ذ. عبد العالي بريك – عن التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الاسلاميين ندوة الاعتقال السياسي بتمارة
ذ. عبد العالي بريك – عن التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الاسلاميين ندوة الاعتقال السياسي بتمارة
فشل برنامج إدماج السجناء الإسلاميين بالمغرب: الأسباب والتداعيات
برنامج إدماج السجناء الإسلاميين في المغرب يعد واحداً من المحاولات البارزة التي قامت بها الدولة في إطار سياساتها الأمنية والاجتماعية لمواجهة التطرف والإرهاب. هذا البرنامج كان جزءاً من استراتيجية شاملة لمكافحة التطرف العنيف وإعادة دمج السجناء ذوي الخلفيات الأيديولوجية المتطرفة في المجتمع، وهو مرتبط ببرامج أخرى مثل المصالحة، التي بدأت منذ سنوات ولكنها لم تحقق النتائج المرجوة. على الرغم من الجهود المبذولة، يمكن القول إن هذا البرنامج قد فشل في تحقيق أهدافه لعدة أسباب مرتبطة بعدة عوامل سياسية، اجتماعية، وأمنية.
1. التخطيط والتنفيذ: ضعف في الرؤية الشاملة
أحد الأسباب الرئيسية لفشل برنامج إدماج السجناء الإسلاميين هو الضعف في التخطيط والرؤية الشاملة. البرنامج تم تقديمه على عجل دون دراسة معمقة للأبعاد النفسية والاجتماعية للسجناء الإسلاميين أو تحليل حاجاتهم الخاصة. بدلًا من ذلك، ركز البرنامج بشكل أساسي على محاربة الفكر المتطرف دون توفير وسائل فعالة لمعالجة المشاكل التي دفعت هؤلاء الشباب نحو التطرف. .
عملية التأهيل كانت تركز في الغالب على تقديم خطب دينية وبرامج تعليمية تتناول أساسيات العقيدة الصحيحة ومحاربة الفكر الجهادي المتطرف، ولكن هذه الجهود لم تكن كافية لتغيير قناعات السجناء الأيديولوجية أو لإعدادهم للاندماج السلس في المجتمع بعد الإفراج عنهم.
2. رفض السجناء المشاركة والتجاوب
أحد العوامل الأخرى التي ساهمت في فشل البرنامج هو رفض العديد من السجناء الإسلاميين المشاركة فيه، معتبرين أن هذه البرامج تهدف إلى تغيير عقائدهم وإجبارهم على التخلي عن معتقداتهم الدينية. هذا الرفض ليس نابعاً فقط من تعصب ديني أو سياسي، بل هو أيضاً نتيجة عدم الثقة في الدولة ومؤسساتها، خاصة بعد سنوات من القمع الأمني والتعاملات القاسية التي تعرضوا لها. يرى الكثير من السجناء الإسلاميين أن الدولة لا تهدف إلى إدماجهم بقدر ما تهدف إلى إظهار نفسها أمام العالم الخارجي بأنها تقوم بمحاربة الإرهاب وتطبيق إصلاحات، مما يزيد من شكوكهم تجاه برامج الإدماج.
3. نقص المتابعة والرعاية اللاحقة
من أبرز النقاط التي تشير إلى فشل برنامج إدماج السجناء الإسلاميين هو غياب المتابعة والرعاية اللاحقة بعد الإفراج عنهم. فالسجناء الذين يُفرج عنهم، حتى بعد المشاركة في البرامج التأهيلية، لا يحصلون على الدعم اللازم الذي يساعدهم على الاندماج الفعلي في المجتمع. غياب الدعم الاقتصادي، النفسي والاجتماعي يؤدي إلى إحباط العديد منهم ويجعلهم عرضة للعودة. هذا الخلل في المتابعة يعزز فكرة أن البرنامج غير جاد في تحقيق إعادة إدماج حقيقية للسجناء الإسلاميين، بل يهدف فقط إلى تحقيق أهداف سياسية وقتية.
4. الإطار القانوني والأمني: تضارب الأهداف
على الرغم من أن البرنامج كان يتضمن جانبًا من التأهيل العقائدي والفكري، إلا أن الإطار القانوني والأمني في المغرب لا يزال يضع السجناء الإسلاميين تحت مراقبة مشددة حتى بعد الإفراج عنهم. هذا التدخل الأمني المستمر يجعل السجناء يشعرون بأنهم تحت الرقابة الدائمة، مما يقلل من فرصهم في إعادة بناء حياتهم بشكل طبيعي. بالإضافة إلى ذلك، الاعتقالات العشوائية التي تُجرى في بعض الأحيان، والتشديدات الأمنية المستمرة، تعزز الشعور بالاضطهاد لدى هؤلاء الأفراد وتدفعهم نحو رفض هذه البرامج.
5. غياب دور المجتمع المدني
على الرغم من أن برامج إدماج السجناء الإسلاميين تتطلب مشاركة المجتمع المدني لضمان نجاحها، إلا أن هذا الدور كان ضعيفًا في المغرب. المجتمع المدني المغربي، بما في ذلك المنظمات الحقوقية والجمعيات الإسلامية المعتدلة، لم يكن لديه حضور قوي أو مشاركة فعالة في برامج الإدماج. هذا الغياب ساهم في عدم وجود بيئة اجتماعية مناسبة تساعد السجناء على الاندماج بعد الإفراج عنهم، بل وتركهم عرضة للتهميش والعزلة الاجتماعية.
6. الإشكالات العقائدية والسياسية
من الصعوبات التي واجهتها الدولة في تنفيذ برنامج إدماج السجناء الإسلاميين هي الإشكاليات المرتبطة بالعقيدة السياسية لهؤلاء السجناء. الذين يرون أن الدولة تسعى فقط إلى استغلالهم إعلاميًا لتجميل صورتها أمام المجتمع الدولي، دون أن يكون هناك نية حقيقية لإدماجهم في المجتمع بشكل فعال.
7. الدور الإعلامي والتسويق الخارجي
بالنسبة للدولة، كان برنامج إدماج السجناء الإسلاميين وسيلة لتسويق نفسها كدولة رائدة في محاربة التطرف والإرهاب على المستوى الإقليمي والدولي. ومع ذلك، التركيز الكبير على تسويق البرنامج للخارج أدى إلى تهميش الجوانب الداخلية المتعلقة بمساعدة السجناء على التأهيل الفعلي. هذا الاهتمام بالبعد الإعلامي أكثر من الفعلي أدى إلى فقدان البرنامج لمصداقيته سواء لدى السجناء أو المجتمع المغربي، مما ساهم في فشله.
8. التداعيات: عودة إلى دائرة التطرف
فشل برنامج إدماج السجناء الإسلاميين لم يكن فقط على مستوى الأهداف المعلنة، بل أدى إلى تداعيات سلبية على المستوى الأمني والاجتماعي. العديد من السجناء الذين لم يتمكنوا من التأقلم بعد الإفراج عنهم عادوا إلى أنشطة التطرف أو انضموا إلى شبكات إرهابية. هذا يشير إلى أن البرامج التأهيلية لم تكن فعالة في تغيير قناعاتهم الفكرية أو إعدادهم لحياة مدنية طبيعية، بل ساهمت في تعزيز الشعور بالعزلة والاضطهاد، مما يجعلهم عرضة للعودة إلى التطرف.
في الختام، يمكن القول إن فشل برنامج إدماج السجناء الإسلاميين في المغرب يعكس مشاكل أعمق تتعلق بالسياسات الأمنية والاجتماعية في البلاد. غياب التخطيط الشامل، نقص المتابعة، والاعتماد على التسويق الخارجي على حساب النتائج الفعلية، كلها عوامل ساهمت في هذا الفشل. الحل يتطلب إعادة التفكير في أسس هذه البرامج وتطوير استراتيجيات جديدة تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات النفسية والاجتماعية للسجناء، بالإضافة إلى إشراك المجتمع المدني بفعالية. إذا لم يتم اتخاذ هذه الخطوات، سيظل الفشل هو العنوان الأبرز لأي محاولات مستقبلية لإدماج السجناء الإسلاميين في المغرب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق