جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أسرار مشاركة “إسرائيل” في اختطاف بن بركة| الحلقة 3: رأس بن بركة مقابل تسجيلات القمة العربية

 أسرار مشاركة “إسرائيل” في اختطاف بن بركة| الحلقة 3: رأس بن بركة مقابل تسجيلات القمة العربية

يفتح كتاب «قضية بن بركة.. نهاية الأسرار» نافذة جديدة على ملف ظلّ، ستة عقود كاملة، رمزًا للغموض السياسي في المغرب الحديث. فرغم كثرة ما كُتب وصُوّر عن اختفاء المهدي بن بركة في باريس عام 1965، بقيت الحلقة الإسرائيلية خارج السرد الرسمي. ما يقدّمه ستيفن سميث ورونين بيرغمان هذه المرة هو اختراق استثنائي، يستند إلى وثائق أفرج عنها الأرشيف الإسرائيلي، تضع الموساد داخل تفاصيل العملية منذ لحظاتها الأولى. ومع ذلك، يُبالغ المؤلفان حين يضعان عبارة «نهاية الأسرار» على غلاف الكتاب. فالمواد التي يكشفانها، على أهميتها، لا تُجيب عن أسئلة جوهرية بقيت معلّقة منذ 60 عاما: مكان دفن جثة بن بركة، وحدود علم وتواطؤ الأجهزة الفرنسية. عبر حلقات تقدم لكم منصة هوامش أبرز ما ورد في الكتاب.

يوم 16 أبريل، و خلال اجتماع ترأسه مائير عاميت، تمت الموافقة رسميًا على تزويد المغاربة بكواتم الصوت، وضعت وحدة “قيسارية”، الوحدة شبه العسكرية في الموساد المسؤولة عن العمليات الخاصة،  مسدسين من نوع Beretta 22 magnum (عيار 5.5 ملم) مجهزين بكواتم صوت، بالإضافة إلى مائة طلقة، تحت تصرف المغاربة.

في 21 أبريل، أكد المكتب في المغرب استلام هذه “الأدوات”، ثم لا شيء لمدة سبعة أيام؛ فقط في 28 أبريل 1965 أخبر الدليمي الموساد أن العنوان في القاهرة كان صحيحًا، وأن بن بركة كان موجودًا هناك بالفعل، لكنه ألغى العملية في اللحظة الأخيرة نظرًا لعفو الملك الصادر في 14 أبريل.

لم يكن الحسن الثاني قد غيّر رأيه بدافع الرحمة. لكن لو تزامن عفوه، الممنوح بمناسبة “عيد الأضحى”، مع مقتل بن بركة في منزله، على زاوية شارع في القاهرة، لكان ذلك قد دمر المصداقية المتوقعة للعفو.

لم تكن هذه المحاولة الوحيدة في القاهرة، حيث حصلت محاولة أخرى في 3 شتنبر، كما كانت هناك محاولة في جنيف (بوستون حسب وثائق الموساد) في 20 شتنبر، لكن الدليمي اعترض على تنفيذ العملية هناك، مفضلا “دينفر” ( الاسم الرمزي لباريس) كما شرح للموساد بنفسه.

قام الدليمي بإحاطة الموساد بخطته ونواياه فيما يتعلق ببن بركة، وأبلغ الجهاز الإسرائيلي أنه “على اتصال” بفرنسيين “مستعدين لقتل إيترنا”، الاسم الرمزي لكل من المعارض المغربي وعملية المساعدة الخاصة بالموساد التي تقتصر -حتى الآن- على تحديد مكانه وتزويد المغاربة بمسدسين مزودين بكواتم صوت.

عند سؤاله، أوضح الدليمي أن الفرنسيين المعنيين هم “أفراد خاصون ولكنهم يعملون بمعرفة الأجهزة الفرنسية التي لا تعترض”. 

وفي رسالة جديدة، أرسلت بعد ثمان وأربعين ساعة، أضاف العميل الإسرائيلي “كيهات” ملاحظة مكتوبة بخط اليد تقدم تفصيلاً إضافيًا في هذا الشأن: “وفقًا للدليمي، فإن هؤلاء الفرنسيين المنفذين لديهم، أو كانت لديهم، اتصالات مع كونغرس دانبوري”، الاسم الرمزي للأجهزة الفرنسية.

نص الرسالة الثانية، المؤرخة في 29 شتنبر، كان من صياغة “تشيري”، عميل الموساد الذي يعمل مع الدليمي يوميا.  

“تشيري” يلخص، نقطة بنقطة، ما علمه من نائب مدير الأمن المغربي: ” بن بركة من المقرر أن يصل إلى باريس في 4 أكتوبر وسيبقى هناك عدة أيام. “ألبرت” (الدليمي) يريد الاستفادة من ذلك لاختطافه، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، تصفيته. ومع ذلك، يخشى الدليمي أن يقوم مجندوه الفرنسيون بإبلاغ مخططه إلى الأجهزة الفرنسية، والتي قد تتدخل بعد ذلك في خططه. فقرر أن ينفذ العملية بنفسه مع معاونيه، وأن يخبر العناصر الفرنسية أن الخطة قد ألغيت وأن عليهم فقط تحديد موقع إيترنا ومراقبة تحركاته”.

يطلب الدليمي من الموساد نصائح في المراحل المختلفة لهذه العملية، وهو ما يتجاوز بكثير مجرد تقديم مساعدة تقنية.

 في هذا الإطار، الدليمي، الذي ينوي الذهاب إلى باريس “تحت غطاء”، يريد أن يرافقه “تشيري” ليكون بمثابة ضابط اتصال مع فريق الموساد الموجود على الأرض.

 أشار له “تشيري” أن زملاءه في باريس عددهم كاف وسيعرفون كيف يتصرفون بدونه. للتغلب على تردد “تشيري”، وبدون شك أكثر من ذلك، على التردد الذي يتوقعه من التسلسل الهرمي للموساد، عرض الدليمي تحمل التكاليف الناجمة عن مهمة المرافقة هذه. أخيرًا، أعلن أن “رسولاً خاصًا” تابعًا للأجهزة الفرنسية تم “تجنيده للتعامل مع إيترنا [بن بركة]”، من المقرر أن يصل في نفس اليوم إلى الرباط ويجلب المزيد من التفاصيل حول اللقاء المقرر، في باريس، بين المعارض وفريق الفيلم (الرسول هو أنطوان لوبيز).

في شتنبر عام 1965، كانت الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية المغربية، تستعد لاحتضان قمة عربية حساسة بحضور رؤساء وملوك الدول العربية.

أحيانًا، كان رؤساء الدول يجدون أنفسهم لوحدهم حتى يتمكنوا من قول الأشياء لبعضهم البعض بصراحة. لم يخطر ببالهم للحظة أن مضيفهم، والداعي إلى التضامن فيما بينهم، يسجل أقوالهم، كعملة تبادل لاتفاقه مع الموساد للتخلص من خصمه الرئيسي.

كانت هذه فرصة مواتية لـ “مائير عاميت” لتثبيت موقعه، حل رافي ايتان وبيتر مالكين، الثنائي الصاعق الذي شارك في عملية اختطاف أدولف إيخمان، بمدينة الدار البيضاء، مع زملائهم في وحدة “تسيبوريم” (طيور) التابعة للموساد، وقاموا بتركيب جهاز تنصت في القاعة الكبيرة المخصصة للجلسات. في كل منصة، تم إخفاء جهاز إرسال لاسلكي؛ لا حاجة للكابلات. كما قام الموساد “بتجهيز” غرف الفنادق الخاصة بالوفود المصرية والسورية والعراقية بأجهزة تنصت. لكن في اللحظة الأخيرة، عشية القمة، غيّر الحسن الثاني رأيه، وأمرهم بإخلاء المكان. كان لدى عملاء الموساد الوقت الكافي فقط لتدريب ضباط الشرطة التابعين للكاب 1، الوحدة الخاصة التابعة للأجهزة المغربية التي يديرها الدليمي، على استخدام معداتهم هاته. كان احتياطًا حكيمًا نوعا ما من الملك، حيث كان خطر اكتشاف الإسرائيليين حقيقيًا ولا داعي لتحمله.

بدأ العد التنازلي لتسليم التسجيلات. بين انتظار منتشٍ وترقب قلق، من جانب الموساد، المناخ مناسب للمساومة. مرت 12 يومًا، ببطء شديد.

 في 29 شتنبر، أعلن الدليمي أخيرًا إرسال الأشرطة “قبل مساء الغد”، وطالب مرة أخرى بأن يرافقه “تشيري” إلى باريس لتحديد مكان بن بركة الذي قرر اغتياله. “يصر على أنه من المهم لعلاقاتهم المستقبلية أن يرافقه تشيري”، هكذا نقل فرع الموساد في الرباط، خشية أن تكون تل أبيب لم تفهم بعد المطلوب.

في 30 شتنبر، وافق المقر الرئيسي للموساد على هذا الطلب كـ”بادرة حسن نية تجاه ألبرت [الدليمي] ولتمكين تشيري من تعزيز موقعه”. ولكن وُضعت ثلاثة شروط لهذا التنازل. 

“أولاً، سيكون عملاء الموساد مجرد مستشارين. في أي حال من الأحوال لن نتورط في أي عمل. ثانيًا، فيما يتعلق بتحديد مكان بن بركة، سنحاول تحديد موقعه ونقل المعلومات إلى ألبرت [الدليمي]، ولن نتبعه. يجب ‘شرح’ هذين الشرطين جيدًا للدلمي. أخيرًا، أي شيء خارج هذا الإطار يتطلب موافقة مسبقة إلزامية من المقر الرئيسي. موريس [مائير عاميت] يأمل بشدة أن تحصلوا على مواد لوكو [مواد القمة] قبل الدخول في شؤون إيترنا.”، نهاية البرقية.

لو كان رئيس الموساد يعتقد أنه في موقع قوة، لكان كتب لعملائه: “يا رفاق، لن نحرك ساكنًا قبل أن نستلم التسجيلات”.

في اليوم التالي، 1 أكتوبر 1965، حدد الدليمي، دون أن ينبس بكلمة عن أشرطة التسجيل، توقعاته. وهي كالتالي: “مكان آمن في باريس، يمكن له ولأربعة من عملائه أن يعيشوا ويختبئوا فيه، خمس جوازات سفر أجنبية لهذا الكوماندو، أدوات للتنكر وإخفاء الملامح، نصائح للتخطيط للعملية والانسحاب بعد اغتيال بن بركة”، كما أصر الدليمي أيضًا على أن يقوم الموساد بعملية المراقبة والتتبع.

رغم أن “تشيري” اعترض عليه بأن الفرع في باريس ليس لديه عدد كافٍ من الموظفين لذلك، وأن تتبع بن بركة سيعرض الموساد ليصبح مكشوفا، وهو الذي يواجه أصلا معضلة استئجار منزل آمن في آجال قريبة دون ترك أثر. ولكن عبثا، “إذا كان هناك شخص قادر على فعل ذلك”، كما يعتقد الدليمي، “فهو ‘ليما’ (أي مكتب باريس، وتحديدًا رافي إيتان، الذي عاد لتوه إلى هناك)”.

أكد الدليمي في المساء أن “روبنسون [الحسن الثاني] أعطاه الضوء الأخضر الكامل. وسيغادر صباح الأحد إلى دنفر [باريس]”، أي في 3 أكتوبر، عشية العملية المخطط لها، كانت هذه آخر رسالة من مكتب الموساد في الرباط هذا اليوم.

يرتفع الضغط، يشعر الموساد بأنه مضطر لتقديم ضمانات حسن النية ليستلم، أخيرًا، أشرطة التسجيلات.

 في 2 أكتوبر، كتب مائير عاميت، الرئيس، إلى رافي إيتان، رجله في باريس. يطلب منه أن يكون “على اتصال شخصي مع الدليمي” فور وصول المغربي “حتى نتمكن من إظهار مشاركتنا دون أن نتورط”، هي صيغة لفظية مراوغة. وينبهه إلى ضرورة عقد اجتماع تنسيق يجب أن يحدد “تفاصيل المساعدة العملياتية التي سنوافق على تقديمها”؛ وهنا تم تجاوز العتبة: مساعدة الموساد لم تعد تقنية بل أصبحت “عملياتية”.

يبحث عاميت عن طريقة للخلاص من هذا الفخ، بعد الاجتماع، يقترح أن الموساد يمكن أن يفشي العملية لمنعها، أو ربما حتى تحذير بن بركة مباشرة من الخطر الذي يتهدده عبر مكالمة هاتفية، أو نصيحة المغاربة بإرسال طرد مفخخ إليه. “على أي حال، إذا كانت العملية ستنحرف، فيجب أن نكون قادرين على القول إننا استجبنا فقط لطلبات تقنية، دون معرفة الهدف من العملية. أخيرًا، إذا كان على الموساد أن يلتزم حقًا، فلن يكون هناك خيار آخر سوى العمل باللغة العبرية”، أي أن يتولى الموساد بنفسه مهمة الاغتيال.

في 3 أكتوبر، الوقت مناسب، يرى الدليمي أن الموساد قد نضج وأصبح مستعدًا للقيام بكل ما في وسعه من أجله. لذلك قبل السفر إلى باريس سيقوم بإعطاء العملاء الإسرائيليين في الرباط التسجيلات.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *