قومي معين، فالإنتاج السلعي وفائض القيمة وتراكم رأس المال لدى البورجوازية الصاعدة منذ القرن الخامس عشر التي استطاعت تحطيم إمارات وممالك النظام الإقطاعي القديم في أوروبا، وتوحيدها في أطر قومية حديثة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وغيرها، ولم تكن هذه الدول القومية الحديثة والمعاصرة (حسب معاهدة ويستفاليا) سوى محطة لتمركز الإنتاج الصناعي ورأس المال على قاعدة المنافسة وحرية السوق، للانطلاق نحو التوسع العالمي اللا محدود للرأسمالية، بعد أن تم تصفية النظام الإقطاعي في أوروبا، ومن ثم تحقيق النقلة الحضارية من مجتمعات زراعية إلى مجتمعات صناعية، إلى جانب الثورات البرجوازية ودورها في بلورة النقلة الحضارية النوعية.
فالغرب خلال 200 سنة أنتج خمسة ثورات: الأولى الثورة العلمية كوبرنيكوس / جاليليو / نيوتن الذين وضعوا أسس العلوم.
الثورة الثانية: تعليمية، ارتبطت بإنشاء الجامعات منذ القرن الثاني عشر لتدريس العلوم الجديدة وازاحة علوم اللاهوت.
الثورة الثالثة: احلال سلطان العقل محل سلطان الكنيسة بتأثير ديكارت وفرنسيس بيكون والملاحظات العلمية والعلوم والفلسفة التجريبية التي ساهمت في تأسيس العلم.
الثورة الرابعة: الثورة على الكنيسة وبداية تبلور المجتمع المدني الليبرالي، واحلال العلوم الإنسانية محل علوم الكنيسة، وبرمجة طاقات الإنسان من أجل التطور الصناعي والإنتاج الرأسمالي وفق أسس العلوم، وبرمجة المؤسسات والزمن والعلاقات والحقوق وفق أسس الليبرالية.
الثورة الخامسة: ثورة الصراع السياسي والثورة السياسية وإلغاء الأنظمة الملكية الاقطاعية، وإقامة الدولة الجمهورية وفق قاعدة المواطنة والعلمانية والديمقراطية وأسس الحداثة.
لكن الأزمات (أو ظاهرة الكساد) التي تعرض لها الاقتصاد الأوروبي / الأمريكي في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين (1929 - 1932) من جهة، وبروز دور الاتحاد السوفييتي وما رافقه من انقسام العالم عبر ثنائية قطبية، فرضت أسساً جديدة للصراع لم يشهده العالم من قبل من جهة أخرى.
وبتأثير هذه العوامل لم يكن أمام دول المعسكر الغربي سوى إعادة النظر – جزئياً – في آليات المنافسة الرأسمالية وحرية السوق والتوسع اللامحدود، كما عبر عنها آدم سميث الأب الأول لليبرالية، حيث توصلت للخروج من أزمتها عام 1929، إلى ضرورة إعطاء الدولة دوراً مركزياً لإعادة ترتيب المجتمع الرأسمالي، وقد تبلور هذا التوجه في قيام هذه الدول بتطبيق الأسس الاقتصادية التي وضعها المفكر الاقتصادي "جون ماينارد كينز" حول دور الدولة، ومن أهم هذه الأسس:
1- تمكين الدولة الرأسمالية من الرد على الكوارث الاقتصادية.
2- إعطاء الدولة دور المستثمر المالي المركزي في الاقتصاد الوطني أو رأسمالية الدولة (القطاع العام).
3- حق الدولة في التدخل لتصحيح الخلل في السوق أو في حركة المال.
4- دور الدولة في تفادي التضخم والديون وارتفاع الأسعار.
وقد استمرت دول النظام الرأسمالي وحلفاؤها في الأطراف في تطبيق هذه السياسات الاقتصادية الكينزية طوال الفترة الممتدة منذ ثلاثينات القرن العشرين حتى نهاية العقد الثامن منه، حيث بدأت ملامح انهيار منظومة البلدان الاشتراكية وبروز الأحادية القطبية الأمريكية وأيديولوجية الليبرالية الجديدة.
وقد بدأ ذلك في عصر كل من تاتشر عام 1979 على يد مستشارها الاقتصادي "فردريك فون هايك، ورونالد ريجان عام 1980 ومستشاره الاقتصادي" ميلتون فريدمان " وكلاهما أكد على أهمية العودة إلى قوانين السوق وحرية رأس المال وفق أسس نظرية الليبرالية الجديدة التي تقوم على:
1- كلما زادت حرية القطاع الخاص كلما زاد النمو والرفاهية للجميع.
2- تحرير رأس المال وإلغاء رقابة الدولة في الحياة الاقتصادية، وتحرير التجارة العالمية.
إنها باختصار، دعوة إلى وقف تدخل الدولة المباشر، وتحرير رأس المال من كل قيد، وهذه الدعوة تجسدت من خلال فكر "مدرسة شيكاغو" أو ما يعرف بمصطلح المدرسة النقدية Monetarism والتي يعتبر الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان والاقتصادي الإنجليزي فون هايك من أبرز منظريها وهو فكر ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية الحديثة ويتسم بفجاجته ورجعيته وبعدائه الشديد للمدرسة الكينزية وممارساتها.
تدعو المدرسة النقدية إلى :
1- العودة بالرأسمالية إلى أيام صباها ونشأتها الأولى، حيث نظام حرية السوق وحرية الاستغلال.
2- عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي واقتصارها على تأدية وظائفها التقليدية.
3- بيع المنتجات الإنشائية الحكومية.
4- تحجيم قوة نقابات العمال، والسماح لقوى العرض والطلب أن تحدد مستويات البطالة والأجور والعمالة.
5- إفساح المجال واسعاً وبلا قيود أمام نشاط القطاع الخاص من خلال تخفيض الضرائب على الدخول المرتفعة وعلى الثروات... الخ.
وسرعان ما صادفت المدرسة النقدية رواجاً غير عادي سواء على المستوى الأكاديمي أو مستوى السياسات الاقتصادية بدول الغرب الصناعي (كمقدمة لنظام العولمة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي) وانتشرت باسم الليبرالية الجديدة.
ثانياً: بالطبع لم يكن ظهور مفهوم العولمة الاقتصادي معزولاً عن الانهيار الأيديولوجي الذي أصاب العالم بعد تفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي، بل هو مرتبط أشد الارتباط بالمفاهيم الفكرية التي صاغها فلاسفة ومفكرو الغرب الرأسمالي، بدءاً من "عصر نهاية الأيديولوجيا" إلى "صراع الحضارات"، و"نهاية التاريخ عند الحضارة الغربية"، وهي مجموعة أفكار تتقاطع مع الأفكار النازية، كما صاغها تريتشكه ونيتشه، عندما تتحدث عن تفرد الحضارة الغربية – ضمن إطارها الثقافي والجغرافي – بالقوة والعظمة، دون أي دور أو ترابط مع حضارات العالم الأخرى، كما يقول " فرنسيس فوكوياما " الذي رأى (عام 1992) أنه " بسقوط الأنظمة الاشتراكية يكون الصراع التاريخي بين الليبرالية والماركسية قد انتهى بانتصار ساحق لليبرالية الجديدة، وبهذا النصر تكون البشرية قد بلغت نقطة النهاية لتطورها الأيديولوجي" وقد تراجع عن موقفه هذا فيما بعد عام 2004.
والواقع، أنه منذ أن نشأت الرأسمالية كنظام عالمي، وهي تسعى دائماً لأن تخضع العالم أجمع لمتطلبات نموها وشروط حركتها، فمنذ نشأ نظام رأس المال في اسبانيا والبرتغال ثم في هولندا والنمسا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، منذ منتصف القرن الخامس عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر، تطورت الرأسمالية، عبر تحول النظام الرأسمالي من النطاق القومي إلى النطاق الدولي، من خلال الانتشار والتوسع الاستعماري الأوروبي.
يتبع الى ست مراحل أساسية، لتطور الرأسمالية،


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *