أسرار مشاركة “إسرائيل” في اختطاف بن بركة| الحلقة 2: أوفقير والدليمي في تل أبيب
أسرار مشاركة “إسرائيل” في اختطاف بن بركة| الحلقة 2: أوفقير والدليمي في تل أبيب
عماد ستيتو
عندما أصدر الحسن الثاني، سنة 1965، أوامره بالقبض على بن بركة، كان في ذهن أوفقير والدليمي نموذجان عمليان: اختطاف أدولف إيخمان، وهو نازي اختطفه الموساد في الأرجنتين سنة 1960؛ واختطاف الكولونيل أرغود، وهو خصم لدوغول، في ميونخ سنة 1963، لكن بدل أن يختارا أحد النموذجين، جمعا بين الخطتين معًا: توظيف مجرمين فرنسيين، وطلب المساعدة من الموساد.
طلب المخططون الاستعانة بنفس العناصر الإجرامية التي استعان بها جهاز المخابرات الفرنسية الخارجي لاختطاف أرغود، خصوصا وأن الأمر أسهل، فبوشسيش مرتبط بالمغرب، حيث يملك “السفانكس” ويريد تطوير أعماله في المغرب، كما أنه صديق طفولة أنطوان لوبيز. بالموازاة مع ذلك سيوجه المغاربة نداء مساعدة إلى الموساد لتعقب بن بركة من أجلهم. ولذلك سيكون اثنان ممن شاركوا في عملية ايخمان، وهما رافي ايتان وبيتر مالكين، ضالعين في عملية اختطاف أخرى.
في هذه الفترة، حل الجنرال مائير عاميت خلفا لإيسر هاريل على رأس الموساد، بعد شهر واحد فقط من توليه المنصب، سافر رجل الاستخبارات الإسرائيلية إلى المغرب حاملا رسالة من رئيس وزرائه، قدّمه أوفقير بنفسه إلى الملك، الذي استقبله بذراعين مفتوحتين، بحسب قوله، قاطعًا بذلك سياسة الحذر التي كان يتبعها سلفه في علاقته بالمغرب.
منذ ذلك الحين، بدأ مدير الموساد الجديد بلقاء الحسن الثاني بانتظام، وتم تكليف العميل الشهير رافي إيتان، رفقة جوزيف شينر، أحد حراس بن غوريون، بإعادة تنظيم الحرس المقرب من الملك، الذي كان يخشى على حياته من مؤامرة اغتيال يُعتقد أن جمال عبد الناصر كان وراءها. تُوِّج هذا التعاون بتوقيع اتفاق للمساعدة التقنية بين الموساد والمخابرات المغربية، بل كان عاميت يزعم أن جهازه هو من كان يدير فعليًا الاستخبارات المغربية.
توطدت العلاقة بين أوفقير وعاميت بسرعة، كما تفاهم بشكل كبير مع رافي ايتان، وخلال أول زيارة لأوفقير إلى إسرائيل في يناير 1964، نزل في منزل الأخير المكون من ثلاثة غرف بدلاً من الفندق، لدواعٍ أمنية. من جهته سيتقرب أحمد الدليمي، الذي كان كذلك مشاركا في الرحلة، من دافيد شومرون، مدير محطة الموساد في المغرب، وبدأ الرجلان يتعاونان بشكل شبه يومي.
في تلك الزيارة أيضًا، التقى أوفقير بوزيرة الخارجية الإسرائيلية غولدا مائير. وفي المجمل، زار أوفقير إسرائيل أربع مرات، بينما زار عاميت المغرب ثلاث مرات.
في 19 أغسطس 1964، تم تعيين محمد أوفقير، الرجل الذي علم “المهدي” في الماضي إطلاق النار بالمسدس على ضفاف نهر أبو رقراق، وزيرًا للداخلية في المغرب. وبالإضافة إلى ذلك، بقي الجنرال مديرًا للأمن الوطني، وإن كان قد تنازل فعليًا عن الإدارة اليومية لمساعده الثاني، الكولونيل أحمد الدليمي. في اليوم التالي، بمناسبة ذكرى “ثورة الملك والشعب”، أعلن الحسن الثاني قرارًا مهمًا آخر: تم تخفيف عقوبة المدانين بالإعدام لمشاركتهم في “مؤامرة يوليوز” إلى السجن المؤبد، باستثناء المحكوم عليهم غيابيًا، ومن بينهم بن بركة.
في 15 أكتوبر 1964، أرسل مكتب “الأمن القومي التشيكوسلوفاكي” في الرباط تحذيرا إلى براغ: “مصالح الأمن المغربية مقتنعة بأن الحكومة التشيكوسلوفاكية تدرب أنصارًا مغاربة بناء على طلب الشيخ- الرمز السري للعميل بن بركة في الجهاز-“. ثم في 23 أكتوبر، حذرت رسالة ثانية من نفس المصدر بأن الجنرال أوفقير كلف “الكاب 1” بـ “تحديد مكان” بن بركة”.
بين هذين التاريخين اللذين يفصل بينهما ثمانية أيام، أعطى الحسن الثاني الأمر، لأن الملك وحده هو من يمكنه تقرير مصير عدوه الشخصي. عندما كان داخل المملكة، كان هذا المعارض الراديكالي يثير غضبه بشدة بتعظيمه “الشرعية الشعبية” مقارنة بسلطته الدنيوية. ثم، كمنظم للثورة في العالم الثالث، استفزه المنفي إلى أقصى حد. لكن الآن، يعتقد الحسن الثاني أن بنبركة قد أدرج كفاحه في نطاق المواجهة بين الشرق والغرب، مع وجود كوماندوس في معسكر تدريب في تشيكوسلوفاكيا على استعداد للتسلل إلى مملكته، فذلك لا يمكنه سوى أن يخرجه عن طوره.
مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين النية الإجرامية والجريمة نفسها. بعد أن يهدأ غضبه أو في ضوء ظروف جديدة، قد يتراجع الملك. وهذا بالضبط ما يبدو أنه حدث لاحقا بعد أحداث مارس 1965، عندما طلب الملك من بن بركة العودة إلى البلاد والانضمام إلى حكومة وحدة وطنية. أكان عرض مصالحة صادقًا أم حيلة لتحييد المعارض – سياسيًا إن لم يكن جسديًا – بعد عودته إلى المملكة؟ حينها، أجاب بن بركة على هذا السؤال بعدم الثقة.
حينئذ، لم يكن تحديد المغاربة لموقع “بريجيت”، الاسم الرمزي الذي أطلقه رجال الكاب 1 على بن بركة والمستوحى من الاسم الأول للرمز الجنسي -sex symbole- لتلك المرحلة الممثلة بريجيت باردو، بالأمر السهل لأنه كان دائم التنقل، ولا يفصح عن عنوانه لأحد، وكان نادرًا ما يبيت في منزله حتى عندما يكون في جنيف أين يقيم.
أدرك العملاء المغاربة بسرعة أنهم بحاجة إلى مساعدة جهاز استخبارات يمتلك، على عكسهم، فروعًا في جميع أنحاء العالم. أول باب يطرقونه هو باب القوة الاستعمارية السابقة؛ توجه القائد الدليمي إلى ممثل SDECE (الاستخبارات الفرنسية) في السفارة الفرنسية في الرباط، الكولونيل دوبريه، ليطلب منه مباشرة “ما إذا كانت الأجهزة الفرنسية تستطيع أن تنظر في استعادة بن بركة”. سواء كان ذلك مراوغة أو عجزًا من باريس، لم يكن الرد في مستوى توقعاته. مرت خمسة أشهر دون أن يتم تحديد موقع بن بركة.
في 30 مارس 1965، أزالت رسالة “عاجلة”، أرسلها مركز الموساد في المغرب (الاسم الرمزي “الحمار الوحشي”) إلى المقر الرئيسي في تل أبيب، أي شك فيما يتعلق بنوايا الحسن الثاني.
أبلغت البرقية أن ألبير، الاسم الرمزي للدليمي المستعمل في بعض برقيات الموساد، اتصل بشكل عاجل ب “شيري” عميل الموساد. ثم نقلت الأخبار التي توصلت بها من نائب مدير الأمن المغربي: “بن بركة وصل إلى بروكسل، الإشبيليون (اسم رمزي للمغاربة) قرروا قتله، وقد أخذوا بعين الاعتبار كل العواقب، يطلبون منا مساعدتنا فقط في تحديد موقعه بشكل عاجل”.
شرع فرع الموساد في المغرب، الذي يضم حوالي عشرين عميلاً، في العمل على الفور. في رسالتين أخريين أرسلتا في نفس اليوم، أبلغ الفرع المقر الرئيسي بالعنوان في بروكسل حيث من المفترض أن يقيم بن بركة، موصوفًا بأنه “ممتلئ الجسم” (غير صحيح)، ويبلغ من العمر “خمسة وأربعين عامًا” (صحيح) وطوله “160 سم” (تقريبي).
كما طُلِب من المركز الرئيسي تقديم تفاصيل عن المعارض، وإذا كانت لديهم صورة له، أن يرسلوها إلى العنوان السري في الرباط، مصحوبة بـ “رسالة عادية، كما لو كانت تذكارًا أرسله الأصدقاء”، في اليوم التالي، بالإضافة إلى الإذن بتتبع بن بركة.
أرسل المقر الرئيسي إلى “الحمار الوحشي” معلومات مستخرجة من ملف بن بركة الخاص به، هذا الملخص المكون من ثلاث فقرات يؤكد أن المعارض المغربي يرغب في “جعل القاهرة مركزًا لأنشطته”، لأنه يمكن أن يعيش فيه حياة أكثر راحة، لكن ذلك “سيكون صعبًا بعض الشيء” نظرًا “لتحسن العلاقات بين مصر والمغرب”. في المقابل، في الجزائر التي فيها صديقه محمد يازيت (نائب مؤثر، ووزير الإعلام السابق في الحكومة المؤقتة للجمهورية) ستكون أبواب الرئيس الجزائري بن بلة مفتوحة له، وأن بن بركة لديه اتصالات مع الروس والصينيين. ويبدو أيضًا أنه يتلقى أموالاً من هذين البلدين. وأن الاتصالات تتم عبر السفارات، ولكن عبر ممثليهم في الأمانة الأفروآسيوية. كما أنه محترف سياسة حقيقي من المفترض أن يستخدم هذه الأموال لأنشطته، وكان لديه بالفعل الكثير من الأنشطة بسبب المحاكمة التي تعرض لها رجاله.
أرشيف الموساد “يتحدث” عن المعارض المغربي بشكل سلبي، لدرجة أن المرء يتساءل كيف لم يدرك المعني بالأمر، بعد سنوات من المحاولات الفاشلة للتقرب من إسرائيل، أنه لم يكن لديه ما يأمل فيه من ذلك الجانب.
وبصدفة غريبة في التوقيت، يقلب بن بركة هذه الصفحة أخيرًا، في عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة من شهر مارس 1965، قبل ثمان وأربعين ساعة بالضبط من بدء الموساد في تتبعه بناءً على طلب الملك. المعروف بـ “صديق اليهود” يهاجم إسرائيل بعنف في إطار المؤتمر الفلسطيني الدولي الأول، الذي نظمه الاتحاد العام للطلبة الفلسطينيين في القاهرة. هذا الاجتماع ليس هامشيًا على الإطلاق، فالاتحاد العام للطلبة الفلسطينيين، الذي تأسس عام 1959، كان مهدًا للنشاط الفلسطيني، وأول من طالب – قبل جامعة الدول العربية أو حكومة أي دولة عربية بفترة طويلة – بدولة فلسطينية، وتحقيقًا لذلك، بمنظمة وجيش تحرير جاء ممثلون من أكثر من مائة دولة إلى القاهرة لشجب اسرائيل أداة الامبريالية.
باسم حزبه، تدخل بن بركة حول “دور إسرائيل في إفريقيا” الذي يشبهه بحصان طروادة، ويدعو إلى محاربة دورها في تفتيت العالم العربي، ومحاربة حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا.
في برقيات الموساد، لم يرد أي ذكر لهذا الموقف من بن بركة الذي يمثل انقلابًا في موقف الزعيم المغربي تجاه “إسرائيل”. ولكن في الساعة التي سيُقرر فيها مصير بن بركة على أعلى مستوى، سيسأل رئيس الوزراء الإسرائيلي رئيس جهاز التجسس التابع له: “ما هو موقفه منا؟” وسيجيب مدير الموساد: “هو ضدنا. لكن هذا لا يقلقني. واحد أكثر وواحد أقل”.
كذلك، عندما سيصبح اختفاء بن بركة قضية دولة في إسرائيل، لن يدّعي أي مسؤول أن المعارض المغربي كان عدوًا لـ “الدولة اليهودية”، وبالتالي هدفًا مشروعًا.
أطلق على عملية بن بركة الاسم الرمزي “ايترنا”، في جملة واحدة، يصادق مقر الموساد في الرباط، في 2 أبريل 1965، على اقتراح نائب رئيس وحدة “تيبيل” (العالم) المتمركزة في باريس، بنيامين روتيم. في هذه البرقية، كما في عدة برقيات أخرى ستنتقل بين تل أبيب والرباط وباريس، يقتصر تورط الموساد، حسب ما يبدو، على “تحديد الموقع فقط” ولا شيء أكثر.
مع ذلك، تم كسر حرمة هذا المبدأ في اليوم التالي، 3 أبريل، لأنه بمجرد انطلاق عملية “إيترنا”، تم استدعاء عميلين من الموساد متمركزين في المغرب إلى منزل الدليمي، الذي أعلن لهما فجأة أنه شكل كوماندو مكونًا من خمسة رجال “مستعدين لقتل الرجل [بن بركة] في أي مكان وبجميع الوسائل المتاحة لديهم”. لكن، على وجه التحديد، ونظرًا لأن وسائلهم الخاصة “ليست جيدة جدًا”، فإنه يريد أن يزودهم الموساد بمسدسين لا يمكن تتبعهما إلى مصدرهما، وكواتم للصوت وذخيرة، بالإضافة إلى “جميع أنواع الوسائل الأخرى للقضاء على شخص مثل السموم في أغلفة بلاستيكية محكمة الغلق أو مظاريف”.
رد أحد عملاء الموساد، “جاك”، بأن “هذا خطير جدًا”، وبالتالي غير ممكن. لكن زميله، “تشيري”، كان أكثر مرونة: “سننقل الطلب، إذا استطعنا، سنساعدكم”.
في النقاش الذي تلا ذلك داخل الموساد، لم تؤكد سلطة المدير مائير عاميت موقفها، على الرغم من أن الخط الأحمر الذي تم تحديده، في اليوم السابق، أصبح موضع تساؤل.
الصوت الأكثر انتقادًا كان صوت بنيامين روتيم، الذي رأى أن توفير الأسلحة يحمل “خطرًا كبيرًا” يتمثل في إمكانية تتبع مصدرها إلى الموساد. “لا ينبغي علينا تلبية هذا الطلب”، على حد قوله، ناهيك عن طلب السموم. “يبدو لي أن توفير مثل هذه الوسائل يحولنا إلى شريك نشط في هذه العملية، يتجاوز إلى حد كبير الإطار الذي حددناه”.
ومع ذلك، في مواجهة الاعتراض بأن مثل هذا التهرب سيسوء تفسيره حتمًا من قبل المغاربة، وقد يعرض للخطر تعاونًا كان واعدًا بقدر ما كان صعب الإنشاء، تراجع روتيم. واعترف بأنه سيكون “غير معقول” الادعاء بأن الموساد لا يستطيع توفير مسدسين وحدد معارضته للطلبات الأخرى. هذا هو الموقف الذي سيتم اعتماده بشكل مؤقت.
في 3 أبريل 1965 كذلك، أخبر الدلمي العميلين الإسرائيليين الذين استدعاهما بمعلومة لا تزال قيد التحقق: يبدو أن بن بركة موجود الآن في “باليرمو” (المقصود القاهرة)، بعد ثمان وأربعين ساعة، أكد الموساد هذه المعلومات وأضاف لها، للمغاربة، عنوان المعارض وعائلته في حي هليوبوليس بالقاهرة (34 شارع الدكتور علي أباقي حلوان)، وكذلك رقم هاتفهم (87 94 44)، وفي في 12 أبريل، أرسل الدليمي إلى القاهرة قائد فرقته للموت برفقة أحد أفضل عناصره.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق