أسرار مشاركة “إسرائيل” في اختطاف بن بركة| الحلقة 8: الدليمي يروي للموساد اللحظات الأخيرة لبن بركة
أسرار مشاركة “إسرائيل” في اختطاف بن بركة| الحلقة 8: الدليمي يروي للموساد اللحظات الأخيرة لبن بركة
في باريس، حوالي الساعة 21:45، تم توقيف عميلين من الموساد من قِبل الشرطة. كان فحصًا روتينيًا: كانت أضواء خلفية سيارتهم معطلة. عرض نفتالي كينان جوازه الدبلوماسي واعتذر مرارًا، تركهما الشرطي يذهبان. وبعد مسافة وجيزة، غيّر العميلان الإسرائيليان سيارتهما فقد كاد مخططهما لهذه الليلة أن يكشف.
ركبا سيارة «ميفوراخ» التي كانت تسير خلفهما. بعد قليل من الساعة 22:00، دخل «ميفوراخ» مقهىً قرب الشانزليزيه، حيث كان الدليمي واثنان من رجاله ينتظرون عملاء الموساد. وبعد دقائق، وبعد القيام ببضعة تدابير أمنيّة حول المقهى، انضم إليهم كينان وعطار. تعرّف «عطار» على الشرطيين المغربيين اللذين، قبل نحو ثلاث أرباع ساعة، استلما في سان-كلود الحقيبة التي تحتوي على “الأدوات”. أبلغ الدليمي الإسرائيليين أن اثنين من رجاله لم يصلا بعد. كانا قادمين من المغرب عبر جنيف حتى لا يتركا أثراً عند الدخول إلى فرنسا، وبعد كلمات عابرة، انطلقت المحادثة حول «العملية» الليليّة.
“ألبير [الدليمي] أخرج خريطة محاطة بدائرة سوداء، وهي مكان وجود بريجيت [بن بركة]، على بعد 30 كيلومترًا جنوب باريس.. خلف مطار أورلي..”، سأل «ميفوراخ» ما هي أفضل طريقة للوصول إلى هناك. في فترة بعد الظهر، “في فندق أديلفي، كانوا قد نظروا في ثلاثة خيارات: بعد تحديد موقع احتجاز بن بركة مسبقا، يمكن لعميل من الموساد أن يعمل كـ «سمكة مرشدة»(المقصود = دليل يفتح الطريق) إما بسيارته الخاصة أو بسيارة مستأجرة؛ وإلا، ولتفادي الاستطلاع المسبق، يمكنه أن يستقل سيارة أجرة يتبعها المغاربة فقط”. «بعد مداولات صعبة»، تم اختيار الخيار الأخير، الذي بدا لـ«ميفوراخ» الأقل سوءًا.
قاطعهم وصول رافي إيتان. «هناك حواجز شرطية عند مداخل ومخارج باريس!» لقد علموا ذلك من تردّد إذاعة الأمن، ويبدو أن الأمر مرتبط باختطاف بن بركة. «سنعبر من هناك ونبلغكم!» ثم انصرف إيتان. كانت الساعة حينها 23:15.
شرح «ميفوراخ» للدليمي أنه في هذه الظروف سيكون من الأفضل لو يقتصر دور عملاء الموساد على الدوريات على طول الطريق المؤدية إلى أورلي. ويمكن لأحد عملاء الكاب 1 أن يأخذ سيارة أجرة ليقودهم بنفسه إلى مكان الاحتجاز. «وافق الدليمي فورًا.»
عرض الدليمي خطته، بن بركة «محتجز» لدى «فرنسيين»، يريد أن يخفي عنهم «المصير» الذي سيتعرّض له أسيرهم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن بن بركة نفسه «لن يتوقّع ذلك كثيرًا» بعد عدة أيام من الاحتجاز دون أن تُهدّد حياته. يحرص الدليمي على أن يجعل الفرنسيين يظنون أنه جاء مع رجاله لإعادة بن بركة إلى المغرب، سيصرفهم بعدها ويشكرهم ليمنحوه حرية التصرف. وإذا انتهت «العملية» في الليل، فسيعود رجاله فورًا إلى المغرب. هو وأحد معاونيه غير المتورطين في العملية (مدير مكتبه، عبد الحق العشعاشي، الذي يَتواجد في باريس منذ يوم السبت) «سيبقيان بضعة أيام إضافية» بصفة رسمية لتحضير زيارة الحسن الثاني في 11 نوفمبر. «حتى الآن، لم أتواصل بعد مع السلطات الفرنسية، خشية أن يتم تعقبي» يقول الدليمي.
تبادل العملاء الإسرائيليون نظرات معبرة.. سيكون الدليمي أكثر سعادة حينما سيدخل في تفاصيل العملية، عندما سيقومون بدفن بن بركة في الغابة — شكرًا طبعًا على «الأدوات» — هل ثمة طريقة أفضل من غيرها لذلك؟ يسأل الدليمي .. ” يا لي من مسكين، هل أبدو في نظره خبيرًا في هذا المجال”، يكتب ميفوراخ في ملخصه، ثم سيرتجل حصة من الأشغال التطبيقية: يجب دائمًا الاحتفاظ بالطبقة النباتية التي تُزال أولًا بشكل منفصل، ويفضّل أن تبقى سليمة، حتى يمكن إعادتها كما كانت في النهاية. يعمل رجلان في وقت واحد، كل واحد منهما في زاوية مغايرة عن الآخر حتى لا يعيقا بعضهما، يحفران في نفس الوقت. تتناوب الفرق على الحفر بوتيرة ثابتة. حفرة مستطيلة بطول 1.20 متر وعرض 60 سنتيمترًا وعمق 1.50 متر تكفي تمامًا. وبالطبع، لا بد أن يعرف المرء «كيف يُدخل الزبون».
حوالي الساعة 23:30، وصل الشرطيان المغربيان اللذان قدما عبر جنيف، استمرّت المحادثة. أين يجب إيقاف السيارة أثناء الحفر؟ يظنّ الدليمي أنه «على بعد نحو عشرة كيلومترات، لتجنّب لفت الأنظار”. يشير إليه «ميفوراخ» بأنّ تلك مسافة طويلة جدًا لفريق يُترك في مكان معزول، إضافة إلى أنّ السائق سيكون مفقودًا، أي شخص أقل للمساعدة في الحفر.
يوافق الدليمي على الملاحظة، وماذا عن السيارة المستأجرة؟ يقترح «ميفوراخ» تنظيفها جيدًا من دون ترك أي بصمات، ثمّ ركنها بالقرب من وكالة التأجير وإرسال المفاتيح بالبريد مع رسالة من نوع: «آسف جدًا، حدثت حالة طارئة في العائلة واضطررت للمغادرة في منتصف الليل، لكنني سأدفع لكم في زيارتي القادمة إلى باريس». سيكونون مسرورين باستعادة سيارتهم، ولن يثيروا أيّ مشاكل. «وافق ألبير [الدليمي] على وجهة نظري».
وفي تلك الأثناء، عاد رافي إيتان من جهة بورت ديتالي “باب ايطاليا” ليخبرهم أن الطريق أصبح خاليًا من الحواجز، وأنه يمكن المرور الآن. وقف الجميع وتمددوا. بدا الدليمي «متوترًا بعض الشيء» عندما قال: «آمل أن تسير الأمور على ما يرام، ولكن في حال حدثت أي مشكلة واحتجت إلى مساعدتكم، هل يمكنكم الحضور إلى المكان لمساعدتي؟». وبالاستعانة بخريطة على طرف الطاولة، تم الاتفاق سريعًا على «نقطة لقاء عند مفترق طرق، تبعد حوالي سبعة كيلومترات عن موقع التنفيذ». سيكون الاتصال سهلًا عبر الخط الهاتفي المؤقت، حيث سيكون هناك دائمًا من يجيب طوال الليل. بعد أن شكر «ميفوراخ» وزملاءه، غادر الدليمي متبوعًا برجاله، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.
“وفقا لجميع المؤشرات سينتهي هذا الملف هذه الليلة”، أرسلت هذه الرسالة من محطة الموساد في باريس على الساعة الواحدة صباحا، ولم يتبعها أي شيء طيلة صباح يوم الأربعاء 3 نوفمبر. عند الساعة 13:15 فقط، أعلنت باريس للمقر الرئيسي في تل أبيب أنها «تلقت مكالمة هاتفية ليست مطابقة تمامًا لما تم الاتفاق عليه، لكنها توحي بأن كل شيء سار على ما يرام. سنرسل مزيدًا من التفاصيل حالما نحصل عليها».
عندما توجه عملاء الموساد إلى فندق أديليفي من أجل «اجتماع التقييم» في الساعة الرابعة بعد الظهر كما كان مخططًا، لم يجدوا هناك لا الدليمي ولا زوجته. ولتفادي لفت الانتباه، امتنعوا عن سؤال موظف الاستقبال عن موعد مغادرتهما. ومنذ تلك اللحظة، لم يبق أمامهم سوى اجترار فرضيات سيئة: «حادث» أو طارئ أثناء الليل؛ أو ربما تم توقيف «ألبير»؛ أو أنه تخلّى عنهم وغادر.
وفي الساعة 17:30، «بالمصادفة»، التقى الدليمي وميفوراخ وجهًا لوجه في المقهى القريب من الشانزليزيه حيث التقيا في الليلة السابقة.
ـ «أين كنت؟»
ـ «وأنت، أين كنت إذًا؟!»
توضّح كل شيء، الدليمي وزوجته غيّرا غرفتهما في الفندق.
روى ديلمي، بتلقائية، ما جرى في تلك الليلة أثناء جلوسهما في المقهى. قال إنهم وصلوا «في الساعة 1:30 إلى المنزل الذي كان يحتجز فيه بريجيت [بن بركة]»، وأنه أرسل الحراس الثلاثة قائلاً لهم إنهم سيقومون «بنقل» بن بركة إلى المغرب. بل وأخبرهم حتى بأنه قد يتواصل معهم لاحقًا «إذا احتاج إلى مساعدتهم من جديد». قال إنه فعل ذلك «حتى يُبعد عن أذهانهم فكرة أنه ينوي تصفية بريجيت».
وبعد مغادرة الفرنسيين، أعلن لبن بركة أنه لديه أسئلة جديدة يود طرحها عليه، وهذه المرة «سيتحدث فعلاً». بدأ الاستجواب، ولكن عندما لم تكن الإجابات «مرضية»، أخذوه إلى الحمّام كما لو كانوا ينوون تعذيبه، «لكن ذلك لم يكن صحيحًا».
نظر الدليمي في عيني محدّثه، ليتأكد من أنه فهم ما يعنيه. في الواقع، ما إن امتلأ حوض الاستحمام بالماء، حتى، بدلاً من مجرد غمر رأس بن بركة، أمسكوه وأبقوه «هكذا لمدة ثلاث دقائق» تحت الماء. مدّ الدليمي ذراعه إلى الأسفل، راحته إلى الأمام، ليمثل المشهد. لقد أغرقوا بن بركة في حوض الاستحمام. بعد ذلك، التقط ألبير [الدليمي] صورة له ” حتى يصدقوني في المغرب بأن الأمر فعلا انتهى “، أضاف وهو يمزح.
لم يُربِك وصول رافي إيتان، الذي كان «ميفوراخ» قد أطلعه على لقائه العارض مع الدليمي، نائب رئيس الأمن المغربي.
على العكس من ذلك، فبينما جاء إيتان لتنظيم «جلسة التقييم» الرسمية مع نفتالي كينان، بادره الدليمي بالحديث عن المقارنة بين “طريقة الحمّام” و”الطريقة الطبية” في تنفيذ الاغتيال.
يقدّر الدليمي أن الطريقة الثانية لا تكون فعّالة إلا إذا كان لديهم سمّ سريع المفعول، عديم اللون والرائحة، وسهل الاستعمال. لكن بما أنهم سبق أن أبلغوه بأن هذا غير متوفر، فقد اختار أبسط وسيلة.
أخبره إيتان بأن السمّ القاتل الفوري كان في طريقه بالفعل، وأنه وصل في صباح اليوم نفسه (على متن الرحلة رقم 441 لشركة «العال»)، فأبدى الدليمي رغبته في تجربة السُمَّين لاحقًا “للمقارنة” بين تأثيرهما. وعده إيتان بإرسال السمَّين إليه إلى المغرب.
أما «ميفوراخ»، الذي كان يقوم بدور المترجم (لأن رافي لا يتحدث الفرنسية)، فقد حاول إنهاء الحديث بسرعة.
وبناءً على طلبه، أعاد الدليمي إليهم السمّ الذي لم يُستعمل، ومفاتيح الشقة السرية التي استُخدمت كمخزن لـ«الأدوات»، وكذلك جوازات السفر المزوّرة التي لم تُستعمل هي الأخرى.
أعرب الدليمي عن رغبته في الاحتفاظ بجواز السفر المزيف الذي أُعِدَّ له “كتذكار”، فوافقوا على ذلك.
غادر إيتان المكان استعدادًا للاجتماع مع كينان المقرر عقده في الساعة 18:15 بمقهى “بوكيه واغرام”، وهو مطعم صغير غير بعيد من هناك. كما غادر بعده ميفوراخ و الدليمي.
سرد الدليمي بسرعة بقية أحداث تلك الليلة:
لقد لفّوا جثة بن بركة في بطانية، ثم وضعوها في صندوق سيارة لنقلها إلى بعد 15 كيلومترًا، داخل الغابة. وقد حفروا لمدة ساعة، «وفي هذه اللحظة، عاد إلى الأبعاد الدقيقة التي كنت قد أشرتُ بها عليه»، يذكر ميفوراخ في تقريره.
ثم دفنوه كما كان مخططًا، إذ كانوا قد اتبعوا النصيحة التي قدمها لهم رافي إيتان، بخلع ملابس ضحيتهم واقتلاع أسنانه – بواسطة الكماشة والمفك – لجعل التعرف على الجثة أكثر صعوبة، لا يتوقف الدليمي عند هذه التفاصيل البشعة. لاحقاً، عند الطلب، سيذكر مع ذلك أن الخمس عشرة علبة من الصودا الكاوية قد استُخدم بالكامل.
ثم غادروا المكان، وبدّلوا ملابسهم، ونظّفوا السيارة، وتخلّصوا من “الأدوات”، قبل أن يعودوا إلى باريس حيث تركوا السيارة “غير بعيد عن وكالة التأجير”.
حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحًا، عاد كل واحد منهم إلى فندقه، ويضيف الدليمي أنه في تلك الساعة، كان ثلاثة من رجاله قد أقلعوا بالفعل، على متن رحلة الساعة السادسة مساءً إلى المغرب.
وقبل المغادرة، من مطار أورلي، اتصلوا بوكالة تأجير السيارات لإبلاغهم بأنهم أرسلوا مفتاح السيارة بالبريد، من مكتب البريد في محطة “غار دو نور”.
بعد مغادرة المقهى، سار الدليمي و ميفوراخ بضعة خطوات على الأقدام، تحت مراقبة “عطار”، الذي تأكد من أن لا أحد يتبعهما. ثم استقلّا سيارة أجرة للوصول في الوقت المحدد إلى مقهى ومطعم “بوكيه واغرام”.
وصلا مبكرين قليلًا. وفي انتظار وصول نفتالي كينان، روى ميفوراخ للديلمي أنَّه هو ورفاقه لم يغمض لهم جفن طوال الليل، وأنهم بقوا متأهبين حول “مركز الاتصالات” للرد فورًا على أي نداء، كما تم الاتفاق.
وفي تقريره الموجه إلى المقر في تل أبيب، أضاف “ميفوراخ” بين قوسين: “للعلم فقط: هذا غير صحيح”.
استغرق الاجتماع مع نفتالي كينان نصف ساعة بالكاد. لقد قيل كل شيء، فالمهدي بن بركة، “اختفى” والمهمة أُنجزت. غادر كينان أولًا، وتبعته فرقة الحماية. وفقا اللروتين المعتاد.
عندما ودّع الدليمي وميفوراخ بعضهما أمام المقهى، حاول المغربي أن يعانق زميله من الموساد. اندفع نحوه، لكنه تردد لحظة، ربما لشعوره الغامض بأنه لم يُعامَل كندٍّ أو شريك، بل كمن كان تحت المراقبة.
ولم يجد ما يفعله سوى المبالغة في كلمات الشكر والامتنان. أما ميفوراخ، فقد أُعجب بالمجاملة التي وجهها إليه ديلمي، إذ قال له إنه يجمع بين “الفعالية والجاذبية”.
لم يتجاوز مجموع لقاءات الدليمي مع عملاء الموساد في باريس خمس ساعات ونصف، من بين تسعٍ وثلاثين ساعة وخمس عشرة دقيقة من وجوده في “الميدان”.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق