جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

صحافيون يتحولون الى كتاب ...تغطية الرفيق سعيد رحيم

 استضاف المركز الثقافي لبنسليمان بشراكة مع منتدى مبدعات بلا حدود مساء السبت 13 دجنبر 2025 لقاء ثقافيا فنيا وحفل توقيع توقيع أربعة أعمال أدبية لصحفيين مهنيين اشتغلوا بوكالة المغرب العربي للأنباء وهي كالتالي: 1ـ مغربيات متألقات لإبراهيم بنحمو. 2ـ العين ترمز والكلمة تشاء لأحمد الطاهري.3ـ أوهام الغرب عن الإسلام لمحمد رضوان. 4

ـ رواية "الهرمكة" لسعيد رحيم.
وقدم ذ. أحمد السالمي، في هذا اللقاء الذي سيرته ذ. ليلى الشافعي، قراءة في رواية الهرمكة.
كما أمتع الفنانون رشيد شناني وجعفر الشرايبي وخديجة دوكار الحضور الذي تابع حفل التوقيع بوصلات وقصائد غنائية.











عناق كلبي المفقود
كان قد مر على اختفاء جروي "ريكس" أزيد من إثني عشر شهر لما سمع صوتي أناديه باسمه صدفة في ليلة مقمرة، بتلك الفيافي الصحراوية تلفُّها رياح وكثبان رملية من الجهات الأربع، تبعد عشر كيلومترات شمال غرب السمارة على الطريق المؤدية إلى لعيون، التي تبعد عنها بأزيد من 200 كلم.
كنت لحظتها رفقة ثلة من أصحابي أبناء المنطقة ـ على خلافي أنا الوافد بينهم في مهمة عمل لفترة محددة ـ في حالة من ذهول حين ظهر فجأة، قبيل منتصف الليل، سِرب كلابٍ متفاوتة الأحجام والأعمار مهرولة باتجاه مجهولٍ، صورتها من بعيد في الليلة المقمرة كشريط بالأبيض والأسود، لم يثر انتباه أحد، سواي.
توقف ريكس فجأة لسماع اسمه يشق سكينة ليل الصحراء، يخترق أذنيه. إلتفتٓ برأسه جهة مصدر الصوت، بينما المسافةُ بيني أنا ورفاقي وبين ربوة مرور سرب الكلابِ، حوالي مائة متر.
إلتفت الكلب نحونا، وقد قطعت ٱلتفاتته عني الشك باليقين. إنه هو كلبي المفقود ريكس. أحسست كما لو كان ينتظر فقط التأكد مما ٱلتقطته أُذناه من مصدر الصوت؛ دبدبات، أو نبرة، أو مخارج حروف اسمه. من دون إمعان في مزيد من التخمين والتعليق كررت النداء مستخدما، هذه المرة، كفاي مكبر صوت يحيط بفمي مناديا بحدة نحو الأعلى؛ رريكس! بردّةِ فعل سريعٍ، هو!.. إنه هو!. لقد ٱلتقط اسمهُ بوضوحٍ ودون تردد، هرع مقبلا نحوي وأنا لا أدري إن كنت في دوخة، أو في صحوة من أمري، فاتحا دراعاي إلى أقصى حد تغمرني فرحة استعدادٍ كاملٍ لاستقبال كلبي، الذي ضاع مني قبل عام ونصف في المدينة الصحراوية، مقفرة الحواشي على امتداد حدود البصر.
هو ريكس، يركض مسرعاً، أسود اللون بكاملهِ كسهمٍ يشقّ الظُلمة، عيناه تتلألآن تحت نور القمر الساطع، وأنا لم أعد أدري ما حل بي، هل اكتشفتُ سِراً، معجزةً أم السّرُ.. المعجزة اكتشفني. لقد صار ريكس كبيراً، طويل القامة، سقيما مثل سلوقي ضاري. يعدو بقوائمه ترتفع بسرعة عن سطح اليابسة، تتمدد ثم تلتقي حوافرها في الهواء كقطعة مطاطية تنطُّ، تنهبُ الأرض نهباً إلى أن ارتمى واقفا في حضني، أعانقه ويعانقني بساقيه الأماميتين الطويلتين، يلهت ويطلق أنفاسه المبحوحة تُنعشني في عنقي وأنا أقبّله وأسأله بعتاب؛ أين رحلت ياريكس؟، كيف ذهبت ولم تخبرني؟ ماذا جرى ياريكس؟. ثم أعود لضمه إلي، أكرر نفس الجُمل وأحكُّ راحتا يداي بقوة على ظهره ورقبته وعلى وجنتيه.
يلهت وأنفاسه الدافئة تملأ صدري ونور القمر يخفت فوقنا، يزيد من لوعة شوقٍ حين تٓحضِنه رمالُ الصحراء، لا مثيل لأشواقها.
وقف الشهود على هذا المشهد، الذي كسر قواعد الرومنطيقية بين كائنين حيين مختلفين في المظهر والبنية، متشابهان في الجوهر. خلفنا أنا وريكس، ببضعة أمتار أصدقائي الثلاثة؛ صلاحٓة ومحمد بيدي الله ونورالدين ظريف، وقفوا مشدوهين لِما جرى بيننا، بينما على الجهة المقابلة فوق الربوة الرملية سرب الكلاب المؤنسة لريكس، متوقفة، متفاوتة الأحجام. لاشك أنها مذهولة هي الأخرى مثل رفاقي لهذا المشهد الإستثنائي. لا أحد منهم نبس ببنت شفه أمام مباغثة وغرابة اللحظة!
أنزل ريكس قائميه الأماميين أرضا، مدّ عنقه ورأسه ينظر إلي. زاد ألق عينيه لمعانا مع نور القمر. انحنيت نحوه واضعا يداي على ركبتيْ، نتناظر وجها لوجه وأسئلتي له لا تتوقف كأني أخاطب ابنا عزيزا، نادرا صار يافعا؛ كيف حالك ياريكس؟ كيف تعيش ياريكس؟ مع من تعيش ياريكس؟..
أحسست من صمته أنه يريد أن يقول لي شيئا، لكن مخارج الحروف طبعا، لا تسعفه. غير أنه أشاح بوجهه صوب سِرب الكلاب المرافقة له، بدورها تنتظره، ثم عاد يحملق في وقد خٓفتٓ بريق عٓيْنيه يرمِّشهُما، لا أدري إن كانت دلالة على عتاب أو على وداع، ما لبثت عيناه أن استعادتا لمعانهما على الفور . ثم استدار كلية، مقتنعا أنه أبلغني رسالته كاملة وأن مغزاها قد ترسخت عندي بالفعل..
ركض نحو سِربه بنفس السرعة التي أقبل بها علي، عائداً نحو عشيرته الحميمية الجديدة ليعيش معها ما تبقّى من عمره حراً طليق الجناحين في صحراء ممتدة بلا حدود. هذه هي الرسالة، التي أفهمني إياها كلبي العائد المفقود، ريكس!.
أخبرني رفاقي فيما بعد أن تلك الساحة الربوة من الصحراء، على بعد عشرة كلم شمال غرب السمارة، على طريق لعيون قد أطلقوا عليها اسم "ساحة ريكس"، تيمنا باللحظة الغرائبية مع هذا الكائن الوفي.
تركت ريكس، منذ كان جروا قبل عام ونصف عند حارس إحدى المدارس، أوصيته به خيرا مع ما يحتاجه من نفقة لمدة ثلاثة أسابيع من إجازتي السنوية أقضيها بمدينة الدار البيضاء، لكن عند عودتي لاسترجاعه، أخبرني الحارس أن ريكس قد "هرب"!. كمٓدْت صدمة الخبر وخيبتهُ لشهور بصمتٍ مطبقٍ في صدري حتى كِدت أنساه، لولا تجدُّد اللقاء به صدفة بالصورة التي ٱلتقطتها تلك الليلة المقمرة على ربوة أرض خلاء من الصحراء.
لا أدري إن كان ريكس، بعد كل السنين التي مضت إلى الآن ـ وهي 17 عاما، وبُعد المسافة بيني وبينه اليوم، بأزيد من ألف وثلاثمائة كلم ـ قد نفق، أو لازال حيا يرزق، أو في أرذل العمر تتآكله حرارة الشمس ولفحات الرمل، كما كل الكائنات محدودة العمر في الصحراء. لكن لذكراه ولروحه ولصورته حظوة في القلب وفي الوجدان، لن تموت طالما بقيت على قيد الحياة.
* سعيد رحيم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *