أسرار مشاركة “إسرائيل” في اختطاف بن بركة| الحلقة 7: ارتباك في تل أبيب وغموض في باريس
أسرار مشاركة “إسرائيل” في اختطاف بن بركة| الحلقة 7: ارتباك في تل أبيب وغموض في باريس
بعد الجريمة، عند حوالي الساعة التاسعة مساءً من نفس اليوم، غادر أوفقير والدليمي أورموي لتناول العشاء في باريس، في مطعم ” لو سيمبلون”، شارع فوبورغ مونتمارتر، قرب جراند بولفارد Le Grand Boulevard. شهد نادلان وأمينة الصندوق في المطعم على وجودهما حتى قرابة منتصف الليل. وكان ذلك هو الهدف.
لكن أوفقير والدليمي لم يذهبا فقط للظهور في مكان عام، بل كان لديهما الكثير ليقولاه. لقد وجدا نفسيهما في مصيدة. فمن المسؤول عن ذلك؟ أوفقير هو أصل كل هذه المتاعب: فهو الذي جند لوبيز وأعطاه الضوء الأخضر ليُدخل في العملية أيضًا بوشيسش.. كان الجنرال يعرفه منذ زمن بعيد. ثم جاء فيغون بفكرته عن الفيلم لـ “اصطياد” بن بركة .. لكن الدليمي هو من كان مسؤولاً عن المتابعة: القاهرة، جنيف والآن باريس… سلسلة من الإخفاقات، رغم مساعدة الموساد.
بعد ستة أشهر من مطاردة الرجل بدعم هائل من الوسائل والعملاء والمعلومات، وجدوا أنفسهم أمام واقع من فعلٍ ارتجالي ومليء بالمخاطر.
هناك خطآن يقعان على عاتق لوبيز: الشاهد الذي تُرك حراً والذي قد يفضحهم أمام المحققين، واثنان من رفقائه من الشرطة الذين استدعاهم إلى فونتيني-لو-فيكومت، إلى بيت بوشيسش. لكن ثمة خطأ ثالث يقع على عاتق الدليمي: ما الذي دفعه إلى الرغبة في قتل بن بركة أمام هؤلاء المجرمين، والأسوأ من ذلك، أمام فيغون الذي سبق أن ابتزّهم؟ لو كان الهدف توسيع دائرة الشهود غير القابلين للسيطرة عليهم، لما اتُخذ قرارٌ بهذا الشكل.
الآن لم يعد هناك متسع للاختيارات، يجب إيجاد وسيلة لجعل الأمر يبدو كأنهم فعلاً يعيدون بن بركة إلى المغرب. لذا، لا بدَّ أن يبقى حيًا. ثم سيرون ما يفعلون بعد ذلك. لا مزيد من التسرع، ولا مزيد من الارتجال. يعرف أوفقير والدليمي أنهما لم يعودا يملكان حقّ الخطأ.
على الساعة الواحدة فجراً، يوم الأحد 31 أكتوبر، وصلت فاطمة أوفقير إلى أورلي. كدليل على ضبطه لنفسه، كان أوفقير في المطار لاستقبال المرأة التي فارقته لكنها تظل أم أولاده وحب حياته الكبير. اثنان من أطفالهما (رؤوف، المتأخر دراسيًا، ومريم، ابنتهما المصابة بالصرع يقضيان فترة دراسية داخلية في غشتاد بسويسرا). كان الوالدان ينويان زيارتهما معًا خلال عطلة عيد جميع القديسين.
لم يجلس أوفقير في غرفته، التي كان حجزها فعلاً في الرويال مونصو. عاد الجنرال إلى أورموي. تحت جنح الظلام، كان هو والدليمي حاضرين حين أُخرج بن بركة من القبو ووُضع في سيارة أقلعت به. بعد الساعة الخامسة بقليل، وفي استمرار استعداده لتقديم الخدمة، أقلع لوبيز ليقود أوفقير والدليمي إلى مطار أورلي.
في الطريق، يبدو أنهم حثّوه على الهرب إلى المغرب.
قال له أوفقير: «تعال بأسرع ما يمكن!»
وأضاف الدليمي بإلحاح: «ولمَ لا تأتي معنا من الآن؟».
كان فعلاً هناك ما يدفعه إلى الرغبة في الاحتماء من الملاحقات القضائية. لكن فجأة، بدأ لوبيز يشك في مملكة أحلامه أكثر مما يخاف من العدالة الفرنسية، فقرّر البقاء. لم يكن هذا القرار سهلًا بعد ثمانٍ وستين ساعة من التوتر الشديد – منذ علمه بوصول بن بركة في الثامن والعشرين – قضى معظمها بلا نوم. قرارٌ كلّفه ستّ سنوات، وشهرًا واحدًا، وواحدًا وعشرين يومًا من السجن. لكنه أنقذ حياته.
على السادسة صباحًا، شوهد لوبيز في المطار يتناول الفطور مع أوفقير و«اثنين من المغاربة الآخرين».
الجنرال أوفقير وفاطمة أوفقير، التي وصلت قبل ساعات، أقلعا نحو جنيف على متن الطائرة المغادرة على الثامنة.
وعلى الساعة التاسعة وخمسٍ وأربعين دقيقة، أقلعت طائرة أخرى تقلّ الدليمي، الشتوكي، والممرض الحسوني إلى الدار البيضاء.
أما لوبيز، الذي غادر مطار أورلي بين الرحلتين، فلم يكن قد انطلق بعد إلى للالتحاق بعائلته. قبل ذلك، مرَّ على فونتيني-لو-فيكومت ليتحدث، مع بوشيسش وباليس لمراجعة ما جرى عند استيقاظهما.
ثم عاد إلى منزله في أورموي “لينظّف الأكواب التي تُركت مبعثرة في كل مكان”، أو بالأحرى، كما قال بنفسه، ليقوم بـ”تنظيف شامل”، وربما أيضًا في القبو. لم يكن غير راضٍ عن “العملية”؛ فبرأيه، لم “تترك أي مجال للهواية أو الارتجال”.
عودة الدليمي إلى المغرب أعادت جهاز الموساد إلى اللعبة. يوم الإثنين، 1 نونبر، أُرسلت رسالة مصنفة على أنها «عاجلة» على الساعة 13:20 من مكتب الوكالة في الرباط إلى المقرّ الرئيسي، جاء فيها أن: “ألبرت [الدليمي] سيتوجه هذا المساء إلى باريس. المغاربة لديهم خطة جيدة تتضمن استخدام الدواء [أي السم] الذي وعد به موريس [مائير عميت، رئيس الموساد]. وهم بحاجة إليه في موعدٍ لا يتجاوز مساء الغد”.
وقد تمّ التأكيد في البرقية على الطابع الملحّ لهذا الطلب: “من فضلكم، تأكدوا من أن الدواء سيصل إلى باريس في موعدٍ أقصاه صباح الغد، لأن ألبرت يعتمد كليًا في عمليته على ذلك”.
كما أشارت البرقيّة إلى وسيلتين للتواصل مع دليمي:
- إما عبر اتصال هاتفي مُحدد في اليوم التالي عند الساعة 13:30،
- أو من خلال زوجته المقيمة في فندق أدلفي، شارع تيتبوت، المتفرع من شارع أوسمان.
في مقرّ الموساد، كان الاستيقاظ على وقع الخبر صادمًا. فالوكالة الإسرائيلية لم تتلقَّ أي خبرٍ من شركائها المغاربة منذ زيارة رئيسها إلى المملكة، صمتٌ مطبق. وفي اليوم السابق فقط، علمت الوكالة بخبر اختطاف بن بركة عبر الصحافة، فقد نقل فرعها في باريس إلى المقر الفقرة الصغيرة التي ظهرت في جريدة لوموند.
ولكي يتجنب الإحراج، قرر ماير عاميت أن ينتظر “يومًا أو يومين” قبل التحرك. وكان منطقه بسيطًا: “لماذا التشجيع على طرح أسئلة غير مجدية على المغاربة”.
بعد أسبوعٍ كامل من الغياب التام عن المشهد، عاد الموساد إلى قلب العملية. فبعد ستة أشهر من التردد والمراوغة، منح مائير عميت أخيرًا الترخيص الرسمي لاستخدام السمّ، قائلاً: “إذا كان مخطّطهم منطقيًا، فأنا أوافق على تزويدهم بالمادة المطلوبة”.
بهذا القرار، أوفى عاميت بالوعد الذي كان قد قطعه أمام الدليمي أثناء زيارته السابقة إلى المغرب. وفيما بعد، أمام لجنة التحقيق، صرّح بأنه اتخذ “أقصى إجراءات الأمان” عند اتخاذ القرار، لكن من الصعب فهم ماهيّة تلك الإجراءات فعليًا.
ومهما يكن، فإن الحرص على الحفاظ على مظهر الجهل بأهداف العملية – أي الادعاء بأن الموساد لا يعلم الغاية من استخدام الوسائل التي وفرها – قد تبخر في ذلك اليوم. فلا مراقبة معارض سياسي، ولا حتى ترحيله قسرًا، تستدعي استخدام سمّ قاتل.
في الواقع، كان مائير عميت يحاول تدارك خلاف حاد نشب بينه وبين أوفقير، أول حليفٍ للموساد في المغرب.
فبحسب رسالة أخرى أرسلها مكتب الوكالة في الرباط، يوم 1 نونبر، كان الجنرال أوفقير قد شعر بـ”الإهانة من عرض المال الذي قدمه موريس [مائير عميت] مقابل اعتراف المغرب بإسرائيل”.
هذا هو سبب الانقطاع الكامل في الاتصالات بعد زيارة رئيس الموساد للمملكة، وهذا هو أيضًا ما نسف الطموح الكبير لعاميت، الذي كان يأمل في كسر عزلة “الكيان” داخل العالم العربي.
أما الدليمي، حامل رسالة استياء أوفقير، فقد حاول تهدئة الأجواء، وعندما طلب منه العميل الإسرائيلي الذي يعمل معه يوميًا أن يُبدي رأيه، قال إن أوفقير حضر الاجتماع وهو “في مزاج سيئ”، وإنه “لم يكن يعني ما قاله فعلاً”.
مع ذلك، أُجّلت زيارة كانت مقررة، وتوقفت بعض الأنشطة المبرمجة، و كان على الموساد – وخاصة مديره – أن يُصلح الموقف سريعًا إن أراد أن يحافظ على أفضل علاقة ممكنة مع المغاربة.
يوم الثلاثاء، 2 نونبر 1965، وصل الدليمي إلى باريس، بعد أن غادرها صباح اليوم السابق، على متن الرحلة الليلية. كان اثنان من عملاء الموساد، نفتالي كينان ورافي إيتان، في انتظاره في مطار أورلي. ونظرًا لوجود «أشخاص آخرين» جاءوا لاستقبال رئيس الأجهزة المغربية، اكتفى كينان بالسير لبضع ثوانٍ بجانبه، ليهمس له – «الساعة الحادية عشرة» – باسم مقهى عند بوابة سان-كلود.
على الساعة 11:30، أي بعد نصف ساعة من الموعد المقرر بسبب مناورات معقدة للتأكد من أن الدليمي لم يتم تعقبه، التقى نفتالي كينان وعميل آخر من الموساد « ميفوراخ » برئيس جهاز الكاب 1 في مقهى عند بوابة سان-كلود. سلّموه، بالإضافة إلى رقم هاتف مركز عمليات، تم إنشاؤه ليتمكن من الاتصال بهم على مدار الساعة، خمسة جوازات سفر أجنبية «في غلاف جلدي»، ومفتاح الخزانة في قسم حفظ الأمتعة بمحطة الشمال، حيث تركوا السم هناك احترازًا.
كان الدليمي يطالبهم أيضًا بـ “أدوات لـ دفن النفايات في الغابة” وهيدروكسيد الصوديوم. وأشار إلى أن بن بركة موجود “في منزل خارج باريس”. ويريد “إنهاء الأمر الليلة”.
عند قراءة هذه الأخبار، ردّ مائير عاميت فورًا: “ماذا يعني هذا بالضبط؟”، سأل عملاءه عبر إعادة إرسال البرقية. “أين، بالضبط، يوجد بن بركة وفي أيدي من؟”، كما أشار رئيس الموساد أيضًا إلى أن السم الذي تم تسليمه ليس “ذا تأثير فوري”، وإذا كان قد فهم نية الدليمي بشكل صحيح، “فقد لا تكون المادة الطبية مناسبة” ويجب تزويده بسم آخر.
«وقت الغداء»، وعلى الرغم من المخاطر الكامنة من تكرار الاتصالات مع رجل معرض للانكشاف مثل الدليمي في باريس، بعد أربعة أيام فقط من اختطاف بن بركة ، التقى نفتالي كينان مرة أخرى بالمسؤول في الأجهزة المغربية. وأبلغ مائير عاميت بذلك ووعده بـ “تفاصيل أكثر عبر رسالة”.
“من المرجح أن تنتهي العملية الليلة، وقد اتُخذت الترتيبات الأمنية لإنجاز المهمة”، في انتظار الرسالة، تبقى المعلومات مجرد عموميات تغضب مدير الموساد الذي فقد صبره: ” في انتظار رسالتك، لا نفهم الكثير سوى أن كل شيء على ما يرام”.
لا تنتهي حيرته هنا، إذ يرسل عميل الموساد بطلب مفاجىء، يصفه المرسل بـ “المعقد جدا”، حيث يريد الدليمي أن يعمل الموساد كدليل له هذه الليلة، لأنه “هو ورجاله لا يعرفون الطريق إلى المكان الذي يُحتجز فيه إيترنا (بن بركة)”.
يوم الثلاثاء 2 نونبر، أي بعد أربعة أيام من اختطاف المهدي بن بركة، كان عميل من الموساد («عطار») يتجول بين رفوف أدوات البستنة في متاجر مختلفة بباريس.
كان يحمل قائمة طويلة من المشتريات، لكنه كان يشتري عنصرين أو ثلاثة فقط في كل مرة، لا أكثر، مع الحرص على عدم لفت الانتباه – أي أنه مُنع من طرح الأسئلة أو بدء أي محادثة… بعد أن خاطر بأن يُكشف في متاجر الأدوات في الأحياء، توجه إلى متجر إنّو-بي.جي، اختصار لكلمتي «ابتكار» و«بيل جارْدينيير». هذا المتجر الكبير العصري للغاية – الأول في باريس الذي يجمع بين البقالة، الملابس والأدوات، والأول أيضًا الذي يحتوي على «كاشير» جماعي عند المخرج – يقع بجوار متجر لا ساماريتان، رصيف ميجيسري.
هكذا، من متجر لآخر، ملأ «عطار» صندوق سيارته. كانت هناك مجرفتان، قام بقطع مقبضيهما لتقصيرهما إلى 80 سم؛ وعندها أمكن وضعهما، مع المعول، في الحقيبة الكبيرة القماشية التي اشتراها أيضًا ضمن اللائحة. وُضع أيضًا مصباحان كشافان، ومفك، و«كماشة عادية». أما ما تبقى من مساحة، فتم حشوه بخمسة عشر عبوة من الصودا على شكل حبيبات، كان هذا هو العنصر الأكثر خطورة – هيدروكسيد الصوديوم – والذي قد يثير الانتباه. فهو يُستخدم عادة لفتح مجاري الأحواض، لكن بسبب قوته التآكلية القادرة على حرق اللحم، لن يشتري أحد مثل هذه الكميات لتخزينها في منزله، فهذا أمر شديد الخطورة.
حوالي الساعة 21:00، وضع «عطار» وعميل آخر يدعى «راشيم» الحقيبة القماشية في وسط غرفة المعيشة، المقسومة بجدار قابل للإزالة، في شقة مكونة من أربعة غرف في سان-كلود، غرب باريس. كان هذا هو “المخبأ الآمن” الذي يؤجره الموساد منذ 5 أكتوبر لرجال الكاب 1.. لم يتم استعماله بعد ، حيث لم يتم تسليم العنوان والمفاتيح للدليمي إلا في هذا اليوم.
أغلقا باب الشقة خلفهما بهدوء، نزل العميلان عبر سلّم العمارة وخرجا من المبنى الجديد الكليّ الواقع في 26 حديقة بيرينجير. ثم تموضعا قريبًا منها، مختبئين تحت مدخل مسقوف. بعد ربع ساعة تقريبًا، أسرع أكثر مما كان متوقعًا، توقف تاكسي على بعد نحو 200 متر، هبط منه مغربيّان وتوجها نحو الـ26. توقف التاكسي لانتظارهما، والمحرك يشتغل، والمصابيح مضاءة.
بعد دقائق قليلة، عاد المغربيان ومعهما الحقيبة التي حملاها في صندوق التاكسي، وانطلق التاكسي مجددًا. انتهى الأمر، لقد سُلِّمت «الأدوات».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق