رواية "الجهة السابعة"للروائي الفلسطيني كميل ابو حنيش
تدرك وانت تقرأ رواية "الجهة السابعة" أنك سجين أيضا، فالسجن ليس فقط جدران خرسانية وقضبان، هناك سجون ندخلها بإرادتنا، سجون أقسى واشد ظلمة، سجون الجهل والخوف، سجون اليأس والإحباط، سجون القهر والعجز.
في المقابل، وفي السجون القسرية، بدا الأسير فيها حرا، محلقا في عالم الخيال، محطما الاغلال والقيود، متحديا جبروت السجان، فابتدع الأسير جهته السابعة كي لا يتلاشى في الغياب.
عبر بوابات الجهة السابعة الثلاث "الحب، الحلم، الخيال"، تجاوز الأسير سرد الحكاية كراوية لمعاناة خاصة، لتصبح الرواية شكلا من اشكال المقاومة، وصوتا من أصوات الحرية والكرامة الانسانية.
ففي بوابة الحب، يلتقي كميل بأروى والتي صورها كآلهة الحب، حيث يمتنع عن الاقتراب منها حتى لا يخل بقداستها، يبحث عنها في كل انثى يلتقيها، فكانت كل علاقاته بهن وعلى اختلاف مسمياتهم مرتبطين بشكل او بآخر بأروى (الهة الحب)، أليس هناك ما يكفي من السحر والجاذبية في كون المرأة بعيدة المنال! حيث يقول: "فهل كان حبكِ مستحيلاً إلى هذا الحد؟ أم أنَّ هذا يضعكِ في شعور من الاستحالة؟ كنتِ أنثى الحب المستحيل الذي انبثق في شكل جمال محض، مجسداً في امرأة كتبتها الطبيعة كقصيدة شعر منظومة على بحر الحب".
وعن علاقته الأخيرة بحنان وكيف آثر الفراق والابتعاد عنها، نتيجة ظروف الملاحقة والمطاردة التي كان يتعرض لها من قبل الاحتلال، تركت في قلبي غصة، ماذا لو اكتملت هذه العلاقة وكللت بالنجاح، لكانت أحلامه بطفلته البريئة المدللة شادن قد تحققت، قصة من ضمن قصص كثيرة واحلام قتلها الاحتلال لكميل ولغيره من الاسرى.
في بوابة الحلم، يروى لنا تأثير الظروف السياسية في تشكيل جيل (أبناء الانتفاضة الأولى)، وهي نفس الظروف التي ساهمت في تشكيل فكر ووعي الراوي نفسه.
ويتساءل: "أيكون بوسعك أن تعبر الجهة السابعة وتلج بوابة الحلم وقد غدت الأحلام كوابيساً؟"، عندما حلم ان الانتفاضة لن تتوقف وتنتهي الا بالتحرير، وإذا به يكتشف أنَّه كان حالما وسرعان ما تلاشى الحلم، الا حلم الحرية فبقي يراوده كل ساعة، فيكمل: "أجل، لا زلت ترى ذات الحلم الذي يسيّرك ويقودك، حلم الحريّة دربك في يديه، كم مرَّ عليك من عمليات تبادل للأسرى، وإفراجات طالت الآلاف ولا تزال ترسف بالقيد!".
ويختم كميل روايته ببوابة الموت، حيث ينقلنا الى أجواء الانتفاضة الثانية بأدق تفاصيلها، تعيش احداثها وكأنك مطاردا معه ومع رفاقه، وتعيدك لأمجاد مضت.
يمكن اعتبار هذه البوابة وثيقة تاريخية هامة، توثق لمرحلة من مراحل النضال الفلسطيني الذي لم ينته ولن ينته الا بالتحرير.
اكتملت أحلام كميل بنيل حريته بعد ثلاث وعشرين عاما قضاها بالأسر، وستكتمل أحلامه بطفلته (شادن) كما اكتملت لرفيقه وليد بـ (ميلاد).
الرواية مشوقة جدا، رومانسية في باب الحب، تفتح نافذة الأمل في الحياة من باب الحلم، مثيرة من باب الموت، تغوص في تجربة إنسانية عبر شخصيات حية وذات أبعاد إنسانية حقيقية، لها أحلامها ومخاوفها، تجعلك منغمساً في عالمها ومستمتعاً بكل تفاصيلها حتى النهاية.وداد يوسف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق